أَخيرًا، وَعَنْ قَناعَةٍ وَتَجْرِبَة، يَعْتَقِدُ الأوروبِّيّونَ وَمَعَهُمُ الكَنَدِيّونَ أَنَّ العالَمَ يَحْتاجُ إلى نِظامٍ دَوْلِيٍّ مُتَعَدِّدٍ وَأَكْثَرَ عَدالَةً واحْتِرامًا لِلقَواعِدِ والقانون، وَيُطالِبونَ بِذَلِكَ وَبِإِلحاحٍ كَبير.
لَمْ تَكُنْ تَصْريحاتُ رَئيسِ وُزَراءِ كَنَدا، وَلا مَواقِفُ الرَّئيسِ الفَرَنْسيِّ في مُنْتَدى "دافوس"، وَلا حَتّى الصَّدْمَةُ الأوروبِّيَّةُ مِنْ تَصْعيدِ دونالد ترامب، أَحْداثًا مَعْزولَةً أَو انْفِعالاتٍ عابِرَة.
رؤية أميركية جديدة - قديمة لا ترى العالم شركاء بل ساحات نفوذ
نَحْنُ أَمامَ لَحْظَةٍ كاشِفَة، لَحْظَةٍ يَتَعَرّى فيها النِّظامُ الدَّوْلِيّ، وَتَكْتَشِفُ أوروبّا - مُتَأَخِّرَة - أَنَّها قَدْ تَنْتَقِلُ مِنْ مَوْقِعِ الشَّريكِ المَرْكَزيِّ إلى مَوْقِعِ الطَّرَفِ الهَشّ، وَأَنَّ الضَّماناتِ التي حَكَمَتْ عَلاقَتَها بِالوِلاياتِ المُتَّحِدَة لِعُقودٍ لَمْ تَعُدْ قائِمَة.
تَصْعيدُ ترامب ضِدَّ أوروبا، سَواءٌ عَبْرَ حَرْبِ الرُّسومِ الجُمْرُكِيَّة، أَوْ التَّهْديدِ الصَّريحِ بِإِعادَةِ تَعْريفِ التَّحالُفات، أَوْ الحَديثِ الصّادِمِ عَنْ ضَمِّ غْرينْلانْد، حَتّى وَلَوْ كانَ قَدْ تَمَّ احْتِواؤُهُ بِصَفْقَةٍ مُؤَقَّتَة، لَيْسَ مُجَرَّدَ ابْتِزازٍ سِياسِيٍّ بِقَدْرِ ما هُوَ تَعْبيرٌ فَجٌّ عَنْ رُؤْيَةٍ أَميرْكِيَّةٍ جَديدَة - قَديمَة: لا تَرى فيها العالَمَ شُرَكاء، بَل ساحاتِ نُفوذ، تُديرُها القُوَّةُ الصَّلْبَةُ والصَّفْقَةُ المُباشِرَة.
الأَخْطَرُ مِنْ ذَلِك، هُوَ القَناعَةُ الأوروبِّيَّةُ المُتَزايِدَةُ بِأَنَّ ما يَطْرَحُهُ ترامب تَحْتَ مُسَمّى "مَجْلِسِ السَّلامِ" لَيْسَ سِوى مُحاوَلَةٍ لِهَدْمِ ما تَبَقّى مِنَ النِّظامِ الدَّوْليِّ الذي تَشَكَّلَ بَعْدَ الحَرْبِ العالَمِيَّةِ الثّانِيَة، وَبِناءِ نِظامٍ بَديلٍ تَكونُ فيهِ الوِلاياتُ المُتَّحِدَةُ مَرْكَزَ الكَوْنِ السِّياسيِّ الوَحيد، وَصاحِبَةَ القَرارِ النِّهائِيّ، والفيتو الأَوْحَد، مِنْ دونِ الحاجَةِ إلى مُؤَسَّساتٍ أَوْ تَوازُناتٍ أَوْ أَقْنِعَةٍ قانونِيَّة. نِظامٌ بِلا مُشارَكَةٍ يَقومُ على مَنْطِقٍ واحِدٍ وَوَحيد: "مَنْ يَمْلِكُ القُوَّةَ يَمْلِكُ الحَقّ".
