تقدير موقف

إيران تَعْتَدِي على جِيرانِها وتُقوّضُ الِاقْتِصادَ العالَمي!

كُلُّ حُروبِ الشَّرْقِ الأَوْسَطِ يَتَحَمَّلُ كُلْفَتَها الِاقْتِصادُ العالَمِيّ، مِمّا جَعَلَها صِراعاتٍ إِقْليمِيَّةً بِارْتِداداتٍ عالَمية، تَرْتَفِعُ فيها الأَسْعار، وَتُعَطَّلُ إِمْداداتُ الطّاقَة، وَيَزيدُ اضْطِرابُ الأَسْواق، وَقَلَقُ السّاسَةِ والمُسْتَثْمِرينَ والخُبَراء. وَغالِبًا ما يَكونُ المُتَسَبِّبُ في الصُّعوباتِ الاقْتِصادِيَّةِ عُرْضَةً لِلِانْتِقادِ الدَّوْلِيّ.

إيران تَعْتَدِي على جِيرانِها وتُقوّضُ الِاقْتِصادَ العالَمي!

هَذِهِ المَرَّةَ سَعى الحَرَسُ الثَّوْرِيُّ الإيرانِيُّ إلى إِغْلاقِ مَضيقِ هُرْمُز، شِرْيانِ تِجارَةِ الطّاقَةِ الْعالَمية التي تُؤَمِّنُ خُمُسَ الإِمْداداتِ اليَوْميةِ العالَمِيَّة، مِمّا رَفَعَ سِعْرَ النَّفْطِ والْغازِ إلى مُعَدَّلاتٍ قِياسِيَّة. وَزادَتِ الأَوْضاعُ تَعْقيدًا، بِتَوْسيعِ إيرانَ ضَرَباتِها إلى دُوَلٍ مِثْلِ أَذَرْبيجانَ وَتُرْكْيا والأُرْدُنِّ والعِراق، وَقَصَفَتِ الدُّوَلَ العَرَبِيَّةَ المُنْتِجَةَ لِلنَّفْطِ بِالصَّواريخِ والمُسَيَّرات، بِدَعْوى تَواجُدِ قَواعِدَ عَسْكَرِيَّةٍ أَميرْكِيَّة، في الإِمارات، والسُّعودِيَّة، وَقَطَر، والبَحْرَيْن، والكُوَيْت، وَعُمان.

لم تُفلح طهران في حسم هويّتها ما إِذا كانت دولة فارسية أو دولة دينية مُتشدّدة جاءت لأهداف انتقامية لوقائع تاريخية

تَمَّ تَحْميلُ إيرانَ مَسْؤولِيَّةَ تَعَثُّرِ الإِنْتاج، وَضَعْفِ الإِمْدادات، في وَقْتٍ لا يَسْتَطيعُ الِاقْتِصادُ العالَمي تَحَمُّلَ المَزيدِ مِنَ الكَوارِث. وَحِمايَةً لِإِمْداداتِ الطّاقَة، وَضَمانِ حُرِّيَّةِ المِلاحَةِ والتِّجارَةِ العالَمية، تَحَرَّكَتِ الصّينُ في المُحيطِ الهِنْدِيّ، وَحَرَّكَتْ فَرَنْسا حَامِلَةَ الطّائِراتِ "شارْل ديغول" في شَرْقِ البَحْرِ الأَبْيَضِ المُتَوَسِّط، قُبالَةَ السّاحِلِ اللُّبْنانِيّ. وَعَزَّزَتْ بَريطانْيا تَواجُدَها في قاعِدَةِ لارْنِكا العَسْكَرِيَّة، جَنوبَ جَزيرَةِ قُبْرُص. وَقالَتْ إيطالْيا إِنَّها أَرْسَلَتْ قُوّاتٍ إِضافيةً لِحِفْظِ السَّلامِ في الشَّرْقِ الأَوْسَط. وَلَمْ تَسْتَبْعِدْ كَنَدا الانْضِمامَ إلى التَّحالُفِ الأَميرْكِيِّ - الإِسْرائيلِيِّ ضِدَّ إيران، وَكَأَنَّ العالَمَ يَسْتَعِدُّ لِحَرْبٍ عالَميةٍ ثالِثَة!.

