الفساد وسبل الإصلاح

الطّائِفيةُ والفَساد!

لَيْسَتِ الطّائِفيةُ ظاهِرَةً ساكِنَة، أَوْ مُنْغَلِقَة. فَالتّاريخُ اللُّبْنانِيُّ الحَديثُ والمُعاصِرُ يُظْهِرُ لَنا أَنَّ الطَّوائِفَ تَتَغَيَّر، وَلِكُلٍّ مِنْها تَطَوُّرُهُ الخاصُّ بِه، وَهَذا التَّطَوُّرُ هُوَ نَتيجَةُ عَوامِلَ داخِلِيَّةٍ أَساسُها التَّنافُسُ على الزَّعامَةِ والقِيادَة، وَبَعْضُها نِتاجُ التَّطَوُّرِ الذي عَرَفَهُ لُبْنانُ مِنْ حَقْبَةٍ إلى أُخْرى.

الطّائِفيةُ والفَساد!

الطّائِفيةُ غَيْرُ المَذْهَبِيَّة، إِذْ يُمْكِنُ لِلمَرْءِ أَنْ يَتَّبِعَ أَحَدَ المَذاهِبِ الذي يَقومُ على مَبادِئَ إيمانِيَّةٍ مِنْ دونِ أَنْ يُشَكِّلَ أَتْباعُ المَذْهَبِ طائِفَةً واعِيَة. ذَلِكَ أَنَّ ما يَجْمَعُ أَبْناءَ المَذْهَبِ هُوَ العَقيدَةُ المُشْتَرَكَةُ وَلَيْسَ شَيْئًا آخَرَ بِالضَّرورَة. أَمّا الطائِفيةُ في لُبْنانَ فَهِيَ نِظامٌ اجْتِماعِيٌّ وَسِياسِيٌّ وَمَنافِعُ وَمَصالِحُ تَفْرِضُ التَّضامُن، وَهِيَ على هَذا النَّحْوِ عَصَبِيَّة. لا تَقومُ بِالضَّرورَةِ على إيمانٍ عَقائِدِيٍّ صارِم، فَأَبْناءُ الطّائِفَةِ الواحِدَةِ قَدْ يَكونُ بَيْنَهُمُ المُؤْمِنُ وَشَديدُ الإيمان، وَبَيْنَهُمُ العَلمانِيُّ واللّيبيرالِيُّ وَقَليلُ الإيمان. وَمَعَ ذَلِك، فَإِنَّ لِلطّائِفَةِ خَصائِصَ مُشْتَرَكَةً عادَةً ما تَكونُ افْتِراضِيَّةً وَمُتَخَيَّلَة. هَذِهِ الخَصائِصُ تُنْشِئُها الطّائِفَةُ عَنْ نَفْسِها أَوْ يُنْشِئُها الآخَرُ عَنْها.

الصراع داخل الطائفة على الزعامة والنفوذ لا يُفقدها عصبيّتها

في القَرْنِ التاسِعَ عَشَرَ، كانَ المُبَشِّرونَ الغَرْبِيّونَ الكاثوليك، يَحُضّونَ المَوارِنَةَ على اتِّخاذِ أَسْماءٍ غَرْبِيَّةٍ بَدَلَ الأَسْماءِ العَرَبِيَّةِ وَحَتَّى الإِسْلامِيَّةِ التي كانَتْ شائِعَةً بَيْنَهُم. وَمَعَ ذَلِكَ فَلَيْسَ كُلُّ المَوارِنَةِ تَقَيَّدوا بِهَذِهِ النَّصائِحِ أَوِ الإِمْلاءات.

في جَميعِ الأَحْوال، فَإِنَّ الظّاهِرَةَ الطّائِفِيَّةَ لا تَنْشَأُ إِلّا بِالتَّناقُضِ مَعَ الآخَر، فَكانَ لا بُدَّ مِنْ تَناقُضٍ مارونِيٍّ - دُرْزِيٍّ لِتَنْشَأَ العَصَبِيَّةُ الطائِفِيَّة، التي تَطَوَّرَتْ إلى تَناقُضٍ مَسيحِيّ – إِسْلامِيّ – مَسيحِيٍّ في مَرْحَلَةِ إِعْلانِ دَوْلَةِ "لُبْنانَ الكَبير"، ثُمَّ لِتَتَحَوَّلَ إلى تَناقُضاتٍ وَتَحالُفاتٍ بَيْنَ مَجْموعَةٍ مِنَ الطَّوائِف.