فجأة يجد الأوروبيون أنفسهم لا يملكون القوّة الكافية للدفاع عن حقوقهم أمام سلطة أميركية غاشمة
لَمْ يَكُنْ هَذا المَبْدَأُ غَريبًا على الأوروبِّيّين، فَلَطالَما كانَتْ لَدَيْهِمْ القَناعَةُ الأَميرْكِيَّةُ ذاتُها مِنْ رَبْطِ الحَقِّ والعَدْلِ بِالقُوَّة... لَكِنْ فَجْأَةً يَجِدُ الأوروبِّيّونَ أَنْفُسَهُمْ لا يَمْلِكونَ القُوَّةَ الكافِيَّةَ لِلدِّفاعِ عَنْ حُقوقِهِمْ أَمامَ سُلطَةٍ أَميرْكِيَّةٍ غاشِمَةٍ تُعيدُ فَرْزَ التَّحالُفاتِ وَتَسْتَهينُ حَدَّ الإِهانَةِ بِمَنْ ثَبَتَ أَنَّهُمْ لَمْ يَكونوا طَوالَ ثَمانِيَةِ عُقودٍ إِلّا مُجَرَّدَ "سَنِّيدَة" لِبَطَلٍ أَوْحَدَ على طَريقَةِ الأَفْلامِ السّينَمائِيَّة. وَحينَ غَضِبَ عَلَيْهِمُ البَطَلُ ظَهَرَتْ هَشاشَتُهُمْ وَضَعْفُهُم، فَتَشَبَّثوا بِالحَقِّ والعَدْلِ وَطالَبوا مِثْلَ الجَنوبِيّينَ بِعالَمٍ أَكْثَرَ عَدالَةً وَنِظامٍ دَوْلِيٍّ تَحْكُمُهُ القَواعِدُ التي لا تَسْتَهينُ بِالنّاسِ لِأَنَّهُمْ ضُعَفاءُ أَوْ مُسْتَضْعَفونَ أَوْ قَليلو الحيلَة.
هُنا، وَعلى نَحْوٍ لافِت، تَجِدُ أُوروبَّا نَفْسَها تَعِيشُ لَحْظَةً شَبِيهَةً بِتِلكَ التي عاشَها وَيَعِيشُها العالَمُ العَرَبِيُّ طَوِيلًا.
العالَمُ العَرَبِيُّ يَعْرِفُ أَكْثَرَ مَعْنى أَنْ تَكونَ خارِجَ مَرْكَزِ القَرارِ الدَّوْلِيّ، وَأَنْ تُدارَ قَضاياهُ مِنْ فَوْقِ رَأْسِه، وَأَنْ تَتَحَوَّلَ الشَّرْعِيَّةُ الدَّوْلِيَّةُ إلى نُصوصٍ انْتِقائِيَّةٍ تُسْتَدْعى حينَ تَخْدُمُ الأَقْوِياء، وَتُدْفَنُ حينَ تَتَعارَضُ مَعَ مَصالِحِهِم.
وَلِعُقودٍ طَويلَة، اخْتارَتْ أوروبّا أَنْ تَتَعايَشَ مَعَ هَذا النِّظامِ الجائِرِ طالَما كانَ الخَلَلُ مُوَجَّهًا نَحْوَ الجَنوب، وَطالَما كانَتِ الفَوْضى مَحْصورَةً خارِجَ حُدودِها. صَمَتَتْ على الاحْتِلالات، وَتَغاضَتْ عَنِ الحِصارات، وَتَواطَأَتْ مَعَ الانْقِلابات، وَمَرَّرَتِ المُمارَساتِ الجَسيمَةَ لِحُقوقِ الإِنْسان، وَزَيَّنَتْ نَهْبَ الثَّرَوات، وَشَرْعَنَتِ انْتِهاكاتِ السِّيادات، وَشارَكَتْ في كُلِّ ذَلِكَ إِمّا بِالشَّراكَةِ الفِعْلِيَّة، أَوْ بِالتَّواطُؤ، أَوْ بِالصَّمْت، أَوْ بِالازْدِواجِيَّة، أَوْ بِالتَّبْريرِ السِّياسِيّ.
لَمْ يَكُنْ هَذا صَمْتُ أوروبا ناتِجًا عَنْ ضَعْف، بَل عَنْ مَصْلَحَة. عَن اقْتِناعٍ بِأَنَّ هَذا النِّظام - مَهْما كانَ مُعيبًا - يَخْدُمُ اسْتِقْرارَها وَرَفاهَها.
الضعف الأوروبي الحالي يُشبه من حيث الجوهر الضّعف العربيّ المُزمن
ثُمَّ جاءَتْ "غَزَّة" لِتَكْشِفَ أَنَّ الصَّمْتَ الغَرْبِيّ، خُصوصًا في عامِ الإِبادَةِ الأَوَّل، لَمْ يَكُنْ مُجَرَّدَ فَشَلٍ أَخْلاقِيّ، بَل كانَ إِعْلانًا غَيْرَ مُباشِرٍ بِأَنَّ النِّظامَ الدَّوْلِيَّ لَمْ يَعُدْ قائِمًا على قَواعِدَ واحِدَة، وَأَنَّ حَياةَ الإِنْسانِ لا تُساوي الشَّيْءَ نَفْسَهُ في كُلِّ الجُغْرافيات. وَهُوَ الدَّرْسُ الذي يَعودُ اليَوْمَ لِيُطارِدَ أوروبّا نَفْسَها.
