يَكْشِفُ واقِعُ الخِياراتِ التَّنْمَوِيَّةِ العَرَبِيَّةِ مُنْذُ تَشَكُّلِ دَوْلَةِ ما بَعْدَ الاسْتِعْمارِ مُنْتَصَفَ القَرْنِ الماضي عَدَمَ وُضوحِ الرُّؤْيَةِ الاقْتِصادِيَّة، وَضَعْفَ التَّنْسيقِ الاقْتِصاديِّ العَرَبِيّ. فَإِذا كانَتْ بَعْضُ الدُّوَلِ العَرَبِيَّةِ اشْتَرَكَتْ في نَوْعِيَّةِ ثَرَواتِها الاقْتِصادِيَّة، فَإِنَّها اعْتَمَدَتْ مَناويلَ اقْتِصادِيَّةً مُتَبايِنَةً ظاهِرِيًّا. واخْتارَتْ بَعْضُ الدُّوَلِ الأُخْرى التَّأْميمَ الشّامِلَ مِنْ خِلالِ تَبَنّي المِنْوالِ الاشْتِراكِيّ. أَمّا بَقِيَّةُ الدُّوَلِ فَلَئِنْ حافَظَتْ على احْتِكارِها لِلقِطاعِ العامّ، فَإِنَّها انْفَتَحَتْ جُزْئِيًّا على النِّظامِ الرَّأْسِماليِّ عَبْرَ الخَوْصَصَةِ والشَّرِكاتِ الدَّوْلِيَّةِ الكُبْرى. وَقَدْ أَفْضى ذَلِكَ إلى تَشَكُّلِ ما يُمْكِنُ تَسْمِيَتُهُ بِـ"النِّظامِ الاقْتِصادِيِّ الهَجين".
عندما تُصقل الملكات النقدية يبرز الوعي الجماعي ويتحرّر من ثقافة الخمول والتواكُل
يَكْشِفُ تَذَبْذُبُ خِياراتِ الأَنْظِمَةِ السِّياسِيَّةِ داخِلَ البَلَدِ العَرَبيِّ الواحِدِ في العَهْدِ السِّياسِيِّ نَفْسِهِ عَنْ ضَبابِيَّةِ الرُّؤْيَةِ الاقْتِصادِيَّةِ وارْتِجالِيَّةِ سِياساتِ تَدْبيرِ الشَّأْنِ العام. فَتونِسُ البورْقيبِيَّةُ مَثَلًا جَمعتْ بَيْنَ الطّابَعَيْنِ الاشْتِراكيِّ والرَّأْسِماليِّ بِشَكْلٍ ارْتِجالِيٍّ مِزاجِيٍّ ما زالَتْ تَبِعاتُهُ مُمْتَدَّةً إلى اليَوْم. فَقَدِ اعْتَمَدَتْ تَجْرِبَةَ التَّعاضُدِ مع الوَزيرِ أَحْمَد بن صالِح الذي كانَ على وَعْيٍ عَميقٍ بِاسْتِحالَةِ تَحْقيقِ الاكْتِفاءِ الذّاتيِّ والتَّنْمِيَةِ مِنْ دونِ تَطْويرِ البُنى الذِّهْنِيَّةِ والثَّقافِيَّةِ عَبْرَ المُراهَنَةِ على التَّعْليم، وَجَمْعِ السُّكانِ الرُّحَّلِ في تَجَمُّعاتٍ عُمْرانِيَّةٍ يَتَوَفَّرُ فيها الحَدُّ الضَّرورِيُّ مِنَ الخَدَماتِ الأَساسِيَّةِ عَبْرَ إِقْطاعِهِمْ مَقاسِمَ سَكَنِيَّةً وَمَنازِلَ اجْتِماعِيَّةً بِأَسْعارٍ رَمْزِيَّةٍ مع تَشْغيلِهِمْ في وَحَداتٍ فِلاحِيَّةٍ أَوْ صِناعِيَّة. لَكِنْ سُرْعانَ ما انْقَلَبَتِ السُّلطَةُ على هَذا الخِيارِ مِنْ دونِ تَقْييمٍ عِلمِيٍّ مَوْضوعِيّ، إِذْ كانَ يُمْكِنُ اسْتِنْتاجُ أَنَّ عَوامِلَ تَعَثُّرِ تِلكَ التَّجْرِبَةِ تَعودُ أَساسًا إلى سَطْوَةِ عَقْلِيَّةِ التَّواكُلِ والتَّمَعُّشِ مِنَ الثَّرَواتِ الوَطَنِيَّة، فَضْلًا عَنْ دَوْرِ بِطانَةِ السّوءِ المُحيطَةِ بِالرَّئيسِ بورْقيبَة.
