تَأْتي الحَرْبُ على إيرانَ وَهِيَ دَوّامَةٌ مِنْ دَوّاماتِ "الطّوفان"، وَكُلُّ اسْتِطْلاعاتِ الرَّأْيِ في الْعامَيْنِ الأَخيرَيْنِ تُشيرُ إلى تَآكُلٍ خَطيرٍ في شَرْعِيَّةِ النُّخَبِ الْحاكِمَةِ العَرَبِيَّة، وَإِلى اتِّساعِ الفَجْوَةِ بَيْنَها وَبَيْنَ شُعوبِها في المَوْقِفِ مِنْ إِسْرائيلَ وَأَميرْكا. وانْتَقَلَتْ مَصادِرُ الْهَشاشَةِ في الشَّرْعِيَّةِ مِنَ الاسْتِبْدادِ والإِفْقارِ داخِلِيًّا إلى الشُّعورِ بِالإِذْلالِ الوَطَنِيِّ والقَوْمِيِّ في السِّياسَةِ الخارِجِيَّة، مَعَ عَجْزِ النِّظامِ عَنِ الحِفاظِ على الهَيْبَةِ والمَصالِحِ الوَطَنِيَّة.
سَتُعَمِّقُ الحَرْبُ الْجارِيَةُ جِراحَ النُّخَبِ الْحاكِمَةِ العَرَبِيَّةِ وَتَآكُلَ شَرْعِيَّتِها، خاصَّةً أَنَّها عَبَّرَتْ عَنْ مُسْتَوى غَيْرِ مَسْبوقٍ مِنَ الِاسْتِخْفافِ الأَميرْكِيِّ بِمَصالِحِ حُلَفائِها العَرَب، وَجَعَلَهُمْ مَكْشوفينَ أَمامَ شُعوبِهِم.
ترامب غامر بكلّ التطوُّر الاقتصادي والعمراني لدول الخليج
إِنَّ قِيامَ دونالد ترامب بِشَنِّ الحَرْبِ مَعَ إِسْرائيلَ مَثَّل، في حَدِّ ذاتِهِ أَمامَ الرَّأْيِ الْعامّ، نَوْعًا مِنَ الِاسْتِهْتارِ الْعَلَنِيِّ بِمُناشَداتِ القادَةِ العَرَبِ لَهُ بِتَجَنُّبِ خِيارِ الْحَرْب، لِأَنَّهُ سَيُفَجِّرُ المِنْطَقَةَ وَسَيَسْتَدْعي حَتْمًا رُدودَ فِعْلٍ إيرانِيَّة، مُعْلَنَةً سَلَفًا، تَسْتَهْدِفُ القَواعِدَ والمَصالِحَ الأَميرْكِيَّةَ في الدُّوَلِ الخَليجِيَّة.
وَقَدْ عَبَّرَ الأَميرُ تُرْكيّ الفَيْصَلُ عَنْ هَذا الشُّعورِ بِالمَرارَةِ عِنْدَما سَخِرَ مِنِ انْدِهاشِ ترامب مِنْ هُجومِ إيرانَ على دُوَلِ الخَليج، وَهُوَ أَمْرٌ كانَ مَعْروفًا لِلجَميع، وَقالَ إِنَّ الحَرْبَ التي خاضَها ترامب هِيَ حَرْبُ نِتِنْياهو.
اللّافِتُ أَنَّ جيك سوليفان، مُسْتَشارَ الأَمْنِ القَوْمِيِّ الأَميرْكِيِّ السّابِق، سارَ في الاتِّجاهِ نَفْسِهِ قائِلًا: "إِذا وَضَعْتَ نَفْسَكَ في مَكانِ الإيرانِيّين، فَإِنَّهُمْ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ مِنْ خِياراتٍ لِلرَّدِّ وَرَفْعِ تَكْلِفَةِ الحَرْبِ على واشِنْطُن سِوى اسْتِهْدافِ المِلاحَةِ وَإِمْداداتِ النَّفْطِ في دُوَلِ المِنْطَقَة".
أَوَّلُ انْكِشافٍ لِلنُّخْبَةِ الْحاكِمَةِ الْعَرَبِيَّةِ ظَهَرَ عِنْدَما لَمْ يُصْدِرِ النِّظامُ الرَّسْمِيُّ العَرَبِيُّ إِعْلانَ مَوْقِفٍ يُدينُ فيهِ قَرارَ الحَرْبِ وَيُعَبِّرُ عَنْ خَيْبَةِ أَمَلٍ جَماعِيَّةٍ مِنِ انْحِيازِ ترامب وَمُواكَبَتِهِ لِإِسْرائيلَ في حَرْبٍ قَدْ تُفَجِّرُ المِنْطَقَةَ العَرَبِيَّةَ بِأَسْرِها، وَلَيْسَ فَقَطْ إيران.