فَحينَ يَتَحَدَّثُ الأوروبِّيّونَ اليَوْم، عَنِ الحاجَةِ إلى عالَمٍ مُتَعَدِّدِ الأَقْطاب، وَعَنِ خَطَرِ التَّفَرُّدِ الأَميرْكِيّ، فَإِنَّهُمْ لا يَكْتَشِفونَ شَيْئًا جَديدًا. هُمْ فَقَطْ يَكْتَشِفونَ أَنَّ هَذا الخَلَلَ لَمْ يَعُدْ بَعيدًا عَنْهُم.
وَهُنا تَتَقاطَعُ التَّجْرِبَتانِ العَرَبِيَّةُ والأوروبِّيَّةُ بِشَكْلٍ عَميق. فالضَّعْفُ الأوروبِّيُّ الحالِيّ، في ظِلِّ الطَّمَعِ الروسيِّ والتَّرَبُّصِ الصّينيِّ والصَّلَفِ الأَميرْكِيّ، وَكَأَنَّهُ تَكالُبٌ على مَصالِحِ وَأَمْنِ القارَّةِ العَجوز، هُوَ ضَعْفٌ يُشْبِه، مِنْ حَيْثُ الجَوْهَر، الضَّعْفَ العَرَبِيَّ المُزْمِن: غِيابُ الإِرادَةِ المُسْتَقِلَّةِ داخِلَ نِظامٍ دَوْلِيٍّ لا يَعْتَرِفُ إِلّا بِالقُوَّة.
اليَوْم، يَتَحَدَّثُ القادَةُ الأوروبِّيّونَ والكَنَدِيّونَ عَنْ ضَرورَةِ إِعادَةِ بِناءِ النِّظامِ الدَّوْليِّ على أُسُسٍ أَكْثَرَ عَدالَةً وَتَوازُنًا، لَكِنْ هَل هَذا التَّحَوُّلُ نابِعٌ مِنْ مُراجَعَةٍ أَخْلاقِيَّةٍ حَقِيقِيَّة؟ أَمْ مِنْ خَوْفٍ سِياسِيٍّ بَحْتٍ بَعْدَ أَنْ شَعَرَتْ أوروبّا بِأَنَّ المِظَلَّةَ الأَميرْكِيَّةَ لَمْ تَعُدْ مَضْمونَة؟.
تقرير مصير الشعوب من دون إرادتهم مُدان سواء حدث في الجزيرة القطبية أو في غزة
أوروبّا اليَوْمَ عِنْدَ مُنْعَطَفِ الحَقيقَة: إِمّا أَنْ تُدْرِكَ أَنَّ مَعْرَكَتَها مِنْ أَجْلِ نِظامٍ دَوْلِيٍّ عادِلٍ لا تَنْفَصِلُ عَنْ مَعارِكِ الشُّعوبِ التي سُحِقَتْ بِاسْمِه، وَفي القَلْبِ مِنْها الشَّعْبُ الفِلَسْطينِيّ، أَوْ أَنْ تَكْتَفيَ بِإِعادَةِ تَرْتيبِ مَواقِعِها داخِلَ مَنْظومَةٍ غَيْرِ عادِلَة، سَتَنْهارُ مَرَّةً أُخْرى عِنْدَ أَوَّلِ اخْتِبار.
إِنَّ اللَّحْظَةَ العَرَبِيَّةَ التي تَعيشُها أوروبّا لَيْسَتْ دَعْوَةً لِلشَّماتَة، بَل هي فُرْصَةٌ نادِرَةٌ لِلفَهْمِ وَإِعادَةِ التَّأْسيسِ تَسْتَوْجِبُ التَّضامُنَ مَعَ أوروبّا هَذِهِ المَرَّةَ مِنْ أَجْلِ نِظامٍ دَوْلِيٍّ قائِمٍ على القَواعِد، قيمَةُ الحَياةِ فيهِ مُتَساوِيَة، والمَعاييرُ مُتَساوِيَةٌ وَغَيْرُ خاضِعَةٍ لِلتَّمْييز، أُوكْرانِيا تُشْبِهُ العِراقَ وَغْرينْلانْد تُشْبِهُ غَزَّة، والاحْتِلالُ هُوَ الاحْتِلالُ أَيًّا كانَ مَنْ يُمارِسُهُ وَمَنْ يُمارَسُ ضِدَّه، والإِبادَةُ لَها تَعْريفٌ واحِدٌ لا يُفَرِّقُ بَيْنَ الضَّحايا وَلا يَسْتَثْني مُجْرِمِي حَرْب، وَتَقْريرُ مَصيرِ الشُّعوبِ مِنْ دونِ إِرادَتِهِمْ أَوْ مُشارَكَتِهِمْ بِأَوامِرَ عُلْيا وَفَوْقِيَّة، مُدانٌ سَواءٌ حَدَثَ في الجَزيرَةِ القُطْبِيَّةِ أَوْ في غَزَّة!.
(خاص "عروبة 22")