تَمَّ الانْخِراطُ بَعْدَ ذَلِكَ في نِظامِ اقْتِصادِ السّوقِ الذي أَفْضى إلى خَوْصَصَةِ أَهَمِّ الوَحَداتِ الصِّناعِيَّة، فَتَحَقَّقَ فيما بَعْدُ وإلى حُدودِ نِهايَةِ العَقْدِ الأَوَّلِ مِنَ القَرْنِ الحادي والعِشْرينَ نُمُوٌّ مِنْ دونِ تَنْمِيَة. وَقَدِ انْجَرَّ عَنْ تَراجُعِ قُدُراتِ القِطاعِ العامِّ التَّشْغيلِيَّةِ والأَزَماتِ الهَيْكَلِيَّةِ ارْتِفاعُ نِسَبِ البَطالَةِ واسْتِفْحالُ الأَزَماتِ الاقْتِصادِيَّةِ والاجْتِماعِيَّةِ التي أَدَّتْ إلى الحَراكِ السِّياسيِّ والاجْتِماعيِّ سَنَةَ 2011.
وَإِذا كانَ الحَديثُ يَقَعُ اليَوْمَ في الخِطابِ الرَّسْميِّ التّونِسيِّ عَنِ الشَّرِكاتِ الأَهْلِيَّةِ بِصِفَتِها حَلًّا عَمَلِيًّا لِمُشْكِلِ البَطالَةِ وَخَلْقِ الثَّرْوَةِ الوَطَنِيَّة، فَإِنَّهُ لا توجَدُ دِراساتٌ اسْتْراتيجِيَّةٌ وَلا ضَماناتٌ كافيةٌ تُعَزِّزُ ذَلِكَ الطُّموحَ على الرَّغْمِ مِنَ الامْتِيازاتِ الجِبائِيَّةِ التي مَنَحَتْها الدَّوْلَةُ لِلمُنْخَرِطينَ في تِلكَ الشَّرِكات. ذَلِكَ أَنَّ تَكْرارَ الخَطَأِ نَفْسِهِ المُتَمَثِّلِ في الارْتِجالِيَّةِ وَعَدَمِ تَهْيِئَةِ الذِّهْنِيّاتِ والعُقولِ لِلاقْتِصادِ التَّضَامُنيِّ القائِمِ على قِيَمِ التَّضْحِيَةِ والتَّفاني والحَوْكَمَةِ والنَّزاهَةِ يَبْدو مُؤَشِّرًا مُقْلِقًا، وَلا يُبَشِّرُ بِنَتائِجَ ذاتِ بال.
