قبل ساعات من إعلان التوقيت الجديد لـ"ساعة يوم القيامة" لعام 2026، وهي المؤشر الرمزي الذي يضبطه علماء نشرة علماء الذرة (Bulletin of the Atomic Scientists) منذ سنة 1947 لقياس مدى اقتراب البشرية من الكارثة الوجودية، يبدو العالم، وكأنه يندفع نحو حافة لم يعد أحد يثق بقدرة العقل السياسي على التراجع عنها؛ فالساعة لا تتنبأ بالمستقبل، لكنها ترصد الحاضر حين يبلغ درجة الخطر القصوى، وعلى رأسه الخطر النووي.
فى سنة 2025، وُضعت عقارب الساعة عند 89 ثانية قبل منتصف الليل، وهو أقرب توقيت منذ تأسيسها عقب الحرب العالمية الثانية. واليوم، مع اقتراب إعلان 2026، تتراكم المؤشرات التي تجعل أي تحسّن أمرًا صعب التصديق؛ فالخطاب النووي لم يعد من المحرّمات، بل عاد إلى قلب السياسة الدولية، تُلوّح به قوى كبرى، وتدرسه قوى إقليمية باعتباره الضمان الأخير للبقاء فى عالم مضطرب.
العالم يعيش لحظة انكشاف نووي خطيرة. روسيا تواصل التلويح بسلاحها النووي في سياق حرب أوكرانيا، وكوريا الشمالية ترفع وتيرة تجاربها الصاروخية، والولايات المتحدة تعود فيها أصوات نافذة للمطالبة بتحديث الترسانة النووية وربما استئناف اختبارات كانت مجمّدة. الأخطر من ذلك، كما حذّر المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل جروسي، هو احتمال ارتفاع عدد الدول المالكة للسلاح النووي من تسع إلى ما بين عشرين وخمس وعشرين دولة خلال سنوات قليلة، في مؤشر على انهيار فعلي لمنظومة منع الانتشار.
لم يعد السلاح النووي سرًا يدار فى الغرف المغلقة، بل خيارًا يناقش علنًا. لدينا دول كانت تكتفى سابقًا بالمظلّة النووية لحلفائها، باتت ترى في امتلاك السلاح بنفسها الطريق الوحيد لردع الخصوم. وهنا يكمن الخطر الحقيقي.. حين يتحوّل النووي من "سلاح أخير" إلى أداة عادية فى حسابات القوة. غير أن هذا النقاش العالمي يعاني اختلالًا بنيويًا فادحًا، يتمثل في الصمت الدولي المزمن تجاه البرنامج النووى العسكري الإسرائيلي، الخارج بالكامل عن رقابة الوكالة الدولية للطاقة الذرية، وغير الخاضع لأى نظام تفتيش أو التزام قانوني. إسرائيل، التي يقدّر امتلاكها عشرات الرؤوس النووية، بقيت الاستثناء الصارخ في نظام منع الانتشار، محمية بإرادة سياسية غربية تتغاضى عن هذا الواقع، بينما تشدَّد القيود والعقوبات على دول أخرى لمجرد الاشتباه أو الاقتراب التقني. هذا الكيل بمكيالين لا يقوّض فقط مصداقية النظام الدولي، بل يغذّي سباقات تسلّح إقليمية كامنة، خصوصًا فى الشرق الأوسط.
في هذا السياق، لا يمكن فصل القلق النووي العالمي عن التصعيد العسكري الذي شهده شهر يونيو الماضي ضد إيران، والذي أعاد برنامجها النووي إلى واجهة الصراع الدولي. بغض النظر عن المواقف من طهران، فإن الرسالة التي تلقاها الإقليم كانت واضحة: من يقترب من العتبة النووية تُحسب له الحسابات، ومن يبقى خارجها يظل عرضة للضغط أو الضرب. هذه المعادلة الخطيرة كفيلة بإشعال سباق نووى إقليمي صامت، تدفع ثمنه شعوب المنطقة.
ما نعيشه اليوم، بحسب توصيف رئيسة نشرة علماء الذرة ألكسندرا بيل، هو "المرحلة الثالثة من العصر النووي": مرحلة لا يحكمها توازن الردع الكلاسيكي، ولا أوهام نزع السلاح بل سباق تسلّح في عالم متعدد الأقطاب، ضعفت فيه القواعد، وتآكلت الثقة، وارتفعت فيه كلفة الخطأ إلى مستوى وجودي.. في هذه المرحلة، يصبح سوء التقدير أو التصعيد غير المقصود خطرًا لا يقل عن الحرب المتعمدة.
وسط هذا المشهد القاتم، تبدو الدعوات إلى نزع السلاح النووى وكأنها تصرخ في صحراء سياسية قاحلة. صحيح أن معاهدة حظر الأسلحة النووية دخلت حيّز التنفيذ، لكن القوى النووية الكبرى، ومن ضمنها تلك التي تحمى الترسانة الإسرائيلية سياسيًا، تجاهلتها ونجحت في تفريغها من تأثيرها العملي. ومع ذلك، يذكّرنا دعاة نزع السلاح، ومنهم ناجون من هيروشيما وناجازاكي، بأن الردع ليس ضمانة أبدية، بل مقامرة طويلة الأمد على بقاء البشرية.
"ساعة يوم القيامة" لا تدق جرس إنذار نووي فحسب، بل تكشف نفاق النظام الدولي حين يغضّ الطرف عن خطر نووي "صديق" ويضخّم أخطارًا أخرى. وكل ثانية تقترب فيها من منتصف الليل هي تذكير بأن العالم لا ينقصه السلاح، بل ينقصه العدل في تطبيق القواعد، والعقل السياسي القادر على كبح القوة حين تنفلت. السؤال الحقيقي لم يعد: هل ستتحرك العقارب هذا العام؟ بل: هل ما زال في يد البشرية وقت كافٍ لتفادي الكارثة؟
(الشروق المصرية)

