بعد اجتماعه مع الأمين العام لحلف الأطلنطي، صرّح ترامب: لقد وضعنا إطار عمل لاتفاق بشأن غرينلاند، بل ومنطقة القطب الشمالى برمّتها، لقد منحت مسوّدة الاتفاق الولايات المتحدة كل ما أرادته وإلى الأبد. التطورات الأخيرة جاءت بعد خلاف غير مسبوق بين الولايات المتحدة وحلفائها الأوروبيين بشأن غرينلاند، ويبدو أن الأزمة قد تم احتواؤها ولو مؤقتًا حتى إشعار آخر.
تلك الأحداث تتطلب تمعنًا عميقًا في مواقف أطراف تلك الأزمة، فقد تحدث الرئيس ترامب عن أوروبا بقوله: إنهم يحتاجون إلينا بأكثر مما نحتاج إليهم، وهو تصريح صحيح تمامًا في جوهره ومعناه عن طبيعة العلاقة بين أوروبا والولايات المتحدة ودورها في إعادة إعمار وبناء أوروبا بعد الحرب العالمية الثانية من خلال مشروع مارشال، ثم التحالف الأمريكي مع القوى الأوروبية الغربية لتكوين حلف الأطلنطي للتعاون العسكري والدفاعي والسياسي والأمني فيما بينهم.
برغم ذلك، يشير التاريخ إلى أن العلاقات الأوروبية الأمريكية في إطار حلف الأطلنطي قد تعرضت لمنعطفات حادة بشأن إعادة تسليح ألمانيا الغربية، وأثناء العدوان الثلاثي على مصر عام 1956 حين رفضته الولايات المتحدة، ثم الخلافات بين الولايات المتحدة وفرنسا وانسحاب فرنسا من القيادة العسكرية للحلف عام 1966، وإصرارها على مغادرة جميع القوات الأمريكية أراضيها، ثم اختلاف المواقف حول غزو العراق عام 2003.
وفي الوقت الراهن، عبّر الرئيس الفرنسي عن مظاهر التباين في الرؤى بين الولايات المتحدة وأوروبا بقوله إنه لا يمكن تحديد مستقبل أوروبا في واشنطن. ومن قبل، كان ماكرون قد ألقى ظلالًا كثيفة من الشكوك حول مستقبل حلف الأطلنطي بتصريحه أن الحلف في حالة موت دماغي. وردًا على ذلك، في مرحلة لاحقة، تهكمت المتحدثة باسم البيت الأبيض بقولها إنه لولا تدخل الولايات المتحدة في الحرب العالمية الثانية، لكانت فرنسا الآن تتحدث الألمانية.
على الساحة الأوروبية، تجلّت السياسات البراغماتية الأمريكية في الحرب الروسية الأوكرانية، ففي مرحلتها الأولى كانت الولايات المتحدة هي الرابح الأكبر، حيث استنزفت قدرًا كبيرًا من الموارد الاقتصادية والقدرات العسكرية الروسية، وتم تجميد الأرصدة الروسية وإخراج روسيا من سوق النفط والغاز الأوروبي لصالح صادرات النفط والغاز الأمريكية الأكثر تكلفة على الاقتصادات الأوروبية.
كما صدّرت الولايات المتحدة لأوكرانيا كميات كبيرة من السلاح القديم المخزون لديها، ومنها نوعيات متقدمة تكنولوجيًا، وأجبرت أوكرانيا على توقيع اتفاقية اقتصادية مجحفة لاحتكار استغلال موارد المعادن الأوكرانية الغنية، وكذلك توسّع المستثمرون الأمريكيون في شراء مئات آلاف الهكتارات من الأراضي الزراعية الأوكرانية الخصبة بأسعار بخسة.
وفي مرحلة لاحقة، حدث تحول في التوجهات الأمريكية مع تولي الرئيس ترامب، الذي اعتبر أن الخصم الاستراتيجي الأول للولايات المتحدة هو الصين وليس روسيا، التي يضعها في مرتبة خصومة أدنى، مع تقديره بأنه يمكن إخراج روسيا من معادلة الصراع بالتوصل إلى تفاهمات معها بشأن أوكرانيا، وهي رؤية تتناقض مع الرؤية الأوروبية، التي تعتبر الدفاع عن أوكرانيا ودعمها بكل السبل ضرورة جيوسياسية للدفاع عن أوروبا.
