الضفّةُ الغربيّة: الأَزْمَةُ المالِيَّةُ تخنق القطاع التَّعْليمِي!

فلسطين - فادي داود

المشاركة

أَلْقَتِ الأَزْمَةُ المالِيَّةُ الخانِقَةُ التي تَعيشُها السُّلْطَةُ الفِلَسْطينِيَّةُ بِظِلالِها الثَّقيلَةِ على قِطاعِ التَّعْليم، أَحَدِ أَكْثَرِ القِطاعاتِ حَيَوِيَّةً وَحَساسِيَّة، حَيْثُ تَسَبَّبَتْ أَزْمَةُ الرَّواتِبِ المُسْتَمِرَّةِ لِلمُعَلِّمينَ في انْعِكاساتٍ سَلْبِيَّةٍ عَميقَةٍ طالَتِ العَمَلِيَّةَ التَّعْليمِيَّةَ بِرُمَّتِها، مِنَ المُعَلِّمِ إلى الطّالِب، وُصولًا إلى جَوْدَةِ المُخْرَجاتِ التَّعْليمِيَّة.

الضفّةُ الغربيّة: الأَزْمَةُ المالِيَّةُ تخنق القطاع التَّعْليمِي!

تَقولُ المُعَلِّمَةُ تَحْرير الدّيك لِـ"عُروبَة 22" إِنَّ أَزْمَةَ الرَّواتِبِ أَدَّتْ إلى خَصْمِ عَدَدٍ كَبيرٍ مِنْ أَيّامِ الدَّوامِ الرَّسْمِيّ، الأَمْرُ الذي حالَ دونَ اسْتِكْمالِ الخُطَّةِ التَّعْليمِيَّةِ بِالشَّكْلِ المَطْلوب. وَأشارَتْ إلى أَنَّ ذَلِكَ انْعَكَسَ مُباشَرَةً على كَفاءَةِ الحِصَصِ الدِّراسِيَّة، حَيْثُ تَراجَعَ مُسْتَوى التَّرْكيزِ والتَّحْضيرِ لَدى المُعَلِّمينَ نَتيجَةَ الضُّغوطِ الاقْتِصادِيَّةِ والنَّفْسِيَّةِ المُتَراكِمَة.

وَأَضافَتْ أَنَّ الإِضْراباتِ المُتَكَرِّرَةَ عَطَّلَتِ الدَّوامَ لِفَتَراتٍ طَويلَة، ما أَحْدَثَ فَجْوَةً تَعْليمِيَّةً واضِحَةً لَدى الطَّلَبَة، وَأَضْعَفَ اسْتِمْرارِيَّةَ التَّعَلُّم، فَضْلًا عَنْ غِيابِ عَدَدٍ مِنَ المُعَلِّمين، إِمّا بِسَبَبِ المُشارَكَةِ في الإِضْرابِ أَوْ لِعَدَمِ قُدْرَتِهِمْ على تَحَمُّلِ تَكاليفِ المُواصَلات، وَهُوَ ما أَدّى إلى عَدَمِ انْتِظامِ الحِصَصِ وَتَراجُعِ المُتابَعَةِ الأَكاديمِيَّة.

تَراجُعُ القيمَةِ الحَياتِيَّةِ لِلمُعَلِّم

مِنْ جانِبِها، أَكَّدَتِ المُعَلِّمَة غادَة خَنْفَر أَنَّ تَراجُعَ دَخْلِ المُعَلِّمِ بِسَبَبِ أَزْمَةِ الرَّواتِبِ انْعَكَسَ بِشَكْلٍ مُباشِرٍ على قيمَتِهِ الحَياتِيَّةِ والمَعيشِيَّة، حَيْثُ انْخَفَضَتْ قُدْرَتُهُ الشِّرائِيَّةُ وَأَصْبَحَ عاجِزًا عَنْ تَلْبِيَةِ احْتِياجاتِهِ الأَساسِيَّةِ مِنْ غِذاءٍ وَدَواءٍ وَمُتَطَلَّباتِ أُسْرَتِه.

وَأَوْضَحَتْ أَنَّ ارْتِفاعَ تَكاليفِ المُواصَلاتِ شَكَّلَ عائِقًا إِضافِيًّا أَمامَ الالتِزامِ بِالدَّوام، كَما اضْطُرَّ الكَثيرُ مِنَ المُعَلِّمينَ إلى تَقْليصِ نَفَقاتِهِمُ الأَساسِيَّةِ واللُّجوءِ إلى الدُّيون، ما فاقَمَ الضُّغوطَ النَّفْسِيَّةَ والمَعيشِيَّة. وَأَشارَتْ إلى أَنَّ هَذَا الواقِعَ يُؤَثِّرُ سَلْبًا على عَطاءِ المُعَلِّمِ داخِلَ الصَّفّ، إِذْ يُعاني مِنْ قَلَقٍ دائِمٍ وَإرْهاقٍ نَفْسِيٍّ يُضْعِفُ التَّرْكيزَ والتَّحْفيزَ والإِبْداعَ في التَّدْريس، وَيَنْعَكِسُ بِالتّالي على جَوْدَةِ التَّعْليم.