وَفي حالَةِ دُوَلِ الخَليجِ فَإِنَّ ترامب غامَرَ بِكُلِّ التَّطَوُّرِ الاقْتِصادِيِّ والعُمْرانِيِّ لِدُوَلِ الخَليجِ على مَدى سِتّينَ عامًا مُنْذُ انْسِحابِ بَريطانْيا مِنْ شَرْقِ السّْوَيْسِ عام 1968.
أَميركا أعطت الأولوية للدفاع عن إسرائيل وتركت أقلّ القليل من وسائل الدفاع الجوّي للدفاع عن حليفاتها الخليجيّة
لَقَدِ اسْتَفَزَّتْ حَرْبُ ترامب الصَّواريخَ والمُسَيَّراتِ الإيرانِيَّة، فَهَدَمَتْ بِجَرَّةِ قَلَمٍ أُسْطورَةَ "النَّموذَجِ الِاقْتِصادِيِّ الخَليجِيِّ" الْقائِمِ على أَنَّها واحَةُ أَمانٍ واسْتِقْرار، ما جَعَلَها مِنْ أَهَمِّ الوِجْهاتِ الْعالَمِيَّةِ الْجاذِبَةِ لِلسِّياحَةِ والِاسْتِثْماراتِ الْمالِيَّة.
ثاني انْكِشافٍ حَدَثَ عِنْدَما أَحْجَمَتْ دُوَلُ الخَليجِ عَنْ إِصْدارِ احْتِجاجٍ رَسْمِيٍّ على ما بَدا كَخِيانَةٍ مِنْ حَليفِها الأَكْبَرِ لَها في الحَرْب. فَعِنْدَما انْهالَتِ الصَّواريخُ الإيرانِيَّةُ على دُوَلِ الخَليجِ وَحَقَّقَتْ إِصاباتٍ واخْتِراقات، اتَّضَحَ أَنَّ أَميرْكا أَعْطَتِ الأَوْلَوِيَّةَ في وَسائِلِ الدِّفاعِ الجَوِّيِّ والتَّصَدِّي لِلصَّواريخِ والمُسَيَّراتِ الإيرانِيَّةِ لِلدِّفاعِ عَنْ إِسْرائيل، وَتَرَكَتْ أَقَلَّ القَليلِ مِنْها لِلدِّفاعِ عَنْ حَليفاتِها الخَليجِيّة.
الِانْكِشافُ الثّالِثُ لِنُخَبِ الحُكْمِ العَرَبِيَّةِ هُوَ أَنَّها، بَدَلًا مِنْ أَنْ تَتَوازَنَ في مَوْقِفِها فَتُدينُ إِشْعالَ أَميرْكا لِلحَرْبِ التي عَرَّضَتْها لِلِانْتِقامِ الإيرانِيّ، وَتُدينُ في الوَقْتِ نَفْسِهِ الهُجومَ الإيرانِيَّ على مُنْشَآتٍ مَدَنِيَّةٍ في دُوَلِ الخَليج، خَضَعَتْ تَمامًا في بَياناتِها لِلإِرادَةِ القاهِرَةِ الأَميرْكِيَّة، واكْتَفَتْ بِإِدانَةِ الهُجومِ الإيرانِيِّ مِنْ دونِ أَنْ تُدينَ مَنْ بادَرَ بِالحَرْبِ وَتَعَنَّتَ في رَفْضِ التَّنازُلاتِ الإيرانِيَّةِ غَيْرِ المَسْبوقَةِ في المَلَفِّ النَّوَوِيّ، والتي كانَتْ لِتَجْعَلَ حُصولَ إيرانَ على سِلاحٍ نَوَوِيٍّ أَمْرًا مُسْتَحيلًا.