مَن لا يُحسن قراءة تراثه وتصحيح أخطائه لا يمكنه أن يكسب رهان المعاصرة
يَتَطَلَّبُ تَغْيِيرُ البُنى الذِّهْنِيَّةِ والثَّقافِيَّةِ المُراهَنَةَ على التَّعْليمِ التَّشَارُكيِّ بِصِفَتِهِ بُنْيَةً أَساسِيَّةً وَأَمْنًا قَوْمِيًّا وَتَرْبِيَةً على المُواطَنَةِ الفاعِلَة، وَلَيْسَ حَشْوًا لِلأَدْمِغَةِ بِالمُعْطَياتِ وَتَلقينًا لِلمَعْلومات. فَعِنْدَما تُصْقَلُ المَلَكاتُ النَّقْدِيَّةُ يَبْرُزُ الوَعْيُ الجَماعِيّ، وَيَتَحَرَّرُ مِنْ ثَقافَةِ الخُمولِ والتَّواكُل. فَقَدْ أَثْبَتَتْ عَديدُ التَّجارِبِ أَهَمِّيَّةَ المُراهَنَةِ على تَغْييرِ المُتَخَيَّلاتِ الاجْتِماعِيَّةِ في تَطْويرِ الاقْتِصادِ والازْدِهارِ الحَضارِيّ. وَقَدْ ساعَدَ المَذْهَبُ البْروتِسْتانْتِيُّ في إِقْناعِ الأوروبِّيّينَ بِخَلْقِ الثَّرْوَةِ وَحُسْنِ اسْتِثْمارِها، إِذْ عَدّوها مِنْ عَلاماتِ التَّشَبُّعِ بِالإِيمانِ والفَوْزِ بِالغُفْرانِ والنَّعيم. وَلا يُمْكِنُ اعْتِبارُ هَذِهِ الفِكْرَةِ عابِرَةً أَوْ ثانَوِيَّةً والتَّقْليلُ مِنْ قيْمَتِها، وَإِنَّما كانَتْ مِهادًا أَوَّلِيًّا لِلتَّحَرُّرِ مِنَ النِّظامِ الإِقْطاعِيّ، وَتَشَكُّلِ النِّظامِ الرَّأْسِمالِيّ، وَدَعْمِ الحُرِّيَّةِ الاقْتِصادِيَّةِ والمُبادَرَة.
يُمْكِنُ القَوْلُ انْطِلاقًا مِنَ الحالَةِ الاقْتِصادِيَّةِ العَرَبِيَّةِ إِنَّ الحاجَةَ إلى تَلازُمِ تَغْييرِ البُنى الذِّهْنِيَّةِ والاجْتِماعِيَّةِ مع نَوْعِيَّةِ الخِياراتِ الِاقْتِصادِيَّةِ يُعَدُّ شَرْطًا فائِقَ الأَهَمِّيَّة، إِذْ لا يُمْكِنُ في غِيابِ الانْسِجامِ بَيْنَ الخِطابِ الرَّسْميِّ والواقِعِ تَحَقُّقُ تَحَوُّلٍ إيجابِيٍّ كَبيرٍ في التَّنْمِيَةِ المُسْتَدامَةِ في الوَطَنِ العَرَبِيّ. فَما زِلْنا إلى اليَوْمِ لَمْ نُحْسِنْ قِراءَةَ ابْنِ خَلْدون الذي كَثيرًا ما نَبَّهَ إلى أَنَّ الظُّلْمَ مُؤَذِّنٌ بِخَرابِ العُمْرانِ بِحُكْمِ مُنازَعَةِ السُّلْطانِ لِلنّاسِ في المَعاشِ والتِّجارَة. وَهُوَ ما يَتَسَبَّبُ في انْقِطاعِ الأَيادي عَنِ الكَسْب. وَمَنْ لا يُحْسِنُ قِراءَةَ تُراثِهِ وَتَصْحيحَ أَخْطائِهِ لا يُمْكِنُهُ أَنْ يَكْسِبَ رِهانَ المُعاصَرَةِ وَيَتَعَلَّمَ مِنْ مُقارَباتِ "أَمارْتيا سِن" وَغَيْرِهِ في اسْتِحالَةِ تَحَقُّقِ التَّنْمِيَةِ مِنْ دونِ تَكْريسِ العَدالَةِ والحُرِّيَّة.
(خاص "عروبة 22")

