صحافة

قطاع غزة.. خبرات نظامية استثنائية

محمد خالد الأزعر

المشاركة
قطاع غزة.. خبرات نظامية استثنائية

أنتجت خطة الرئيس ترامب لوقف الحرب على قطاع غزة منظومة لحكم القطاع وإدارته، تضم أربعة هياكل، هي على توالي الترتيب السلطوي: "مجلس السلام" برئاسة ترامب نفسه، يليه "مجلس تنفيذي" بعضوية دول عربية وشرق أوسطية، بالإضافة للأمم المتحدة، يقوده الدبلوماسي البلغاري نيكولاي ملادينوف، وتليه "لجنة تكنوقراط إدارية" قوامها 15 عضواً من الغزيين، برئاسة أحدهم؛ هذا علاوة على "قوة استقرار أمنية دولية"، لم يتم "الاستقرار" بعد على المشاركين فيها أو مهمتها، يقودها جنرال أمريكي.

هذه هي إذاً الصيغة المطروحة للإجابة عن السؤال الذي تردد خلال عامي الحرب، الخاص بماذا عن الحكم والإدارة في اليوم التالي للحرب؟ وهي توليفة توحي بأن الجهد المطلوب لتفهم كيفية عملها واقعياً أكبر بكثير من الجهد الذي بذل لأجل إنشائها. إرهاصات الحيرة والارتباك في هذا الإطار لم تتأخر كثيراً، وقد أسهم ترامب، في إطلالها بسرعة قياسية، ذلك حين أعلن في مؤتمر دافوس الأخير عن تعديلات في تركيبة مجلس السلام، تتيح عضويته لكل دولة تسهم بمليار دولار!

وزاد بتعديلات أخرى تتعلق بصلاحيات المجلس وأهدافه، بما قد يفضي إلى مستجدات فارقة في مشهد القوانين والتنظيم الدوليين. ومن الأصداء وردود الأفعال اللاحقة لهذه الخطوة بدا للبعض وكأن التأسيس لـ"غزة الجديدة"، بكيانها الضئيل جغرافياً وسكانياً، بات يقترن بالتأسيس لنظام دولي، غير الذي عرفه الكوكب منذ نهاية الحرب العالمية الثانية!

يمكن تلمس هذا الهاجس في مواقف قوى دولية مؤثرة تبدأ بالأوروبيين، ولا تنتهي بأمين عام الأمم المتحدة غوتيريش، الذين استهجنوا استطراد مجلس ترامب للسلام إلى أبعد من قرار مجلس الأمن رقم 2803، الخاص بمصير غزة الانتقالي فقط. علاوة على هذه القفزة النوعية مجهولة المآلات ثمة أيضاً أسئلة غير محسومة الإجابة، وقد تثير عقبات أمام التطبيق العملي للصيغة العتيدة. من قبيل تأثير الامتعاض الإسرائيلي من تمثيل دول إقليمية بعينها في مجلس ملادينوف التنفيذي! والتباين المحتمل بين سياسات أعضائه ومواقفهم تجاه الحالة الفلسطينية!

والصلة بين لجنة غزة بطبيعتها وصلاحياتها الإدارية المحلية البحتة، وبين سلطتي رام الله ومنظمة التحرير الفلسطينية، المعبرتين عن وحدة المصير السياسي الفلسطيني العام! ويتصل هذا السؤال وثيقاً بحالة القلق والحساسيات، التي ستناوش عمل هذه اللجنة، وهي تمضي على حبل مشدود، محاولة التوفيق بين أطراف وأطر وجهات وإرادات وتوقعات وأهداف، يعز التوفيق بينها بسهولة! وعموماً ينتظر هذه اللجنة عمل شاق، بالنظر لحجم الأعباء الملقاة على عاتقها، وهي المرشحة للاحتكاك المباشر بأوجاع الأهل في غزة، والمنوط بها عدم الشرود بهم بعيداً عن هويتهم السياسية التاريخية الأم، هذا في حين أنها محكومة بصيغة دولية صارمة وصلاحيات تخلو كلياً من دسم السياسة!

من المعلوم أن الأفق الزمني لهذه الصيغة غير المألوفة هو ثلاث سنوات، وهذه بـ"الصدفة" الفترة المتبقية لترامب في البيت الأبيض، وبغض النظر عن المرجفين باحتمال تحول المؤقت إلى دائم أو شبه دائم، فإن الغزيين اليوم بصدد تجربة نوعية تضاف إلى خبراتهم، في الخضوع لنظم حكم وإدارة بالغة التباين، من حيث الأطراف والمنطلقات الأيديولوجية والأهداف والبنى السياسية وغير السياسية.

وبالخصوص لنا أن نلحظ باقتضاب كيف تقلبت عليهم منذ منتصف أربعينيات القرن الماضي، أنظمة أواخر الانتداب البريطاني قبيل رحيله عام 1948، ثم الحكم الإداري المصري حتى العام 1967، الذي تخلله الاحتلال الإسرائيلي للمرة الأولى أثناء العدوان الثلاثي الشهير على مصر بين أكتوبر 1956 ومارس 1957، ثم عودة الإدارة المصرية حتى العام 1967؛ فالاحتلال الإسرائيلي الممتد للمرة الثانية حتى العام 2005، ثم حكم السلطة الفلسطينية، الذي انهار جزئياً بالسيطرة الأحادية لحركة حماس، الأمر الذي أفضى إلى ما نسمع ونرى منذ أكتوبر 2023.

نحن إذاً إزاء سياق زمني موشى بمروحة غير متماثلة من النظم، التي خلف كل منها وراءه شيئاً قليلاً أو كثيراً من التقاليد والبصمات، على كل مناحي الحياة المادية المنظورة والمعنوية غير المنظورة لهذا المجتمع، ومن باب العبرة في هذا الإطار أن الفضاء الغزي يتمثل ويأخذ حتى الساعة ببعض الشرائع والقوانين والأعراف والسوابق والمعايير الثقافية والاجتماعية والاقتصادية والحقوقية، التي تعود إلى عهد أو آخر من العهود المذكورة! ولأن الذاكرة الجمعية للشعوب ليست إناء يمكن إفراغه بسهولة، فإنه يتعين علينا التماس العذر لأولئك الغزيين، الذين يستحضرون في أدبياتهم وخطاباتهم ومسامراتهم ذكريات، تعود إلى تلك العهود وهم يتأملون التجربة التي يقفون اليوم على أعتابها.

(البيان الإماراتية)
?

برأيك، ما هو العامل الأكثر تأثيرًا في تردي الواقع العربي؟





الإجابة على السؤال

يتم التصفح الآن