الِانْكِشافُ الرّابِعُ لِنُخَبِ الحُكْمِ العَرَبِيَّةِ تَمَثَّلَ في إِصْرارِ الأَميرْكِيّينَ على تَدْميرِ مِصْداقِيَّتِها أَمامَ شُعوبِها. فَبَيْنَما أَصَرَّتْ دُوَلُ الخَليجِ على أَنَّ قَواعِدَها لَمْ تُسْتَخْدَمْ في الحَرْب، لَمْ تَنْفِ واشِنْطُن وَلَوْ لِمَرَّةٍ واحِدَةٍ مَعْلومَةَ اسْتِخْدامِها هَذِهِ القَواعِدَ في الهُجومِ على إيران. وَهُوَ أَمْرٌ يَتَّسِقُ مَعَ تَقْليدٍ اسْتْراتيجِيٍّ ثابِتٍ لِواشِنْطُن مَفادُهُ أَنَّها لَمْ تَمْزَحْ يَوْمًا في مَسْأَلَةِ إِطْلاقِ يَدِها في العَمَلِ العَسْكَرِيِّ مِنْ أَيٍّ مِنْ قَواعِدِها المُنْتَشِرَةِ في العالَم، وَلَيْسَ فَقَطْ في العالَمِ العَرَبِيّ. وَما إِعْلانُ ترامب غَضَبَهُ على بَريطانْيا، أَقْرَبِ حَليفٍ له، إزاءَ أَيِّ تَقْييدٍ لِاسْتِخْدامِهِ تَسْهيلاتِ جَزيرَةِ "دِييغو غارْسِيا" الاسْتْراتيجِيَّةِ في المُحيطِ الهِنْدِيّ، إِلّا دَلِيلٌ على أَنَّهُ لَيْسَ بِوُسْعِ الحُلَفَاءِ الأَضْعَفِ مِنَ العَرَبِ مَنْعُ أَميرْكا مِنِ اسْتِخْدامِ قَواعِدِها في المِنْطَقَة.
نجاح مُخطّط كيسنجر يهدد وجود الدولة الوطنية ويترك العرب والإيرانيين يُحاربون بعضهم بعضًا بينما ينسحب الأميركيون
الِانْكِشافُ الْخامِسُ هُوَ تَماهي بَعْضِ دُوَلِ المِنْطَقَة، خاصَّةً "الإِبْراهِيمِيَّة"، مَعَ دَعْوَةِ تْرامْب وَهيغْسيث وَغْراهام لِلِانْضِمامِ إلى الحَرْبِ ضِدَّ إيران. وَيُجازِفُ خُبَراءُ غَرْبِيّونَ بِالِاسْتِنْتاجِ بِأَنَّ العَرَبَ انْضَمّوا فِعْلِيًّا إلى الْحَرْب، وَأَنَّ حُلْمَ أَميرْكا في العُقودِ الأَخيرَةِ بِبِناءِ تَحالُفٍ عَسْكَرِيٍّ عَرَبِيٍّ - إِسْرائِيلِيٍّ باتَ واقِعًا، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُعْلَنًا.
مُصيبَةُ هَذا الِانْكِشاف، خاصَّةً إِذا باتَ التَّوَرُّطُ العَرَبِيُّ صَريحًا في الحَرْبِ مَعَ إيران، أَنَّ ذَلِكَ يَعْني نَجاحَ مُخَطَّطِ كيسِنْجَر أَخيرًا في إِشْعالِ حَرْبٍ دينِيَّةٍ بَيْنَ السُّنَّةِ والشّيعَة. وَقَدْ يُهَدِّدُ ذَلِكَ وُجودَ الدَّوْلَةِ الوَطَنِيَّةِ في مُعْظَمِ دُوَلِ الخَليجِ العَرَبِيَّةِ التي تَضُمُّ ديموغْرافْيا شيعِيَّةً وازِنَة. وَهُوَ ما يَتْرُكُ العَرَبَ والإيرانِيّينَ يُحارِبونَ بَعْضَهُمْ بَعْضًا، بَيْنَما يَنْسَحِبُ الأَميرْكِيُّونَ كَما سَبَقَ أَنْ فَعَلوا عِنْدَما أَشْعَلوا الحَرْبَ المَذْهَبِيَّةَ والطّائِفيةَ بَيْنَ السُّنَّةِ والشّيعَةِ في العِراق.
إِذا حَدَثَ هَذا السّينارْيو، وَحَدَثَ مَعَهُ أَيْضًا نَجاحُ نَموذَجِ إِسْقاطِ "النِّظامِ الإيرانِيّ" في المِنْطَقَةِ بِتَدَخُّلٍ خارِجِيٍّ، فَسَتَنْظُرُ الجَماهيرُ العَرَبِيَّةُ إلى نُخَبِها الْحاكِمَةِ بِوَصْفِها نُخَبًا لا تُفَكِّرُ إِلّا في مَصالِحِها الضَّيِّقَة، وَتَسَبَّبَتْ في فَتْحِ البابِ على مِصْراعَيْهِ لِأَميرْكا وَإسْرائيلَ لِتَحْديدِ مَنْ يَبْقى وَمَنْ يَرْحَلُ مِنَ النُّظُمِ العَرَبِيَّة، بَل وَحَتّى مَنْ يَبْقى وَمَنْ يَرْحَلُ مِنْ خَريطَةِ الدُّوَلِ في المِنْطَقَة، التي قَدْ تَتَفَكَّكُ إلى دُوَيْلاتٍ عِرْقِيَّةٍ وَطائِفية!.
(خاص "عروبة 22")

