صحافة

لماذا لن تحقق الحرب على إيران أمن الخليج؟

عمرو حمزاوي

المشاركة
لماذا لن تحقق الحرب على إيران أمن الخليج؟

الحرب الدائرة ضد إيران وما تلحقه بها من دمار واسع في بنيتها العسكرية والصاروخية قد توحي، للوهلة الأولى، بأن دول الخليج العربي ستخرج منها ببيئة أمنية أكثر استقرارًا. فإضعاف القدرات العسكرية الإيرانية، خصوصًا في مجال الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة، سيحد بلا شك من قدرة طهران على تهديد المدن والمنشآت الحيوية في الخليج كما حدث في أكثر من محطة خلال السنوات الماضية. كما أن تدمير أجزاء من البنية العسكرية الإيرانية سيقلص قدرة الجمهورية الإسلامية على تمويل وتسليح الشبكات المسلحة المرتبطة بها في الإقليم، وهي الشبكات التي اعتمدت عليها طهران طويلًا لبناء نفوذها الإقليمي خارج حدودها.

غير أن هذه النتائج، على أهميتها، لا تعني أن التعايش بين إيران وجوارها العربي في الخليج سيصبح أكثر سهولة. فالدمار العسكري لا يعيد تلقائيًا بناء الثقة السياسية، والدول التي تخرج من الحروب ضعيفة ليست بالضرورة أكثر ميلًا إلى الاعتدال أو إلى الاندماج في بيئتها الإقليمية. فالحرب، حتى لو نجحت في تقليص القدرات العسكرية الإيرانية، ستترك وراءها دولة كبيرة جغرافيًا وسكانيًا لكنها مثقلة بالخسائر العسكرية والاقتصادية وتعيش حالة عزلة إقليمية عميقة. مثل هذه الدول غالبًا ما تصبح مصدرًا لعدم اليقين الاستراتيجي أكثر من كونها شريكًا قابلًا للاندماج في ترتيبات إقليمية مستقرة. فالضعف العسكري لا يلغي الطموحات الجيوسياسية ولا يبدد السرديات الأيديولوجية التى تشكل سلوك الدولة الخارجي، بل قد يدفعها في بعض الأحيان إلى البحث عن أدوات بديلة لتعويض خسائرها وإعادة بناء مكانتها.

وفي حالة إيران، فإن تصورها للأمن الإقليمي منذ قيام الجمهورية الإسلامية عام 1979 لم يقم على فكرة التعايش المتوازن مع جوارها العربي بقدر ما قام على مزيج من الردع والصراع وتوسيع النفوذ عبر أدوات غير مباشرة. وقد اعتمدت طهران على مدى عقود على شبكة واسعة من الحلفاء والتنظيمات المسلحة في الإقليم، وعلى تطوير قدرات صاروخية ومسيرات متقدمة نسبيًا، كوسيلة لتعويض ما تراه اختلالًا في ميزان القوى التقليدي بينها وبين خصومها الإقليميين والدوليين. وإذا كانت الحرب الحالية قد تؤدي إلى إضعاف هذه القدرات، فإنها لن تغير بالضرورة الأساس الفكري والاستراتيجي الذي قامت عليه السياسة الإقليمية الإيرانية.

من هنا، فإن دول الخليج قد تجد نفسها بعد الحرب أمام مفارقة معقدة: إيران أقل قدرة عسكريًا على تهديدها بصورة مباشرة، لكنها في الوقت نفسه أكثر شعورًا بالحصار وأكثر ميلًا إلى استخدام أدوات الصراع غير المتكافئ لتعويض خسائرها. وهذا النوع من السلوك هو ما يجعل التعايش مع دولة خرجت لتوها من حرب مدمرة أمرًا بالغ الصعوبة، لأن ضعفها لا يترجم بالضرورة إلى سياسات أكثر اعتدالًا بل قد يدفعها إلى أنماط جديدة من المغامرة أو التخريب غير المباشر.

كما أن الحرب ستترك آثارًا عميقة في الوعي الأمني لدول الخليج نفسها. فالهجمات التي تعرضت لها منشآت النفط والمدن والبنية التحتية خلال مراحل التصعيد المختلفة ستظل حاضرة في الذاكرة الاستراتيجية لدول المنطقة. وحتى لو أدت الحرب إلى تدمير جزء كبير من الترسانة الصاروخية الإيرانية، فإن دول الخليج ستظل تنظر إلى إيران باعتبارها دولة قادرة على إعادة بناء قدراتها بمرور الوقت، خصوصًا أنها تمتلك قاعدة صناعية وعلمية ليست محدودة.

هذا الإدراك سيجعل السياسات الخليجية في مرحلة ما بعد الحرب أكثر ميلًا إلى الردع والاحتواء منها إلى الانفتاح والتقارب. فالدول التي تعرضت لتهديد مباشر من جار إقليمي كبير لن تتخلى بسهولة عن هواجسها الأمنية حتى بعد إضعاف ذلك الجار عسكريًا. ومن المرجح أن يؤدي ذلك إلى تعميق التعاون الدفاعي مع الولايات المتحدة والقوى الدولية الأخرى، وتسريع برامج الدفاع الصاروخي، وبناء منظومات ردع أكثر تطورًا، وهي كلها خطوات ستنظر إليها إيران باعتبارها جزءًا من سياسة احتواء موجهة ضدها.

