في قلب الخليج، حيث تتقاطع خطوط النفط والمصالح الاستراتيجية الكبرى، ظهر الأسبوع الماضي الاحتكاك العسكري الأمريكي الإيراني الأول منذ حرب الاثني عشر يومًا، حيث أسقطت البحرية الأمريكية مسيرة إيرانية اقتربت لمسافة أكثر من اللازم. وهذه إشارة تحذير واضحة؛ فالتفاوض لم يعد سوى ستار زمني للاستعداد للمواجهة، بينما الحشد العسكري الأمريكي يجرى على قدم وساق ويمهد لمواجهة محتملة. المؤشرات على الأرض، من نشاط طائرات الشحن الاستراتيجي (سي-17) شبه اليومي، إلى تحرك حاملة طائرات ثالثة ومجموعاتها الضاربة نحو شرق المتوسط، تكشف أن إدارة ترامب تجاوزت مرحلة الضغط للتفاوض، باتجاه استكمال جاهزيتها للصدام المحتمل، بينما تظل القنوات الدبلوماسية مجرد غطاء لكسب الوقت.
تستكمل واشنطن حشدها العسكري وتعمل على سد الثغرات الدفاعية لتأمين قواتها، حيث تنشر منظومات دفاع جوي متعددة الطبقات، وتخزن ذخائر اعتراضية بعيدة المدى في قواعد بحرية وجوية في الخليج وشرق المتوسط. كما تزيد من قدراتها القتالية لتحاكي الحشد الذي بنته في حرب الاثنى عشر يومًا، وتحرك حاملة الطائرات "جورج بوش" من غرب المحيط الأطلسي ومجموعتها القتالية نحو مسرح العمليات في الشرق الأوسط، والتي من المتوقع أن ترسو قبالة الساحل الإسرائيلي. يعزز هذا التحرك سيناريو الاستعداد لخيارات هجومية أوسع، في تناقض واضح مع الخطاب السياسي الأمريكي الذي يدعو إلى التهدئة ويعطي إشارات باستمرار التفاوض ــ ظاهريًا ــ ويوافق على طلب إيران بنقل المفاوضات من تركيا إلى سلطنة عمان، وكأن لديه من المرونة ما يجعله يستجيب للوساطة التي تديرها بعض الدول العربية وأولها السعودية.
في المقابل، لم تقف طهران مكتوفة الأيدى. فقد أظهرت استعدادًا لاختبار قواعد الاشتباك الأمريكية، بما في ذلك استخدام طائرات مسيّرة من طراز شاهد 129 وشاهد 136 قرب سفن حربية أمريكية في بحر العرب وخليج عمان، في مهام استطلاع دقيقة لاختبار زمن الاستجابة وكفاءة منظومات الدفاع، وليس مجرد استعراض رمزي.
على الصعيد البحري، أفادت تقارير غربية بمحاصرة زوارق الحرس الثوري لناقلات نفط أمريكية قبل أن تتراجع إثر تدخل مدمرة أمريكية، في رسالة مزدوجة، توحي بالقدرة على مراقبة الإمدادات البحرية، مع التلويح بإمكانية تعطيل الملاحة في مضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو ربع صادرات النفط العالمية، في حال اندلاع مواجهة مفتوحة. هذا النهج يعكس ما يعرفه المحللون العسكريون بـ"العمليات الرمادية"، وهو اختصار لاستخدام أدوات الضغط غير المباشرة في محاولة لفرض معادلات الردع دون الانخراط في مواجهة مباشرة.
سياسيًا، الفجوة بين الطرفين تتسع بشكل كبير. واشنطن تصر على حزمة مطالب طبقا للرؤية الإسرائيلية، تشمل تفكيك مخزون اليورانيوم المخصب، ووقف التخصيب النووي، وتفكيك برنامج الصواريخ الباليستية، وإنهاء دعم الحلفاء الإقليميين، وحتى مراقبة السياسات الداخلية الإيرانية فيما يتعلق بالاحتجاجات الشعبية. وفي المقابل، تؤكد طهران أن أي تفاوض يجب أن يقتصر على الملف النووي فقط، برعاية عمانية، وترفض إدخال ملفات الصواريخ أو النفوذ الإقليمي ضمن جدول الأعمال، معتبرة أن هذه المطالب تشكل مساسًا بسيادتها وقدرتها على الردع. فى حين أكدت التصريحات الأمريكية اللاحقة غياب إطار تفاوضي متفق عليه، ورفض واشنطن ما يمكن أن يُعتَبر"اتفاقًا محدودًا"، مما يعزز احتمال أن الهدف الأمريكي يتجاوز منع امتلاك إيران للسلاح النووي إلى إعادة هندسة قوتها الإقليمية أو تقويض بنية النظام، وهو الهدف الأخطر.
