كَلِمَةُ الطّوفانِ تُسْتَعْمَلُ كَثيرًا بِشَكْلٍ رَمْزِيٍّ لِلدَّلالَةِ على شَيْءٍ جارِفٍ وَقَوِيٍّ يَصْعُبُ إيقافُهُ والسَّيْطَرَةُ عَلَيْه، فَفي قِصَّةِ طوفانِ نوحٍ في الكُتُبِ الدّينِيَّة، يَرْمُزُ الطّوفانُ إلى التَّطْهيرِ وَبِدايَةٍ جَديدَةٍ بَعْدَ الْفَساد. فَالْماءُ رَمْزُ التَّطَهُّر، مِنْ هُنا فَإِنَّ مَفْهومَ الطّوفانِ في الفَلْسَفَةِ يَتَجاوَزُ كَوْنَهُ كارِثَةً طَبيعِيَّةً لِيُصْبِحَ رَمْزًا عَميقًا لِلتَّحَوُّلِ الجَذْرِيِّ في حَياةِ الإِنْسانِ والمُجْتَمَعات.
العنف المتصاعد بين إسرائيل وإيران جزء من موجة أوسع تتحرّك فيها الإرادات الكبرى في فضاء الشرق الأوسط
في هَذا المَعْنى يُصْبِحُ الطّوفانُ اسْتِعارَةً لِلتَّطْهير، فَالْمِياهُ التي تَغْمُرُ كُلَّ شَيْءٍ تَمْحو الحُدودَ الْقَديمَةَ وَتُعيدُ العالَمَ إلى حالَةٍ بِدئِيَّة، كَأَنَّ التّارِيخَ يَبْدَأُ مِنْ جَديد. بَعْضُ الفَلاسِفَةِ يَرَوْنَ في هَذِهِ الصّورَةِ تَعْبيرًا عَنْ فِكْرَةِ أَنَّ الأَزَماتِ الكُبْرى ضَرورِيَّةٌ أَحْيانًا لِوِلادَةِ نُظُمٍ أَكْثَرَ عَدْلًا أَوْ تَوازُنًا. فَكَما تُغْرِقُ المِياهُ اليابِسَةَ ثُمَّ تَنْحَسِر، تَمُرُّ المُجْتَمَعاتُ بِأَزْماتٍ عَميقَةٍ تُعيدُ تَرْتيبَ القِيَمِ والْمَعاني.
كَذلِكَ يُمْكِنُ فَهْمُ الطّوفانِ على المُسْتَوى الفَرْدِيّ. فالإِنْسانُ قَدْ يَمُرُّ بِتَجارِبَ قاسِيَةٍ تُشْبِهُ الطّوفانَ الداخِلِيّ: انْهِيارُ مُعْتَقَدات، أَوْ صَدْماتٌ تُغَيِّرُ نَظْرَتَهُ إلى الحَياة. هَذِهِ اللَّحَظَات، على الرَّغْمِ مِنْ أَلَمِها، قَدْ تُصْبِحُ نُقْطَةَ تَحَوُّلٍ تَدْفَعُهُ إلى إِعادَةِ بِناءِ ذاتِهِ بِوَعْيٍ أَعْمَق. وَهَكَذا يَغْدو الطّوفانُ في الفِكْرِ الفَلْسَفِيِّ رَمْزًا لِلدَّوْرَةِ الْمُسْتَمِرَّةِ بَيْنَ الانْهِيارِ والتَّجَدُّد، بَيْنَ النِّهايَةِ والبِدايَة.
نَرجِعُ إلى السُّؤالِ المَرْكَزِيّ: مَتى يَتَوَقَّفُ الطّوفانُ وَتَرْسو السَّفينَة؟
في مَنْطِقِ الحَرْبِ كَما فَهِمَهُ فَيْلَسوفُ التّاريخِ "هيغل"، لا تَكونُ الحَرْبُ مُجَرَّدَ حادِثَةٍ عَسْكَرِيَّةٍ عابِرَة، بَل لَحْظَةً يَتَجَلّى فيها التَّناقُضُ العَميقُ بَيْنَ القُوى التي تَسْعى إلى تَثْبيتِ نِظامٍ ما وَتِلْكَ التي تُحَاوِلُ كَسْرَه. إِنَّها، في المَنْظورِ الجَدَلِيّ، طوفانٌ تاريخِيٌّ يَجْرُفُ البُنى القَديمَةَ وَيَكْشِفُ ما كانَ مُسْتَتِرًا تَحْتَ سَطْحِ الاسْتِقْرارِ الظَّاهِرِيّ. وَمِنْ هَذِهِ الزّاوِيَةِ يُمْكِنُ قِراءَةُ العُنفِ المُتَصاعِدِ بَيْنَ إِسْرائيلَ وَإيرانَ بِوَصْفِهِ جُزْءًا مِنْ مَوْجَةٍ أَوْسَعَ تَتَحَرَّكُ فيها الإِراداتُ الكُبْرى في فَضاءِ الشَّرْقِ الأَوْسَط.