ولا يقتصر أثر الحرب على الجانب العسكري أو الأمني، بل يمتد أيضًا إلى البعد السياسي للعلاقات الإقليمية. فالدمار الذي ستتعرض له إيران سيضعف قدرتها على تقديم نفسها كقوة إقليمية أو كبديل للنظام الإقليمي القائم في الخليج. غير أن هذا الضعف قد يدفع النظام الإيراني إلى مزيد من التشدد بدلًا من المراجعة. فالأنظمة التي تتعرض لضغوط خارجية حادة كثيرًا ما تلجأ إلى خطاب المقاومة والصمود لتعزيز تماسكها الداخلي وتبرير استمرار سياساتها الصراعية.

وفي هذا السياق، ستزداد صعوبة بناء رواية مشتركة حول أسباب الحرب ونتائجها. فإيران ستقدم ما جرى باعتباره عدوانًا استهدف سيادتها ومحاولة لإخضاعها، بينما ستنظر دول الخليج إلى الحرب باعتبارها نتيجة مباشرة لسياسات إيرانية توسعية هددت استقرار المنطقة لسنوات طويلة. هذا التباين في الروايات سيجعل إعادة بناء الثقة السياسية بين الطرفين مهمة شديدة التعقيد.

ولعل تجربة الخليج مع نظام الرئيس العراقي الراحل صدام حسين تقدم مثالًا تاريخيًا مهمًا على هذه الإشكالية. فبعد أن أقدم النظام العراقى على غزو الكويت في عام 1990، تعرض العراق لهزيمة عسكرية قاسية واضطر إلى الانسحاب من الكويت تحت ضغط عسكري دولي كبير. ومع ذلك، لم يؤد خروج العراق من الكويت وإضعاف قدراته العسكرية إلى خلق بيئة إقليمية يمكن لدول الخليج أن تتعايش فيها بسهولة مع نظام صدام حسين.

فقد بقى النظام العراقي في الحكم طوال التسعينيات وحتى الغزو الأمريكي في 2003. غير أن دول الخليج لم تنظر إليه خلال تلك الفترة باعتباره جارًا يمكن الوثوق به أو شريكًا إقليميًا طبيعيًا. صحيح أن العراق خرج من حرب الكويت بقدرات عسكرية أضعف وتحت نظام عقوبات دولية صارم، غير أن التجربة المريرة لغزو الكويت جعلت الثقة بينه وبين محيطه الخليجي شبه معدومة. وبقيت العلاقة محكومة بالشكوك والهواجس الأمنية إلى أن انتهى حكم صدام حسين بسقوط النظام.

هذه الخبرة التاريخية تعكس حقيقة مهمة في العلاقات الإقليمية: إضعاف دولة معتدية عسكريًا لا يكفي لإعادة دمجها في محيطها إذا لم يترافق ذلك مع تغير جوهري فى سلوكها السياسي واستراتيجيتها الإقليمية. فالذاكرة الأمنية للدول لا تُمحى بسهولة، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بتهديدات وجودية مثل غزو دولة لدولة أخرى أو استهداف منشآت حيوية وبنى تحتية استراتيجية.

من هذا المنظور، قد تجد دول الخليج نفسها بعد الحرب مع إيران أمام وضع يشبه، في بعض جوانبه، ما واجهته بعد حرب الكويت. فإيران اليى ستخرج من الحرب أضعف عسكريًا قد تبقى، في نظر جيرانها، دولة يصعب الوثوق بنواياها الإقليمية. وستظل الشكوك قائمة حول ما إذا كانت ستسعى إلى إعادة بناء قدراتها العسكرية والعودة إلى سياسات النفوذ والتدخل في المنطقة.

كما أن إيران، في ظل تراجع قدراتها العسكرية التقليدية، قد تميل إلى الحفاظ على ما تبقى من أدوات النفوذ غير المباشر في المنطقة باعتبارها إحدى وسائل الردع القليلة المتاحة لها. وهذا بدوره سيعزز مخاوف دول الخليج ويجعلها أكثر تمسكًا بسياسات الاحتواء والردع.

بذلك، فإن نهاية الحرب لن تعني بالضرورة بداية مرحلة جديدة من التعايش بين إيران وجوارها العربي في الخليج. فحتى لو تقلصت قدراتها العسكرية وتراجعت قدرتها على تهديد أمن الخليج بصورة مباشرة، فإن الإرث السياسي والاستراتيجي للصراع سيظل حاضرًا لسنوات طويلة. فالتعايش الإقليمي لا يقوم فقط على توازن القوى، بل يعتمد أيضًا على الحد الأدنى من الثقة المتبادلة، وهي الثقة التي يبدو أن الحرب، بكل ما تحمله من دمار وخسائر، ستجعل إعادة بنائها أكثر صعوبة من أي وقت مضى.

(الشروق المصرية)

يتم التصفح الآن