في هذا السياق، يبدو أن رفع سقف المطالب الأمريكية يجعل الاتفاق شبه مستحيل، ويدفع الطرفين نحو مسار تصعيدي محتمل. وهذا النهج يعكس استراتيجية أمريكية متكررة، حيث الضغط العسكري والاقتصادي المتوازي لاستنزاف الخصم داخليًا، مع ترك خيار المواجهة مفتوحًا كعامل إرباك وضغط إضافي.
من الناحية العسكرية، تمتلك إيران ترسانة كبيرة من الصواريخ الباليستية والمجنحة والطائرات المسيّرة منخفضة التكلفة، في مقابل منظومات اعتراض أمريكية وإسرائيلية باهظة التكلفة ومحدودة العدد. هذا يضع الطرفين في سيناريو حرب استنزاف طويلة الأمد، حيث قد لا تؤدي الهجمات الصاروخية المكثفة إلى تحقيق انتصار سريع أو حاسم، لكنها قد تُعطل العمليات الأمريكية لفترات طويلة، مما يفرض كلفة استراتيجية وسياسية مرتفعة على واشنطن وحلفائها، حتى مع الحفاظ على التفوق العسكري الأمريكي.
على المستوى الإقليمي، تتعامل دول الخليج بحذر شديد. فهى تدرك أن أي مواجهة إيرانية أمريكية لن تبقى محدودة، وقد تستهدف البنية التحتية الحيوية، بما في ذلك حقول النفط والموانئ والمنشآت العسكرية، مع احتمال تعطيل الملاحة في مضيق هرمز، ما يترتب عليه تداعيات اقتصادية عالمية جسيمة. علما بأن الواقع الجغرافى يزيد من تعقيد الأمر، حيث القواعد الأمريكية موجودة فى الأراضي الخليجية، واستخدامها قد يتم رغم رفض أو تحفظ الدول المضيفة، ما يجعل إيران أمام تحدٍ مزدوج: الرد على الاستفزاز الأمريكي دون تحويل الصراع إلى مواجهة شاملة تستنزف كل الأطراف.
من هذا المنطلق، نفهم حرص دول الخليج على الاتصال بإيران، والتأكيد على أنها لا تسمح بمرور الطيران في سمائها واستهداف إيران. ولكن، ماذا لو كان أحد أهداف الولايات المتحدة جرّ الخليج إلى صدام مباشر مع إيران، لكي تتحمل أعباء وتكاليف الحرب؟ لا يزال موقف كلٍّ من روسيا والصين من تبعات المواجهة المحتملة فى الخليج غير محسوم بشكل قاطع، غير أن المؤشرات الراهنة توحي بأن البلدين لا ينظران إلى هذا النزاع بوصفه مدخلًا لمواجهة مباشرة، بل فرصة لتعقيد الاستراتيجيات الأمريكية واستثمار التحولات الجارية في النظام الدولي، مع التعويل على الدور الإيراني في هذا السياق. ومع ذلك، لا تشارك الصين وروسيا إيران موقفًا موحدًا في مواجهة واشنطن، إذ تُوصف العلاقة بينهم غالبًا بأنها تحالف تكتيكي قائم على تقاطع المصالح في مواجهة الضغوط الأمريكية والغربية، لا شراكة استراتيجية كاملة.
من هذا المنطلق، يمكن فهم تجديد الرئيسين شي جين بينج وفلاديمير بوتين تأكيدهما على تعزيز العلاقات الثنائية في ظل التوترات الدولية المتصاعدة، والدعوة إلى تعميق التعاون الاقتصادي، والدفاع عن التوازن العالمي في إطار القانون الدولي ونظام الأمم المتحدة. تظهر الترجمة العملية الأوضح لهذا التوافق في قطاع الطاقة، حيث تسعى بكين إلى تأمين مصادر طويلة الأمد بأسعار تنافسية كالتي تحصل عليها من إيران، وقد اتفقت مع موسكو على زيادة إمدادات الغاز، ما يفتح تساؤلات حول توقيت هذه الخطوات، وإمكانية ارتباطها بمخاطر تعطل إمدادات الخليج.
في ضوء هذه المعطيات، يبدو أن منطقة الخليج، والشرق الأوسط بشكل أوسع، مقبلان على مرحلة شديدة الهشاشة، حيث تتقاطع عدة عناصر هى: حشد عسكري أمريكي واسع، واستعداد إيراني لإدارة قواعد الاشتباك، وفجوة تفاوضية عميقة، وحذر إقليمي خليجي من الانجرار إلى حرب شاملة. السؤال المركزي لم يعد، هل ستندلع مواجهة؟ بل أصبح: من يمتلك القدرة على الصمود أطول في حرب استنزاف إقليمية، مع كلفة بشرية واقتصادية وعسكرية مرتفعة، في نظام دولي هش؟
(الشروق المصرية)