لِكُلِّ طائِفَةٍ نِظامُها الداخِلِيُّ الخاصّ، وَعادَةً ما يَكونُ دينِيًّا، أَيْ أَنَّ لِرِجَالِ الدّينِ النُّفوذَ داخِلَ أَبْناءَ المَذْهَبِ الواحِد. لَكِنَّ ارْتِباطَ الطّائِفَةِ بِمَصالِحَ وَطُموحاتٍ اقْتِصادِيَّةٍ أَوْ سِياسِيَّةٍ يُؤَدّي إلى تَناقُضٍ داخِلَ الطّائِفَةِ بَيْنَ رَجُلِ الدّينِ وَرَجُلِ السِّياسَة. بَلْ إِنَّ التَّناقُضَ والتَّناحُرَ قَدْ يُؤَدّي إلى صِراعٍ داخِلَ الطّائِفَةِ الواحِدَةِ على الزَّعامَةِ والنُّفوذ، وَمَعَ ذَلِكَ فَإِنَّهُ لا يُفْقِدُها عَصَبِيَّتَها.

تحوُّل الطائفة إلى كيان سياسي هو أكثر ما يحفظ ديمومة الطائفية

الطّائِفَةُ لَيْسَتْ ظاهِرَةً لُبْنانِيَّةً حَصْرًا. وَلَكِنَّها في لُبْنانَ اتَّخَذَتْ طابَعًا صَريحًا وَمُعْلَنًا مَعَ نِظامِ القائِمَّقامِيَّتَيْن (1840-1860)، ثُمَّ بِشَكْلٍ خاصٍّ مَعَ نِظامِ المُتَصَرِّفية (1861-1918). إِذْ إِنَّ نِظامَ المُتَصَرِّفيةِ قَدْ نَصَّ على أَنْ يَكونَ المُتَصَرِّفُ مَسيحِيًّا (غَيْرَ لُبْنانِيّ) وَأَنْ يُوَزِّعَ مَجْلِسُ إِدارَةِ المُتَصَرِّفيةِ على الطَّوائِفِ حَسَبَ نِسْبَتِها مِنَ السُّكّان. والواقِعُ أَنَّ نِظامَ دَوْلَةِ لُبْنانَ الكَبير، قَدْ بُنِيَ على أَساسِ نِظامِ المُتَصَرِّفيةِ لِجِهَةِ تَوْزيعِ النُّوّابِ تِبْعًا لِنِسْبَتِهِمْ مِنَ السُّكانِ وَتَوْزيعِ الرِّئاساتِ على الطَّوائِف. وَكانَ هَذا النِّظامُ في بِدايَتِهِ مُحافِظًا على نَوْعٍ مِنَ المُرونَةِ التي افْتَقَدَها تَدْريجِيًّا. فَأَوَّلُ رَئيسٍ لِدَوْلَةِ لُبْنانَ كانَ أُرْثوذُكْسِيًّا. وَنَجِدُ أَنَّ بِتْرو طْراد، وَهُوَ أُرْثوذُكْسِيّ، قَدْ شَغَلَ مَناصِب: رَئيسِ الجُمْهورِيَّة وَرَئيسِ مَجْلِسِ النُّوابِ وَرَئيسِ مَجْلِسِ الوُزَراءِ. وَأَحَدُ رُؤَساءِ الجُمْهورِيَّة، أَيّوب تابِت، كانَ بْروتِسْتانْتِيًّا.

