اقتصاد ومال

العَرَبُ في عالَمٍ شَديدِ التَّقَلُّب!

بَيْنَما كُنْتُ أُتابِعُ أَداءَ عُمْلَةِ "بِيتْكويْن" المُشَفَّرَةِ على الشّاشاتِ خِلالَ الأَشْهُرِ الماضِيَة، بَدَتْ لي الخَسائِرُ المُتَراكِمَةُ مُنْعَطَفًا مَنْطِقِيًّا وَعادِلًا لِوَهْمِ الثَّراءِ السَّريع، أَكْثَرَ مِنْها تَقَلُّبًا عادِيًّا في أَصْلٍ مالِيٍّ عالي المَخاطِر.

العَرَبُ في عالَمٍ شَديدِ التَّقَلُّب!

مُنْذُ أُكْتوبَر/تِشْرين الأَوَّلِ الماضي فَقَدَتْ "بِيتْكويْن" ما يُناهِزُ 60–65% مِنْ قيمَتِها السّوقِيَّةِ عِنْدَ القاع، في مَسارٍ هُبوطِيٍّ لَمْ يَكُنْ مَعْزولًا عَنِ السّوقِ الأَوْسَعِ لِلْعُمْلاتِ المُشَفَّرَة، حَيْثُ تَبَخَّرَ قُرابَةُ تْريلْيونَيْ دولارٍ مِنْ إِجْماليِّ القيمَةِ السّوقِيَّةِ لِسوقِ الـ"كْريبْتو" خِلالَ هَذِهِ المَوْجَةِ التَّصْحيحِيَّةِ العَنيفَة. لَمْ تَكُنْ هَذِهِ الأَرْقامُ مُجَرَّدَ خَسائِرَ دَفْتَرِيَّة، بَلْ إِعادَةُ تَسْعيرٍ قاسِيَةٌ لِأُصولٍ بُنِيَتْ في جُزْءٍ مُعْتَبَرٍ مِنْها على المُضارَبَةِ المَحْضَة، وَعلى افْتِراضِ اسْتِمْرارِ السُّيولَةِ الرَّخيصَةِ في عالَمٍ تَغَيَّرَتْ قَواعِدُهُ بِشَكْلٍ دائِم.

لَمْ تَعُدْ تَقَلُّباتُ الأَسْواقِ العالَمِيَّةِ شَأْنًا فَنِّيًّا مَحْصورًا في غُرَفِ التَّداوُل، بَلْ تَحَوَّلَتْ إلى مُحَدِّدٍ مُباشِرٍ لِلاِسْتِقْرارِ الاقْتِصاديِّ وَالسِّياديِّ لِلدُّوَل، لا سِيَّما في عالَمٍ عَرَبِيٍّ تَتَقاطَعُ فيهِ هَشاشَةُ الهَياكِلِ الإِنْتاجِيَّةِ مَعَ الانْكِشافِ الخارِجِيّ، وَتَرَكُّزِ الدَّخْلِ في أَغْنى دُوَلِهِ في مَوْرِدٍ واحِدٍ هُوَ النَّفْطُ وَمُشْتَقّاتُه. وَيَزْدادُ هَذا التَّحَدّي حِدَّةً في ظِلِّ صُعودِ الحِمائِيَّةِ الجَديدَة، وَتَآكُلِ قَواعِدِ العَوْلَمَةِ التَّقْليديَّة، وَتَسارُعِ التَّحَوُّلِ المُناخيِّ الذي يَفْرِضُ كُلْفَةً مُتَصاعِدَةً على المُنْتَجِ العَرَبيِّ الأَهَمّ.

تنويع الاحتياطي لا يُغني عن بناء قدرة إنتاجية حقيقية لكنّه يُقلّل من هشاشة الميزان الخارجي

في هَذا السِّياق، تُصْبِحُ أَسْواقُ المَعادِنِ النَّفيسَةِ وَالعُمْلاتِ الرَّئيسِيَّةِ وَالعُمْلاتِ المُشَفَّرَةِ وَمُنْتَجاتِ الطّاقَةِ وَأَسْواقِ الأَسْهُمِ وَالدُّيون... مَسْرَحًا واحِدًا لاِخْتِبارِ قُدْرَةِ الاقْتِصاداتِ العَرَبِيَّةِ على إِدارَةِ المَخاطِر، لا تَعْظيمِ الأَرْباحِ قَصيرَةِ الأَجَل.

