صحافة

خطوات مُتسارعة لتفعيل اتفاقية ممر زانجزور

ناصر زيدان

المشاركة
خطوات مُتسارعة لتفعيل اتفاقية ممر زانجزور

وسط تسارع التطورات على أكثر من ساحة في العالم، تبرز زيارة وزير خارجية أرمينيا أرارات ميرزويان إلى واشنطن، وتوقيعه تفاهماً مع نظيره الأمريكي ماركو روميو على بدء تنفيذ مراحل تأهيل وتشغيل ممر زانجزور، أو "طريق ترامب للسلام والازدهار الدوليين" الذي يمتد من تركيا إلى باكو عاصمة أذربيجان مروراً بإقليم ناخيتشيفان وجنوب أرمينيا في مرحلته الأولى، والأساسية، ومن ثمَّ يصل إلى غالبية دول وسط آسيا من الشرق، وإلى أوروبا من الغرب.

واتفاقية إنشاء الممر وقِّعت في آب/ أغسطس الماضي بين الرئيس الأذربيجاني إلهام علييف ورئيس وزراء أرمينيا نيكول باشينيان برعاية وحضور الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وكانت المناسبة تصالحية بامتياز، أنهت سنوات من الخصام والقطيعة والحروب بين البلدين حول ملفات حدودية. وإنشاء الممر ينهي عزلة إقليم ناخيتشيفان الأذري إلى الجانب الجنوبي الشرقي، ويساعد على التواصل السلس مع إقليم ناغورنو كاراباخ الذي تقطنه أغلبية أرمنية داخل أذربيجان.

إعلان انطلاقة تنفيذ المشروع من لقاء الوزيرين بواشنطن له دلالاته، ويحمل رسائل سياسية في اتجاهات متعددة، كما أنه يحصل في لحظة سياسية حساسة تمرّ فيها المنطقة المحيطة، خصوصاً ما يجري في إيران، لأن الطريق يعزلها من الناحية الشمالية كونه يعبر بالقرب من حدودها، إضافة لتأثيراته التجارية السلبية عليها، ويُضعف مكانة "طريق الحرير" الصيني الذي يعبر أراضيها.

في المرحلة الأولى التأهيلية للمشروع ستضخ الشركات الأمريكية ما بين 4 إلى 5 مليارات دولار على البنى التحتية للممر، لإنشاء خطوط متطورة لسكك الحديد وكابلات للاتصالات، إضافة لتوسيعه وتأمينه لسلوك السيارات والشاحنات بطريقة سلسة وآمنة، وبناء نقاط مراقبة حدودية عصرية تساعد على العبور بسهولة من دون تعقيدات بيروقراطية. على أن تستكمل المراحل اللاحقة بتوصيلات استراتيجية لخطوط نقل الغاز والنفط والبضائع من غالبية دول وسط آسيا.

ربما يكون من أهم الأهداف الاستراتيجية "لممر ترامب" منافسة "طريق الحرير" الصيني، ولكنه أقل حجماً واتساعاً من هذا الأخير، وهو لا يعبر في كافة الدول التي يمرّ فيها طريق الحرير، وقدرته الاستيعابية السنوية أقل بكثير منه، وقد لا تتجاوز قدرته نقل 40 مليون طن سنوياً تقريباً، لكن ربما يكون أحد أهدافه هو إيجاد حاجز طبيعي بين إيران وجيرانها في الشمال، وتعزيز المشاركة مع دول كانت في غالبيتها محسوبة على الفضاء السياسي والأمني الروسي، وهي قريبة من الصين المُنافس التجاري الأبرز للولايات المتحدة الأمريكية.

ولا يمكن إغفال أهمية الممر من الناحية التي تتعلَّق بتوفير النفط والغاز لأوروبا، ومن منطقة واعدة، وبذلك قد تخرج بعض الأسواق الأوروبية من الحاجة الملحة للغاز الروسي، وتؤثر الإمدادات السهلة من المنطقة المحيطة ببحر قزوين نحو الشمال على توفير منافسة تجارية تضبط أسعار السلعة الضرورية لكل الأسواق العالمية. الولايات المتحدة التي حصلت على امتياز الإشراف على الطريق لمدة 99 سنة، ترغب بطبيعة الحال في ربطه مستقبلاً بالأسواق الهندية من الجنوب الشرقي وصولاً لكل الأسواق في القوقاز والشرق الأوسط وأوروبا، وسيتم توسيع قدراته الاستيعابية ليتمكن بالفعل من منافسة "طريق الحرير" وهو سيوفر ما بين 10 إلى 15 يوماً من زمن إيصال الشحنات التجارية، وسيقلِّص كلفة النقل إلى ما يزيد على 30 في المئة من الأثمان التي تتكبدها الشركات لنقل منتجاتها بواسطة طُرق أخرى.

أما في السياسة والأمن، فالواضح أن موسكو التي تتضرَّر تجارياً من المشروع، تلقت ضمانات بأن لا يكون له مفاعيل سياسية وأمنية تؤثر عليها، وقد يحصل بعض التعاون بين مسارات الطريق ووسائل الإمداد الروسي إلى الجنوب وإلى غرب آسيا. بينما إيران عبَّرت عن مخاوفها من المشروع، لأنه سيكون سبباً لوصول قوات أجنبية إلى حدودها الشمالية كما قالت، وسيشكل حاجزاً يفصلها عن جيرانها في الشمال. أما الصين، فإنها ليست مرتاحة للممر بطبيعة الحال، وتعرف أنه يقوِّض من حركية خطة الحزام والطريق التي أطلقتها في عام 2013. في المقابل، فإن الممرّ ليس بمنأى عن المخاطر، فقد يواجه اعتراضات مستقبلية من الدول المتضررة منه.

(الخليج الإماراتية)

يتم التصفح الآن