لَمْ يَكْتَفِ الرَّئيسُ دونالد ترامب بِمَقْتَلِ المُرْشِدِ الأَعْلى علي خامِنَئي، وَنَحْوِ 50 مِنَ قادَتِهِ العَسْكَرِيّينَ والدّينِيّين، بِضَرَباتٍ إِسْرائيلِيَّةٍ دَقيقَةٍ في السّاعاتِ الأولى لِبِدايَةِ الحَرْب. بَلْ جَعَلَ تَغْييرَ وَجْهِ إيران، مِنْ نِظامٍ دينِيٍّ مارِقٍ إلى دَوْلَةٍ تَتَعايَشُ مَعَ جيرانِها وَتَقْبَلُ بِالِاخْتِلاف، هَدَفًا اسْتْراتيجِيًّا لِحَمْلَتِهِ العَسْكَرِيَّة، التي وَصَفَتْها الإِدارَةُ الأَميرْكِيَّةُ بِـ"العَمَلِيَّةِ الاسْتِثْنائِيَّة"، مَحْدودَةِ الزَّمَن، وَخَفيفَةِ الكُلْفَة.

طهران تعتبر كلّ جيرانها خصومًا أو أعداء وتُصنّف جزءًا من مواطنيها عملاء

لَكِنَّ ترامب وَجَدَ نَفْسَهُ أَمامَ نِظامٍ مِنَ القُرونِ الوُسْطى، لَهُ مَفاهيمُ مُخْتَلِفَة، لِمُفْرَداتِ الْقاموسِ السِّياسِيِّ العالَمِيّ مِثْل: السِّيادَة، المُواطَنَة، الدّيموقْراطِيَّة، الاخْتِلافِ السِّياسِيّ، الحُرِّيَّة، التَّنْمية، وَغَيْرِها. لَقَدْ قامَتِ الجُمْهورِيَّةُ الإِسْلامِيَّةُ الإيرانِيَّةُ على مَبْدَأِ تَصْديرِ الثَّوْرَةِ الشّيعِيَّة، في فَضاءٍ سُنِّيٍّ عَرَبِيّ، وَتُرْكِيّ، وَكُرْدِيّ، وَمَسيحِيّ، وَيَهودِيّ، مُتَعَدِّدِ الثَّقافات. وَلَمْ تُفْلِحْ طَهْران مُنْذُ 47 سَنَةً، في حَسْمِ هُوِيَّتِها الثَّقافِيَّة، ما إِذا كانَتْ دَوْلَةً فارِسِيَّةً عَريقَة، أَوْ دَوْلَةً دينِيَّةً مُتَشَدِّدَةً جاءَتْ لِأَهْدافٍ انْتِقامِيَّةٍ لِوَقائِعَ تَاريخِيَّةٍ قَديمَة.

وَعلى مَدى خَمْسَةِ عُقودٍ ما زالَتْ طَهْرانُ تَعْتَبِرُ كُلَّ جيرانِها خُصومًا، أَوْ أَعْداء، بِدَرَجاتٍ مُخْتَلِفَة، بَل هِيَ تُصَنِّفُ جُزْءًا مِنْ مُواطِنيها عُمَلاء، لِسَبَبِ العَقيدَةِ أَوِ العِرْق، وَنَمَطِ العَيْش، والمُيولِ الشَّخْصِيَّة. وَتَراجَعَتْ مِنْ دَوْلَةٍ مُتَوَسِّطَةِ الدَّخْل، إلى دَوْلَةٍ مُنْخَفِضَةِ الدَّخْل، على الرَّغْمِ مِنْ نَفْطِها، ما زادَ في الغَضَبِ الشَّعْبِيّ الإيراني. وَقَدْ خَلَّفَتِ الِاحْتِجاجاتُ الأَخيرَة في إيران، عَشَراتِ الآلافِ مِنَ القَتْلى والمُعْتَقَلين، مِمّا مَنَحَ مُبَرِّرًا إضافِيًا لِتَحَرُّكِ الأَساطيلِ الغَرْبِيَّةِ ضِدَّ "وِلايَةِ الفَقيه".

