ثمة حالاتٌ، في السياسة الدولية، قد يصبح الضجيج والصخب فيها إعلاناً صريحاً عن نهاية مرحلة كاملة، بدل أن يكون مجرد ضجيجٍ عابرٍ ومألوف. وما نشهده اليوم ليس خللاً طارئاً في النظام العالمي بقدر كونه لحظة انكشاف حادّ لنظامٍ عاش طويلاً على التجميل، والتأجيل، وإدارة الأزمات بدل حلّها. من هذه الزاوية، لا يمكن قراءة ظاهرة دونالد ترامب بوصفها مجرّد خروجٍ عن الأعراف، وإنما بوصفها لحظةً كاشفة أجبرت النظام الدولي التقليدي على النظر في المرآة بلا مساحيق.
هنا تكتسب فكرة "مكر التاريخ" عند هيغل معناها العملي لا الأكاديمي. فالتاريخ، في منطقه العميق، لا يتحرّك دائماً عبر رجال دولة حكماء ولا عبر توافقات أخلاقية راقية.. بل إنه كثيراً ما يمرّ عبر شخصيات صدامية، فظة، مستفزّة، تدفع التناقضات المتراكمة إلى حافة الانفجار. وعند تلك اللحظة، تحديداً، يسقط وهم الاستقرار، وتُجبَر البُنى العاجزة على الاعتراف بفشلها. بهذا المعنى، فإن ترامب لم يصنع أزمة النظام الدولي الليبرالي، وإنما فضح تناقضاته. وهو لم يهدم نظاماً متماسكاً، وإنما هزّ بناءً كان قائماً أصلاً على توازنات هشّة وشعارات مؤجَّلة. وكل ما في الأمر أن حقيقة "النظام القائم على القيم" ظهرت، وتبين أنها ليست سوى سردية انتقائية، وأن القانون الدولي يُستدعى حين يخدم الأقوياء، ويُهمَل حين يقيّدهم.
في هذا السياق، تكشف سياسات ترامب هشاشة أوروبا على نحوٍ غير مسبوق. فالقارة التي طالما احتمت بالمظلّة الأمريكية، وتحدّثت باسم "النظام الدولي"، وجدت نفسها عاجزة عن الفعل حين توجب عليها اتخاذ القرار. نحن هنا بإزاء أوروبا تُتقن الوعظ، وتُجيد كتابة البيانات، لكنها تتردّد عند اللحظة الحاسمة. وبالتالي، فإن صدمة ترامب لم تُضعف أوروبا بقدر ما كشفت ضعفها البنيوي: مشروع سياسي بلا أدوات قوة مستقلة، وخطاب أخلاقي بلا قدرة على فرضه.
أما فضح سياسات الصين، فقد جاء بطريقة مختلفة. فهي ليست عاجزة كأوروبا، لكنها مترددة، وبحسابات لانهاية لها. وإذ راهنت الصين دوماً على الزمن الطويل، وعلى الاستنزاف الهادئ، وعلى أن الأخطاء الأمريكية ستتراكم وحدها. غير أن سياسة الصدمة كسرت الإيقاع الذي تفضّله بكين، وفرضت عليها التحرّك خارج منطق "الوقت يعمل لصالحنا". وهنا، تحديداً، يظهر التناقض الصيني الذي يكمن في كونها قوة اقتصادية كبرى، لكنها تتحرك بحذر سياسي يمنعها من ملء الفراغ العالمي بسرعةٍ وفعالية.
والحقيقة أن ثمة مثالاً تاريخياً يضيء المشهد الترامبي بشكلٍ أكثر. ففي مطلع القرن التاسع عشر، لم يدخل نابليون بونابرت المسرح الأوروبي بوصفه رجل دولة تقليدياً، وإنما كقوةٍ صادمة قلبت نظام القارة القديم رأساً على عقب. ذلك أن أوروبا، ما قبل نابليون، كانت أسيرة توازنات ملكية مترهّلة، تُدير الصراع ولا تحسمه، وتؤجّل الإصلاح تحت شعارات الاستقرار. فجاء نابليون، لا ليُجمّل النظام، وإنما ليكسره. فحروبه لم تُبنَ على إجماع، ولم تُبرَّر بخطاب أخلاقي؛ لكنها أجبرت القارة- رغماً عنها-على إعادة تعريف الدولة، والجيش، والقانون، والحدود. وحتى وهو يُهزم، ترك الرجل وراءه أوروبا مختلفة تتمثل في دولٍ مركزية، وجيوشٍ وطنية، ومدونات قانونية لم تكن لتولد عبر المساومات البطيئة.