يَنْظُرُ الفِكْرُ الاِقْتِصادِيُّ الكْلاسيكِيُّ وَالحَديث، إلى الذَّهَبِ بِوَصْفِهِ أَدَاةَ تَحَوُّطٍ لا مُحَرِّكَ نُمُوّ. فَالذَّهَبُ لا يَخْلُقُ قيمَةً مُضافَة، لَكِنَّهُ يَحْفَظُها في أَزْمِنَةِ الاضْطِراب. وَمِنْ هَذا المُنْطَلَق، فَإِنَّ تَعامُلَ العَرَبِ مَعَ المَعادِنِ النَّفيسَةِ يَنْبَغي أَنْ يُعادَ ضَبْطُهُ مِنْ مَنْطِقِ المُضارَبَةِ إلى مَنْطِقِ إِدارَةِ الاحْتِياطِيّ.

وَتُؤَكِّدُ تَجارِبُ البُنوكِ المَرْكَزِيَّةِ الكُبْرى، كَما يَقْرَؤُها اقْتِصادِيّونَ مُعاصِرونَ مِثْلُ "باري آيْكِنْغْرين" (Barry Eichengreen)، أَنَّ تَنْوِيعَ الاحْتِياطيِّ ليشْمَلَ الذَّهَبَ لا يُغْني عَنْ بِناءِ قُدْرَةٍ إِنْتاجِيَّةٍ حَقيقِيَّة، لٰكِنَّهُ يُقَلِّلُ مِنْ هَشاشَةِ الميزانِ الخارِجيِّ في مُواجَهَةِ تَقَلُّباتِ الدّولارِ وَأَسْعارِ الفائِدَةِ العالَمِيَّة. وَالاقْتِصاداتُ العَرَبِيَّة، خاصَّةً غَيْرُ النَّفْطِيَّة، أَحْوَجُ ما تَكونُ إلى هَذا الدَّوْرِ التَّحَوُّطيِّ لا الاسْتِثْمارِيِّ لِلذَّهَب.

لا يمكن لاقتصاد نامٍ أو ريعي أن يتعامل مع العملات المُشفّرة كأداة استقرار أو ادّخار عام

وَيُعَلِّمُنا "روبِرْت ماندِل" (Robert Mundell)، صاحِبُ نَظَرِيَّةِ مَناطِقِ العُمْلَةِ المُثْلى، أَنَّ الاعْتِمادَ المُفْرِطَ على عُمْلَةٍ واحِدَةٍ يَخْلُقُ اخْتِلالاتٍ هَيْكَلِيَّةً إِذا لَمْ تُصاحِبْهُ مُرونَةٌ اقْتِصادِيَّةٌ كافِيَة. وَفي عالَمٍ يَتَّجِهُ إلى التَّكَتُّلاتِ النَّقْدِيَّة، تَبْدو الهَيْمَنَةُ المُطْلَقَةُ لِلدّولارِ أَقَلَّ اسْتِقْرارًا مِمّا كانَتْ عَلَيْه، مِنْ دونِ أَنْ يَعْنِيَ ذَلِكَ قُرْبَ أُفولِها.

