صحافة

توسع جبهات الحروب الأميركية..الأسباب والنتائج

مصطفى السعيد

المشاركة
توسع جبهات الحروب الأميركية..الأسباب والنتائج

كان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قد خاض معركته الانتخابية ببرنامج أبرز بنوده خفض إنفاق التسلح وإحلال السلام، وسرعان ما انقلب على تلك الخطط رأسا على عقب، وغير اسم وزارة الدفاع إلى وزارة الحرب، وأعلن عن رفع ميزانية الإنفاق العسكري من نحو 950 مليار دولار إلى تريليون و500 مليار، وشرع في عمليته العسكرية الغريبة على فنزويلا، باختطاف رئيسها نيكولاس مادورو، وأعلن عن خطط الاستيلاء على جزيرة غرينلاند الدنماركية وضم كندا، ومهاجمة كوبا وكولومبيا والمكسيك ونيجيريا، ويتجهز لحملة عسكرية واسعة ضد إيران، التي توعدها بالسحق .. لماذا تغيرت توجهات الرئيس الأمريكي بهذه السرعة والحدة؟.

أول الأسباب أنه كان يعول كثيرا على الحرب التجارية، ورفع الرسوم الجمركية، بما يحقق عائدا كبيرا، والأهم أنه سيعيد الصناعات الأمريكية من الخارج، ويجذب الاستثمارات التي ستتهرب من الرسوم الجمركية المرتفعة، وتفتح مصانع في الولايات المتحدة، بما يرفع ناتجها المحلي ويوفر فرص عمل، ويخفض الواردات، وبالتالي تنخفض الديون الهائلة التي تجاوزت 38 تريليون دولار، تبلغ قيمة فوائدها السنوية وحدها ما يزيد على تريليون دولار، لكن هذه الخطة لم تحقق أهدافها، فلا الشركات الأمريكية عادت، ولا الكثير من الدول انصاعت تحت تهديد رفع الرسوم الجمركية، وكان التحدي الأكبر من جانب الصين، التي ردت بقوة، رسوم مقابل رسوم، وكانت الصين هي الهدف الأكبر للحرب التجارية، وكان يعتقد أنه سيجبر معظم دول العالم على وقف التبادل التجاري مع الصين، وحصارها اقتصاديا.

لكن الحرب على الصين جاءت بنتائج عكسية، فالفائض التجاري للصين ارتفع من نحو تريليون دولار عام 2024 إلى تريليون و200 مليار في عام 2025، بل شنت الصين هجوما معاكسا، لم يقتصر على رفع الرسوم الجمركية على الواردات الأمريكية، بل تخطاها لتتوقف عن استيراد الرقائق الإلكترونية من شركة انفيديا الأمريكية. وكانت الضربة الأشد إيلاما تقييد صادرات الصين من المعادن النادرة المستخدمة في الصناعات التكنولوجية، بما يهدد أهم الصناعات الأمريكية، خاصة صناعة الأسلحة. كان خسارة الحرب التجارية نقطة تحول في سياسة الرئيس ترامب، الذي وجد أنه مطالب بسداد فوائد وأقساط ديون كبيرة، ولا يوجد سبيل لخفضها، فكان التوجه نحو الخيار العسكري، وجاءت فنزويلا لتحتل مقدمة الأهداف، لكونها تمتلك أكبر احتياطي من النفط في العالم، وبالسيطرة عليها يمكن إنعاش شركات البترول الأمريكية، وحرمان الصين من استيراد النفط الفنزويلي.

ثم جاءت إيران كهدف أكبر، إلى جانب تهديد نيجيريا، وبهذا تكون الولايات المتحدة متحكمة في أسعار وصادرات النفط، بما يعزز مكانة الدولار المهتز، والذي خسر نحو 10% من قيمته العام الماضي، والمهدد بفقدان عرشه مع توسع منظمة بريكس في التبادل التجاري بدون وساطة الدولار، وتوسع منظومة "سيبس" الصينية، البديلة لمنظومة "سويفت" التي تسيطر عليها الولايات المتحدة. لم تجد الإدارة الأمريكية سوى المجال العسكري لاستعادة النفوذ والقوة، لهذا فتحت عدة جبهات، رأت أنه يمكن أن تحقق لها مكاسب اقتصادية ونفوذا أكبر، ولهذا تجاوزت الإدارة الأمريكية القانون الدولي، وقال الرئيس ترامب صراحة وبشكل صادم إنه لا يلتزم بالقانون الدولي، وإنما بأخلاقه فقط، مع أن الولايات المتحدة هي أهم من وضع أسس وبنود القوانين الدولية، ودستورها ينص على الالتزام بها، ثم كان إعلان الخارجية الأمريكية أن نصف الكرة الغربي يقع تحت نفوذ أمريكا، بدعوى إعادة تفعيل "مبدأ مونرو" بثوب ترامبي، وكذلك الإعلان الغريب للرئيس ترامب بأنه رئيس فنزويلا بالوكالة، ثم ضغطه على الدنمارك لشراء جزيرة جرينلاند، ملوحا بالقوة العسكرية، ثم بعقوبات اقتصادية.

السؤال الأكثر إلحاحا هو هل تحقق القوة ما عجز عنه الاقتصاد الأمريكي؟ وجد ترامب أن استغلال بترول فنزويلا يحتاج الكثير جدا من النفقات الاستثمارية، والمبرر القانوني، والأهم توافر الأمان للشركات الأمريكية، والتي رفضت التوجه إلى بلد غير مستقر وخطر ومعاد. أما حملة جرينلاند فاصطدمت بالحلفاء في حلف الناتو، وستكون أول مرة تستولي الدولة الحامية لأوروبا على أراضي دولة حليفة، بما يهز الثقة والمكانة ويحول الحلفاء إلى خصوم، وكذلك دفعت كندا إلى عقد اتفاقيات شراكة مع الصين، وكذلك تتجه فرنسا وبريطانيا وإيطاليا واستراليا وكوريا الجنوبية نحو الصين، لتخسر الولايات المتحدة أقرب وأهم حلفائها.

أما الحرب على إيران فيكتنفها الكثير من الغموض والمخاطرة، ويمكن أن تتحول إلى حرب واسعة، تستنزف الولايات المتحدة، وتلحق ضررا كبيرا بهيبتها إذا لم تحقق الهدف الصعب بالسيطرة على إيران، وفي المجمل فإن توسع جبهات المعارك الأمريكية لن يحقق مكاسب سريعة، يمكنها إنقاذ الاقتصاد الأمريكي، بل المرجح أن تزيد الأعباء والمخاطر، وتسرع وتيرة التراجع الأمريكي.

(الأهرام المصرية)
?

برأيك، ما هو العامل الأكثر تأثيرًا في تردي الواقع العربي؟





الإجابة على السؤال

يتم التصفح الآن