شُروطُ الاسْتِسْلام

عِنْدَما أَمَرَ الرَّئيسُ دونالد ترامب بِتَسْييرِ رُبْعِ تَرْسانَةِ أَميرْكا العَسْكَرِيَّةِ نَحْوَ الشَّرْقِ الأَوْسَط، تَتَقَدَّمُها حامِلَتا الطَّائِراتِ جيرالد فورْد، وَأَبْراهام لينْكولن، لِضَرْبِ إيرانَ لِلمَرَّةِ الثّانِيَةِ خِلالَ بِضْعَةِ أَشْهُر. كانَتِ الرِّسَالَةُ مُخْتَزَلَةً في مَقولَةِ قَيْصَرِ روما الشَّهِيرَة: "veni vici vidi - جِئْتُ رَأَيْتُ انْتَصَرْتُ". إِذْ لَمْ يَسْبِقْ لِلوِلاياتِ المُتَّحِدَة، أَنْ سَخَّرَتْ كُلَّ هَذا العَدَدِ مِنَ الطّائِراتِ والمُعَدّات، مُنْذُ 2003 تاريخِ غَزْوِ العِراق والإِطاحَةِ بِنِظامِ الرّاحِلِ صَدّام حُسَيْن. أَميرْكا لَمْ تَأْتِ مِنْ أَجْلِ التَّفاوُض، أَوْ تَحْقيقِ نِصْفِ انْتِصار، بَل جاءَتْ لِإِنْهاءِ ما كانَ يُسَمّى "الاحْتِواءَ المُزْدَوَجَ" الذي أَطْلَقَهُ الرَّئيسُ الأَميرْكِيُّ الأَسْبَقُ جورْج بوش الأَب، بَعْدَ حَرْبِ الخَليجِ الثّانِيَةِ عام 1991. أَيْ احْتِواءِ إيرانَ والعِراق، بَعْدَ ثَماني سَنَواتٍ مِنَ الحَرْبِ المُدَمِّرَةِ بَيْنَهُما (1980-1988).

تدرك واشنطن أنّ النظام الإيراني بات ضعيفًا وتمارس عليه أقصى درجات الإذلال لتحريك الشارع الإيراني

وَعلى عَكْسِ الحُروبِ السّابِقَةِ لَمْ تَجِدِ الحَرْبُ الحالِيَّةُ ضِدَّ إيرانَ ما يَكْفي مِنَ المُعارِضين، داخِلَ أَميرْكا، وَأوروبّا، وَحَتّى الدُّوَلِ العَرَبِيَّة. وَبَدَتْ مَعْزولَةً، وَمَنْبوذَة، في مُحيطِها الإِقْليمِيِّ العَرَبِيِّ والإِسْلامِيّ. وَهُوَ ما جَعَلَ ترامب يَرْفَعُ مِنْ سَقْفِ الشُّروطِ والمَطالِب، لِإِنْهاءِ الحَرْبِ بِالِاسْتِسْلامِ الكامِل. وكَتَبَتْ "نِيويورْك بُوسْت" أَنَّ "الإِدارَةَ الأَميرْكِيَّةَ سَتَزيدُ مِنْ ضَرَباتِها الجَوِّيَّةِ العَسْكَرِيَّة، بِاسْتِخْدامِ مُقاتِلاتٍ جَديدَةٍ مُتَطَوِّرَةٍ جِدًّا، واسْتِعْمالِ قَواعِدَ جَوِّيَّةٍ بَريطانِيَّةٍ في الهُجومِ". وَتُدْرِكُ واشِنْطُن أَنَّ النِّظامَ الإيرانِيَّ باتَ ضَعيفًا، وَتُمارِسُ عَلَيْهِ أَقْصى دَرَجاتِ الإِذْلال، لِتَحْريكِ الشّارِعِ الإيرانِيّ...!

