من يقرأ ميثاق مجلس السلام الذي أعلن تأسيسه الرئيس الأمريكي يوم الخميس الماضي على هامش المؤتمر الاقتصادي في دافوس، سوف يدرك بسهولة أن رئيس المجلس ترامب صار فعليا هو الإمبراطور المتوج الذي يمسك في يده بكل شيء ليس فقط في قطاع غزة ولكن في كل المنطقة تقريبا. النص المنشور على موقع "سي إن إن" يقول بوضوح إن هذا مجلس ملاكي يتصرف فيه ترامب كما يشاء ووقتما يشاء، يشكله ويحله، ويعين ويعزل أعضاءه.
في ديباجة الميثاق تشكيك واضح في الأمم المتحدة ومنظماتها ودعوة صريحة إلى "هيئة دولية أكثر مرونة وفاعلية لبناء السلام". المجلس ليس فقط مختصًا بغزة كما كان يتصور الجميع، بل يعرف نفسه بأنه "منظمة دولية تسعى لضمان السلام فى المناطق المهددة بالنزاعات". عضوية المجلس تقتصر فقط على الدول التي يدعوها ترامب للمشاركة، والعضوية لمدة ثلاث سنوات شرط سداد مليار دولار، والعضوية مستمرة لمن يدفع أكثر من المليار أي "ادفع لتشارك". كما أن إنهاء العضوية يكون بنهاية المدة المحددة، أو بقرار إقالة من ترامب.
تتخذ القرارات بأغلبية الدول الأعضاء لكن بشرط موافقة ترامب، الذي يتمتع أيضا بسلطة حصرية لإنشاء أو تعديل أو حل الكيانات التابعة للمجلس حسبما تقتضيه الضرورة. كما يحق له أن يعين خلفا دائما له، ولا يجوز استبدال الرئيس إلا في حالة الاستقالة الطوعية أو نتيجة العجز، وبالتالي فمن الممكن أن يقوم ترامب بتعيين ابنه أو زوجته أو زوج ابنته جاريد كوشنر الذي طرح في اليوم نفسه خطة إقامة غزة الجديدة أو "شروق الشمس" بـ 25 مليار دولار من دون أن يوضح مصير سكان غزة أو الاحتلال. الميثاق يعطي ترامب صلاحية إنشاء لجان فرعية حسب الحاجة وتحديد اختصاصاتها. كما يعطيه الحق في اختيار المجلس التنفيذي، ويجوز له عزلهم أو تجديد عضويتهم، والأخطر أن الميثاق يعطي ترامب حق الفيتو على أي قرار للمجلس التنفيذى، في أى وقت لاحق لصدوره.
وفى حالة وجود أي خلافات بين أعضاء مجلس السلام أو كياناته وموظفيه، يتم حلها بالطريق الودي، لكن الرئيس هو المرجع النهائي. ويجوز للمجلس التنفيذي اقتراح تعديلات على الميثاق ويتم اعتمادها بموافقة ثلثي الأعضاء، لكن في كل الأحوال لابد من موافقة رئيس المجلس، وكذلك موافقته على أي تعديلات أخرى. ومن المواد اللافتة للنظر نص يقول إن المجلس يخول لرئيسه إصدار قرارات وتوجيهات بما يتوافق مع هذا الميثاق. ومن المواد الطريفة نص يقول: "يتم حل مجلس السلام في الوقت الذي يراه الرئيس ضروريا أو مناسبا أو في نهاية كل سنة فردية، ما لم يحدده الرئيس في موعد أقصاه 21 نوفمبر من تلك السنة الفردية".
ومادة طريفة وكوميدية أخرى تقول إنه لا يجوز إبداء أي تحفظات على هذا الميثاق. وبدلا من إيداع نصوص وميثاق هذا المجلس في الأمم المتحدة باعتبارها عنوان الشرعية الدولية، يقول الميثاق إن الإيداع سيكون في الولايات المتحدة. وهناك المواد الأخرى الكثيرة التي تتحدث عن تفاصيل تأسيس هذا المجلس وقواعده التنظيمية. ولا أعتقد أن مجلسا تأسس بين أي مجموعة من الدول حتى لو كانت دولتان فقط، نص ميثاقه على هذه الصفات التي تجعل من رئيسه ملكا وإمبراطورا متوجا.
في هذ المجلس تنطبق على ترامب صفة One Man Show أو عرض الرجل الواحد. هذا المجلس المفترض أنه تأسس من أجل وقف إطلاق النار وإعمار قطاع غزة بعد العدوان الإسرائيلي الذي استمر لمدة عامين وشهرين تقريبا وما يزال متواصلا بصورة أقل حتى الآن، لكنه وللغرابة لا يضم أي شخص من "منظمة التحرير الفلسطينية" و"السلطة الفلسطينية" في رام الله. كما لا توجد أي كلمة من قريب أو بعيد تتحدث عن حقوق الإنسان في غزة وفلسطين. ناهيك عن علاقة غزة بالضفة الغربية أو الدولة الفلسطينية.
والأخطر أن المجلس يقول إنه يمارس نشاطه انطلاقا من قرار مجلس الأمن رقم 2803، لكنه يقوم بإلغاء ممنهج للأمم المتحدة وكل منظماته، وبعد أن كان لدينا خمسة فيتو في مجلس الأمن، صار عندنا فيتو واحد فقط يملكه ترامب ويتحكم فيه في معظم بلدان العالم. سوف تذكر كتب التاريخ أن هذا المجلس فريد من نوعه في الاختصاصات المطلقة لرئيسه وتشبه صلاحيات الأباطرة وأشد الطغاة استبدادًا.
وبالتالى فيصعب تماما تصور استمراره لأنه يحمل داخله عوامل تفجيره. الميزة الوحيدة له حتى الآن أنه أوقف العدوان الإسرائيلي حتى لو كان ذلك بصورة مؤقتة.
(الشروق المصرية)