هَذِهِ المُرونَةُ النِّسْبِيَّة، إِذا جازَ التَّعْبير، افْتَقَدَها نِظامُ الجُمْهورِيَّةِ اللَّبْنانِيَّةِ بَعْدَ إِعْلانِ الاسْتِقْلال، إِذْ أَصْبَحَتِ المَناصِبُ مُسَجَّلَةً بِأَسْماءِ الطَّوائِف، وَهَبَطَ التَّوْزيعُ الطّائِفِيُّ مِنَ المُسْتَوى السِّياسيِّ إلى المُسْتَوى الإِدارِيّ، لَيْسَ في مَناصِبِ الفِئَةِ الأولى، وَلَكِنْ في كُلِّ الوَظائِفِ وُصولًا إلى الحُجّابِ والحُرّاسِ وَمَأْموري الأَحْراش. وَهَذا يَعْني أَنَّكَ لَوْ كُنْتَ غَيْرَ طائِفِيٍّ وَنابِذًا لِلطائِفِيَّة، فَإِنَّ مُواطِنِيَّتَكَ مُرْتَبِطَةٌ بِهُوِيَّتِكَ الطائِفِيَّة، مَهْما كانَتْ عَقيدَتُك.

وَعلى هَذا النَّحْو، يَشْتَدُّ التَّرابُطُ الطائِفِيُّ والعَصَبِيَّةُ الطائِفِيَّةُ لِيُصْبِحَ مَلجَأُ اللَّبْنانيِّ الأَخيرَ هُوَ طائِفَتُهُ شاءَ أَمْ أَبى. أَيْ إِنَّ كُلَّ لُبْنانِيٍّ هُوَ طائِفِيٌّ بِالقُوَّة، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ بِالفِعْل، حَسَبَ لُغَةِ الفَلاسِفَة.

تفكيك الطائفية يكون بتفكيك منظومة الفساد التي هي الرّكن الأساسي في النظام الطائفي

إِنَّ تَحَوُّلَ الطّائِفَةِ إلى كِيانٍ سِياسِيٍّ هُوَ أَكْثَرُ ما يَحْفَظُ دَيْمومَةَ الطّائِفِيَّة. فَالزَّعامَةُ في الطّائِفَةِ تَقومُ على سِلْسِلَةٍ مِنَ الخِدْماتِ وَتَأْمينِ المَصالِحِ والوَظائِفِ وَحِمايَةِ أَبْناءِ الطّائِفَةِ مِنَ المُساءَلَةِ والمُحاسَبَة. لِهَذا فَإِنَّ الفَسادَ داخِلَ الدَّوْلَةِ وَمُؤَسَّساتِها يُصْبِحُ الرُّكْنَ الأَساسِيَّ الذي تَقومُ عَلَيْهِ الطائِفِيَّةُ في لَحْظَتِنا الرّاهِنَة. فَلا يُمْكِنُ مُساءَلَةُ أَحَدِ الإِدارِيّينَ والمَسْؤولينَ عَنْ فَسادِهِ وَتَلَقّيهِ الرّشاوَى أَوْ سَرِقَةِ المالِ العامِّ أَوِ الخاصِّ (الوَدائِع). طالَما أَنَّ التَّوازُنَ الطائِفِيَّ يَقومُ على تَجاهُلِ الفَسادِ الذي أَصْبَحَ نِظامًا قائِمًا في ذاتِه، وَطالَما أَنَّ التَّوْظيفَ يَتِمُّ على أَساسِ الوَلاء، وَلَيْسَ الكَفاءَة. وَبِالتّالي فَإِنَّ النِّظامَ الطائِفِيَّ وَدَيْمومَتَهُ تَقومُ على حِمايَةِ الفاسِدِ الذي يَحْظى بِحِمايَةِ النّافِذينَ في الطّائِفَة.

إِنَّ تَفْكيكَ الطّائِفِيَّة، لا يَكونُ بِإِنْشاءِ الهَيْئَةِ الوَطَنِيَّةِ العُلْيا لِإِلغاءِ الطائِفِيَّةِ السِّياسِيَّة، كَما نَصَّ عَلَيْها الدُّسْتورُ والتي لَمْ تُشَكَّل حَتّى الآنَ على الرَّغْمِ مِنْ مُرورِ 37 سَنَةً على إِقْرارِ اتِّفاقِ الطّائِف، وَلَكِنْ يَكونُ بِتَفْكيكِ مَنْظومَةِ الفَسادِ التي هِيَ اليَوْمَ الرُّكْنُ الأَساسِيُّ في النِّظامِ الطائِفيِّ وَدَيْمومَتِه.

(خاص "عروبة 22")

يتم التصفح الآن