الطَّلَبَةُ يَدْفَعونَ الثَّمَنَ

بِدَوْرِه، أَشارَ المُعَلِّمُ في المَرْحَلَةِ الابْتِدائِيَّةِ محمد سَلامَة إلى أَنَّ الطَّلَبَةَ كانوا الحَلْقَةَ الأَضْعَفَ في هَذِهِ الأَزْمَة، حَيْثُ أَدّى تَقْليصُ عَدَدِ أَيامِ الدَّوامِ والحِصَصِ الدِّراسِيَّةِ إلى تَراجُعِ كَمِيَّةِ المادَّةِ التَّعْليمِيَّة. وَعلى الرَّغْمِ مِنْ مُحاوَلاتِ تَكْثيفِ الحِصَصِ لِتَعْويضِ الفاقِدِ التَّعْليمِيّ، إِلّا أَنَّ ذَلِكَ زادَ مِنَ الضَّغْطِ على الطَّلَبَةِ مِنْ دونِ تَحْقيقِ فائِدَةٍ حَقيقِيَّة، إِذْ باتَ الجُهْدُ أَكْبَرَ والمُحْتَوى أَقَلّ.

وَأَضافَ أَنَّ تَقْليصَ الدَّوامِ إلى ثَلاثَةِ أَيامٍ فَقَطْ في الأُسْبوع، مَعَ وُجودِ عُطْلَةٍ في مُنْتَصَفِ الأُسْبوع، أَثَّرَ سَلْبًا على دافِعِيَّةِ الطَّلَبَةِ نَحْوَ التَّعَلُّم، وَأضْعَفَ الاسْتِمْرارِيَّةَ والانْضِباط، ما انْعَكَسَ على التَّحْصيلِ العِلْميِّ وَمُسْتَوى الفَهْمِ والاسْتيعاب. كَما أَدّى خَصْمُ يَوْمَيْنِ مِنَ الدَّوامِ إلى انْتِقالِ الطَّلَبَةِ إلى صُفوفٍ أَعْلى مِنْ دونِ إِنْهاءِ المِنْهاجِ المُقَرَّر، ما يُهَدِّدُ بِتَراكُمِ فَجَواتٍ تَعْليمِيَّةٍ خَطيرَة.

صَوْتُ الطَّلَبَة: فَجْوَةٌ مَعْرِفِيَّةٌ مُتَراكِمَة

مِنْ جِهَتِها، قَالَتِ الطالِبَةُ في المَرْحَلَةِ الثَّانَوِيَّةِ مَرَح عَبْدُ الرَّحْمَن إِنَّ الأَزْمَةَ أَثَّرَتْ بِشَكْلٍ مُباشِرٍ على فَهْمِها لِلمَوادِّ التَّراكُمِيَّةِ مِثْلَ الفيزْياءِ والرِّياضِيّاتِ واللُّغَةِ الإِنْكْليزِيَّة، مُؤَكِّدَةً أَنَّ عَدَمَ إِنْهاءِ المِنْهاجِ يُمَثِّلُ مُشْكِلَةً حَقيقِيَّةً سَتَنْعَكِسُ على المَراحِلِ الدِّراسِيَّةِ اللاحِقَة.

وَأَضافَتْ أَنَّ الدَّوامَ لِثَلاثَةِ أَيّامٍ فَقَطْ في الأُسْبوع، نَتيجَةَ عَدَمِ تَقَاضي المُعَلِّمِينَ رَواتِبَهُمْ كامِلَة، أَصْبَحَ "مُشْكِلَةً مُسْتَعْصِيَة"، مُشيرَةً إلى أَنَّ الوَضْعَ المادِّيَّ أَثَّرَ على كُلِّ تَفاصِيلِ الحَياة. وَأَوْضَحَتْ أَنَّ والِدَها، وَهُوَ مُوَظَّفٌ حُكُومِيّ، يُعاني بِدَوْرِهِ مِنْ عَدَمِ انْتِظامِ الرّاتِب، ما حالَ دونَ قُدْرَتِهِ على تَوْفيرِ دُروسٍ خُصوصِيَّةٍ لها لِتَعْويضِ الفاقِدِ التَّعْليمِيّ، على الرَّغْمِ مِنْ حاجَتِها الماسَّةِ إِلَيْها.

تَهْديدٌ لِمُسْتَقْبَلِ التَّعْليم

في المُحَصِّلَة، تَكْشِفُ هَذِهِ الشَّهاداتُ عَنْ صورَةٍ قاتِمَةٍ لِواقِعِ التَّعْليمِ الفِلَسْطينيِّ في ظِلِّ الأَزْمَةِ المالِيَّةِ المُتَفاقِمَة، حَيْثُ لَمْ تَعُدِ المُشْكِلَةُ مَحْصورَةً في تَأْخيرِ الرَّواتِب، بَلْ تَحَوَّلَتْ إلى أَزْمَةٍ بُنْيَوِيَّةٍ تُهَدِّدُ جَوْدَةَ التَّعْليم، والاسْتِقْرارَ النَّفْسِيَّ لِلمُعَلِّم، والمُسْتَقْبَلَ الأَكاديمِيَّ لِلطَّلَبَة.. ما يَضَعُ عَلاماتِ اسْتِفْهامٍ حَوْلَ مصيرِ قطاعِ التعليمِ الفلسطينيِّ بِرُمَّتِه!.

(خاص "عروبة 22")

يتم التصفح الآن