خِلافٌ إيرانِيٌّ بَيْنَ الاعْتِدالِ والتَّشَدُّد

حَاوَلَ الرَّئيسُ الإيرانِيُّ مَسْعود بِزِشْكِيان، التَّخْفيفَ مِنْ لَهْجَةِ المُواجَهَة، بِالقَوْل: "لَيْسَتْ لَدَيْها عَداوَةٌ مَعَ دُوَلِ المِنْطَقَة"، واعْتَذَرَ لِلدُّوَلِ المُجاوِرَةِ التي شَنَّت عَلَيْها إيران هجماتٍ صَاروخِيَّة. لَكِنَّ سَاعاتٍ بَعْدَ ذَلِك، عادَتِ المُسَيَّراتُ والصَّواريخ، لِتَقْصِفَ أَهْدافًا غَيْرَ عَسْكَرِيَّةٍ في الإِماراتِ والسُّعودِيَّةِ والكُوَيْتِ والبَحْرَيْنِ وَقَطَر. وَهِيَ رِسالَةٌ مِنَ "الحَرَسِ الثَّوْرِيّ" إلى الجيرانِ العَرَب، أَنَّ النِّظامَ المُقْبِلَ هُوَ أَكْثَرُ تَشَدُّدًا مِنَ السّابِق. وَكَعادَةِ الأَنْظِمَةِ الشُّمولِيَّة، تَمَّ اخْتِيارُ نَجْلِ المُرْشِدِ علي خامِنَئي، بَديلًا عَنْ أَبيهِ المَقْتول، وَكَأَنَّ "الحَرَسَ الثَّوْرِيَّ" يَرْغَبُ في الثَّأْرِ والانْتِقام، عِوَضَ الدَّفْعِ بِشَخْصِيَّةٍ بْراغْماتِيَّة، قَدْ تَجِدُ لَها وُسَطاءَ مَعَ واشِنْطُن، لِإِنْهاءِ الحَرْبِ بِأَقَلِّ كُلْفَة، أَوْ قَدْ تُنْقِذُ ما تَبَقّى مِنْ نِظامٍ وَشيكِ السُّقوط، مِنْ دونِ غِطاءٍ إِقْليمِيّ.

نزع سلاح "حزب اللَّه" هو الجزء المُكمّل لشروط الاستسلام

رَفَعَتِ الإِدارَةُ الأَميرْكِيَّةُ سَقْفَ أَهْدافِ الحَرْب، مِنَ الانْتِصارِ العَسْكَرِيّ، إلى إِنْهاءِ دَوْرِ التَّشْويشِ الإِقْليمِيّ، الذي ظَلَّتْ تُمارِسُهُ إيرانُ مُنْذُ عُقود. وَيُصَنَّفُ النِّظامُ بِالمارِقِ والمُزْعِجِ بِمَرْجِعِيَّةٍ عَقائِدِيَّة، تَتَمَدَّدُ إلى ما وَراءِ الحُدود، وَتُغَذّي حالَةَ عَدَمِ الاسْتِقْرارِ الأَمْنِيِّ والسِّياسِيّ. وَهِيَ أَعْمالٌ تُعَطِّلُ شُروطَ السَّلام، والتَّعايُش، والتَّنْمِيَة. وَهُناكَ قَناعَةٌ عالَمِيَّةٌ تَقودُها فَرَنْسا، وَيُؤَيِّدُها الحِلْفُ الأَطْلَسِيّ، والاتِّحادُ الأوروبِّي، وَدُوَلُ الخَليج، والمَغْرِب، وَمِصْر، وَتُرْكْيا، وَباكِسْتان، بِضَرورَةِ إِبْعادِ لُبْنان، عَنِ الكَمّاشَةِ الإيرانِيَّةِ في المِنْطَقَة، وَنَزْعِ سِلاحِ "حِزْبِ اللَّه"، وَتَأْهيلِ الحُكومَةِ الشَّرْعِيَّة.. وَهُوَ الجُزْءُ المُكَمِّلُ لِشُروطِ الاسْتِسْلامِ الذي يُطالِبُ بِهِ ترامب.

(خاص "عروبة 22")

يتم التصفح الآن