والتشابه هنا ليس في الشخصيات بطبيعة الحال، وإنما في الوظيفة التاريخية. فكما عجز النظام الأوروبي القديم عن إصلاح نفسه من الداخل حتى استُدعيَت الصدمة النابليونية، يعجز النظام الليبرالي الدولي اليوم عن تجديد ذاته، فتظهر صدمات تكسر إيقاعه. وحين تتراكم التناقضات، لا يأتي التحوّل، دائماً، عبر حكماء أو بيانات، وإنما عبر شخصيات تدفع الصراع إلى نهاياته القصوى، فتُسقِط القديم حتى لو دفعت هي الثمن لاحقاً.
هكذا يعمل "مكر التاريخ". ليس بأدوات مهذّبة، وإنما بوسائل قاسية تُجبر الجميع على إعادة التموضع. وسط هذا المشهد، تبرز سوريا بوصفها إحدى أكثر الساحات حساسيةً ودلالة. ذلك أنها كانت، لعقود، حبيسة إدارات دولية رمادية، تتقن إدارة الجمود أكثر مما تُتقن صناعة الحلول، وتُراكِمُ التقارير أكثر مما تراكم الأفعال. وكانت تُعامَلُ، دائماً، كساحة مؤجَّلة، وليس كدولة تستحق أن تعود إلى التاريخ. أما اليوم، فإن انهيار منطق "الاحتواء البطيء" يفتح نافذة مختلفة، تُبنى على إعادة تعريف المصالح ومعادلات القوة، وليس على المثاليات ولا على الوعظ الدولي.
المفارقة أن خروج سوريا من هذا الانحباس يتزامن مع وجود أكثر شخصية أمريكية استعداداً لدفع التحولات دفعة واحدة. وهذا ليس لأن ترامب "منحها" فرصةً فقط، كما هو سائد، وإنما لأن الصدمة التي أحدثها أسقطت كثيراً من العوائق الذهنية والسياسية التي كانت تمنع أي انتقال حقيقي. فحين تسقط الأقنعة، يصبح ممكناً للدول الخارجة من الصراع أن تتعامل مع العالم كما هو، لا كما يُروَّج له. لكن هذا لا يعني تبرير أسلوب ترامب أو تمجيد خطابه، ولا التغاضي عن الكلفة العالية التي ترتبت على سياساته عالمياً. وإنما يعني فهم الوظيفة التاريخية التي أدّاها، شاء أم أبى. فالتاريخ يَسأل عن النتائج، وليس عن أناقة الأدوات! والعقل الكلي-إن صحّ التعبير- قد يمرّ عبر شخصيات عابرة، يستهلكها، ثم يترك خلفها واقعاً جديداً لم تكن لتُنتجه شخصيات أكثر تهذيباً.
نحن، إذاً، بإزاء زمنٍ مفتوح، تختلط فيه الفلسفة بالسياسة، وتسقط فيه السرديات الكبرى، ويصعد فيه "منطق الصدمة" كأداة حكم. وهذا الزمن مزعج، ومقلق، لكنه يفتح الأبواب المغلقة، ويجعل ما كان مستحيلاً قابلاً للحدوث. وعليه، فإن التحدي الحقيقي اليوم ليس أخلاقياً فقط ولا واقعياً فقط، وإنما هو سياسيٌ بامتياز: كيف نوازن بين المبادئ بوصفها بوصلة، والواقعية بوصفها أداة نجاة؟ ذلك أنه لا الوعظ العاجز ينقذ دولة، ولا البراغماتية بدون أخلاق تبني مستقبلاً. والمطلوب بالضرورة هو وجود عقلٍ سياسي يعرف أن التاريخ لا ينتظر المترددين.. وأن "مكر التاريخ" يمضي دائماً، سواء أحببناه أم كرهناه.
وهذا يتعلق بحقيقة أن السؤال الجوهري ليس إن كان ترامب ظاهرة سلبية أو إيجابية بحد ذاتها، وإنما إن كان العالم- وسوريا ضمنه - قد أحسن استيعاب ما كشفته هذه الظاهرة: هل جرى التعامل مع انهيار الخطاب القديم بوصفه نهاية، أم بوصفه بداية؟ هل فُهم أن السياسة الدولية دخلت طوراً أقلّ نفاقاً، وأكثر فجاجة، لكنه أيضاً أكثر وضوحاً لمن يريد أن يبني خياراته بوعي؟
في هذا السياق، لا يبدو ترامب شذوذاً طارئاً في مسار التاريخ بقدر ما يظهر كإحدى أدواته القاسية. أداةً تُذكّر، من دون مواربة، بأن الإقامة الطويلة في وهم التجميل لا تنتهي بالإصلاح، وإنما بلحظة صدمةٍ تكسر المرآة نفسَها، وتُجبر الجميع على مواجهة صورتهم كما هي، بلا أقنعة ولا مساحيق.
(القدس العربي)