القوى العالمية نصبت فخًّا لإيران عندما أطلقت يدها في المنطقة لغايات التجزئة وها هو نموذجها اليوم يتفكّك
غَيْرَ أَنَّ هَذا الطّوفانَ لَيْسَ سِياسِيًّا فَحَسْب، إِنَّهُ أَيْضًا اقْتِصادِيٌّ وَجِيوسِياسِيّ، حَيْثُ تَتَقاطَعُ طُرُقُ الطّاقَةِ والنَّفْطِ مَعَ خَرائِطِ النُّفوذِ العالَمِيّ. فالدَّعْمُ الذي يَتَلَقّاهُ الاحْتِلالُ الإِسْرائيلِيُّ الاسْتيطانِيُّ مِنَ الوِلاياتِ المُتَّحِدَةِ يُقابِلُهُ سَعْيُ إيرانَ إلى تَوْسيعِ مَجالِها الإِقْليمِيِّ ضِمْنَ تَوازُناتٍ دَوْلِيَّةٍ تَتَّصِلُ أَحْيانًا بِمَصالِحِ الصّين، اسْتَثْمَرَتْ فيهِ إيرانُ شُعوبَ المِنْطَقَةِ وَلَعِبَتْ على مَجالِ الهُوِيّاتِ المَذْهَبِيَّة. وَهَكَذا تَتَحَوَّلُ المَنْطِقَةُ إلى فَضاءٍ تَتَراكَمُ فيهِ طَبَقاتٌ مُتَعَدِّدَةٌ مِنَ الصِّراع: صِراعُ الدَّوْلَة، وَصِراعُ السّوق، وَصِراعُ الجُغْرافْيا.
لَكِنَّ الطّوفانَ الحَقيقِيَّ يَظْهَرُ في البُنْيَةِ الاجْتِماعِيَّةِ نَفْسِها. فَحينَ تَتَعَثَّرُ السِّياسَةُ في إِنْتاجِ تَوازُناتِها، يُسْتَدْعى المُجْتَمَعُ إلى ساحَةِ الْمُواجَهَةِ عَبْرَ لُغَةِ الْهُوِيَّة. وَهُنا تُصْبِحُ الانْقِساماتُ بَيْنَ السُّنَّةِ والشّيعَةِ أَدَواتِ تَعْبِئَةٍ أَكْثَرَ مِنْها حَقائِقَ رُوحِيَّة، وَيَغْدو التّارِيخُ المُشْتَرَكُ لِلشُّعوبِ مادَّةً لِإِعادَةِ التَّقْسيم. في هَذِهِ اللَّحْظَةِ يَتَحَوَّلُ الطّوفانُ مِنْ حَرَكَةٍ خارِجِيَّةٍ إلى حالَةٍ داخِلِيَّة، حَيْثُ تَتَشَظّى المُجْتَمَعاتُ نَفْسُها تَحْتَ ضَغْطِ القُوى المُتَصارِعَة. وَهُنا لَعِبَتِ القُوى العالَمِيَّةُ على نَصْبِ فَخٍّ لإيرانَ عِنْدَما أَطْلَقَتْ يَدَها في المِنْطَقَةِ وَسَمَحَتْ لَها بِكُلِّ هَذا النُّفوذِ لِغاياتِ التَّجْزِئَة، وَها هُوَ نَموذَجُها اليَوْم، الذي يَقومُ على رَبْطِ الدُّوَلِ التي حَوَّلَتْها إلى ساحات، يَتَفَكَّك، وَكانَ دَعامَةَ إيرانَ لِذَلِكَ مَفْهومُ "الوِلايَة" المُصْطَنَع.
التاريخ يتغيّر عبر حدث يقطع النظام القائم ويكشف هشاشته
وَكَما في رَمْزِ طوفانِ نوح، لا يَكونُ السُّؤالُ الحَقيقِيُّ عَنْ شِدَّةِ المِياه، بَل عَنِ النُّقْطَةِ التي تَرْسو عِنْدَها السَّفينَة. فالطّوفان، في مَعْناهُ الفَلسَفِيّ، لَيْسَ مُجَرَّدَ دَمار، إِنَّهُ حَرَكَةٌ تاريخِيَّةٌ تَبْحَثُ عَنْ أَرْضٍ جَديدَةٍ يُمْكِنُ أَنْ تَسْتَقِرَّ عَلَيْها. غَيْرَ أَنَّ هَذِهِ الأَرْضَ لا تَظْهَرُ إِلّا بَعْدَ أَنْ تَسْتَنْفِدَ القُوى المُتَصارِعَةُ مَنْطِقَها الْكامِل، وَبَعْدَ أَنْ يَبْلُغَ التّاريخُ ذُرْوَةَ تَناقُضِه. عِنْدَها فَقَطْ تَنْحَسِرُ الْمِياه، وَتَظْهَرُ الْيابِسَةُ التي لَمْ تَكُنْ مَرْئِيَّةً وَسَطَ اضْطِرابِ الأَمْواج.
في أُفُقِ ما بَعْدَ الحَداثَةِ عِنْدَ جان فْرانْسوا لِيوتار لا يَتَغَيَّرُ التّاريخُ عَبْرَ الأَفْكارِ الكُبْرى المُسْتَقِرَّة، بَل عَبْرَ الحَدَثِ الذي يَقْطَعُ النِّظامَ الْقائِمَ وَيَكْشِفُ هَشاشَتَه. لِذَلِكَ يَبْقى الحَقْلُ التّاريخِيُّ مَفْتوحًا على لَحْظَةِ انْفِجارٍ غَيْرِ مُتَوَقَّعَة، لَحْظَةٍ يُعادُ فيها تَشْكيلُ المَعْنى بَعْدَ أَنْ تَبْلُغَ التَّناقُضاتُ حَدَّها الأَقْصى.
(خاص "عروبة 22")