ثم كان أن صدرت وثيقة استراتيجية الأمن القومي الأمريكي في 2025، لتمثل تحولًا جذريًا غير مسبوق، يعكس اختلاف الرؤية الاستراتيجية الأمريكية الأوروبية بالنسبة لروسيا، التي تتجنب الوثيقة وصفها كتهديد مباشر للمصالح الأمريكية، وفي ذات الوقت تشير الوثيقة إلى أن العديد من الأوروبيين يعتبرون روسيا تهديدًا مباشرًا لأوروبا، وأنه من الضروري دعم أوكرانيا عسكريًا واقتصاديًا إلى أقصى مدى ممكن، وهو أمر يتناقض مع التوافقات الأمريكية الروسية بشأن تلك الحرب.
أما عن حلف الأطلنطي فهو يعتمد بشكل رئيسي على 37 قاعدة عسكرية أمريكية تنتشر في أراضي الدول الأعضاء، وتُعدّ الولايات المتحدة أكبر قوة عسكرية في الحلف، وتسهم بقرابة 70% من الإنفاق الدفاعي له. وعلى النقيض من الإدارات الأمريكية السابقة التي تعتبر الحلف مكونًا أساسيًا من مكونات الدور العالمي للولايات المتحدة استراتيجيًا وعسكريًا، يعتبر الرئيس ترامب ذلك الحلف، بمفهوم الأعمال، صفقة غير مربحة، مع انتقادات حادة للدول الأعضاء لعدم تحملها نصيبها العادل من النفقات العسكرية للحلف، مشددًا على أهمية أن تسدد الدول الأعضاء تكاليف الحماية التي توفرها لها الولايات المتحدة.
كذلك نصّت وثيقة استراتيجية الأمن القومي الأمريكي صراحة على أن القوات الأمريكية لا يمكن ولا يجب أن تتحمل بمفردها عبء الدفاع عن الحلفاء، وتوجّه إدارة الرئيس ترامب لنقل معظم العبء المالى للدفاع عن أوروبا إلى الدول الأعضاء في الحلف، مع إلزام وزارة الحرب الأمريكية بمراقبة مدى التزام دول حلف الأطلنطي بتخصيص 5% من الناتج المحلي لكل دولة للدفاع بحلول 2035.
أعادت وثيقة استراتيجية الأمن القومي الأمريكي ترتيب أولويات السياسات الأمريكية، وتبيّن منها إلى حد كبير حقيقة أن العلاقات الأمريكية الأوروبية لم تعد قائمة على الشراكة التقليدية بينهما كحليفين استراتيجيين، بل على تقليص المسئولية الأمريكية تجاه أوروبا، ودفعها لتحمل الجانب الأكبر من نفقات مسؤولياتها العسكرية والدفاعية والأمنية. والرئيس ترامب، المعهود عنه عدم إمكانية التنبؤ بقراراته، بل وقدرته على اتخاذ القرارات المفاجئة الصادمة، سبق أن لمح مهددًا إلى إمكانية خروج الولايات المتحدة من حلف الأطلنطي.
أما عن الدول الأوروبية الفاعلة في الحلف، مثل ألمانيا وفرنسا، ومع إدراكها التطورات الراهنة، فقد أدركت أن عليها مراجعة قدراتها العسكرية الذاتية، فسارعت الحكومة الألمانية لرصد موازنة مفتوحة للدفاع وتنمية الصناعات العسكرية وبناء قدرات التسلح. أما فرنسا فقد سارعت فى صياغة استراتيجيات للعمل على بناء قوة أوروبية موحدة بالتعاون مع ألمانيا كقطبين أوروبيين، فيما توجه رئيس وزراء كندا لزيارة إلى الصين أبرم فيها اتفاقات تجارية ذات أبعاد استراتيجية جديدة.
الإدراك الأمريكي للانكشاف الأوروبي الراهن، وفي ظل حرب ضروس تدور رحاها في شرق أوروبا تشير مجرياتها الراهنة إلى تهاوي دفاعات القوات الأوكرانية المدعومة من أوروبا، جعل الإدارة الأمريكية تستغل الموقف بدهاء شديد وبأقصى درجة من البراغماتية السياسية، للضغط على أوروبا بمطالبة الرئيس الأمريكي للدنمارك بالاستحواذ على جزيرة غرينلاند بموقعها الاستراتيجي وأهميتها الجيوسياسية والاقتصادية، وضمّها رسميًا إلى الولايات المتحدة.
الموقف العصيب الذي وقفته أوروبا طوال الأيام الماضية يشير إلى أنه حتى وإن تم احتواء أزمة غرينلاند مرحليًا، فإن العلاقات الأوروبية الأمريكية ستشهد تحولات لن تعود بها أبدًا إلى ما كانت عليه من قبل.
(الشروق المصرية)