التَّحَدّي العَرَبِيُّ هُنا مُزْدَوِج: فَمِنْ جِهَة، لا تَزالُ مُعْظَمُ الاقْتِصاداتِ العَرَبِيَّةِ مُقَيَّدَةً فِعْلِيًّا بِالدّولارِ عَبْرَ التِّجارَةِ وَالطّاقَةِ وَالدُّيون؛ وَمِنْ جِهَةٍ أُخْرى، فَإِنَّ التَّنْويعَ غَيْرَ المَدْروسِ نَحْوَ عُمْلاتٍ أُخْرى قَدْ يُضاعِفُ المَخاطِرَ عِوَضًا عَنْ تَقْليصِها. الرُّؤْيَةُ الرَّشيدَة، كَما توحي بِها مَدْرَسَةُ الاقْتِصادِ المُؤَسَّسِيّ، تَقومُ على تَنْويعٍ تَدْريجِيٍّ وَمَدْروسٍ لِلاحْتِياطِيّات، بِالتَّوازي مَعَ تَعْميقِ التِّجارَةِ البَيْنِيَّةِ العَرَبِيَّة، بِما يُخَفِّفُ الطَّلَبَ القَسْرِيَّ على العُمْلاتِ الأَجْنَبِيَّة.

أَمّا العُمْلاتُ المُشَفَّرَة (غَيْرُ المُسْتَقِرَّةِ طَبْعًا)، وَالتي بَشَّرَ بِها بَعْضُ مُنَظِّري الاقْتِصادِ التَّحَرُّريِّ كَبَديلٍ عَنِ الدَّوْلَة، فَتَكْشِفُ في أَزْمِنَةِ الأَزْماتِ عَنْ هَشاشَتِها البُنْيَوِيَّة. فَغِيابُ الجِهَةِ الضّامِنَة، وَتَطَرُّفُ التَّقَلُّبات، يَجْعَلانِها أَقْرَبَ إلى أَدَواتِ مُضارَبَةٍ وَنَموذَجِ "بونْزي" (Ponzi) مِنْها إلى نُقودٍ أَوْ أُصولٍ مُنْتِجَة.

الاقتصاد الذي لا يُحوّل ثروته الطبيعية إلى رأس مال بشري وصناعي يظلّ أسير تقلُّبات السوق العالمية

مِنْ مَنْظورٍ "كينِزيٍّ" حَديث (Keynesian economics)، لا يُمْكِنُ لِاقْتِصادٍ نامٍ أَوْ رَيعِيٍّ أَنْ يَتَعامَلَ مَعَ العُمْلاتِ المُشَفَّرَةِ كَأَداةِ اسْتِقْرارٍ أَوِ ادِّخارٍ عامّ. الخَطَرُ الحَقيقِيُّ لا يَكْمُنُ في التِّكْنولوجْيا ذاتِها، بَلْ في تَوَهُّمِ أَنَّها طَريقٌ مُخْتَصَرَةٌ لِلسِّيادَةِ النَّقْدِيَّة. التَّصَوُّرُ الأَكْثَرُ اتِّزانًا يَتَمَثَّلُ في اسْتيعابِ التِّكْنولوجْيا (تِقْنِيَّة بْلوكْتْشَيْن) داخِلَ أُطُرٍ تَنْظيمِيَّةٍ صارِمَةٍ، وَرَبْطِها بِالعُمْلاتِ الرَّقْمِيَّةِ لِلْبُنوكِ المَرْكَزِيَّة، لا تَرْكِها كَمَساحَةٍ فَوْضَوِيَّةٍ تَسْتَنْزِفُ المُدَّخَرات.

أَمّا عَنْ مُنْتَجاتِ الطّاقَة، فَلَطالَما شَكَّلَ النَّفْطُ العَمودَ الفِقْرِيَّ لِلاقْتِصادِ العَرَبِيّ، لٰكِنَّ الفِكْرَ الاقْتِصادِيَّ المُعاصِر، مِنْ جوزيف شومْبيتِر (Joseph Schumpeter) إلى وِلْيام نورْدْهاوْس (William Nordhaus)، يُذَكِّرُنا بِأَنَّ الميزَةَ النِّسْبِيَّةَ إِذا لَمْ تَتَجَدَّدْ تَتَحَوَّلُ إلى عِبْء. التَّغَيُّرُ المُناخِيّ، وَتَسْعيرُ الكَرْبون، وَالتَّحَوُّلُ نَحْوَ الطّاقَةِ النَّظيفَة، تَفْرِضُ جَميعُها ضُغوطًا مُتَزايِدَةً على نَموذَجِ الاعْتِمادِ الأُحاديِّ على النَّفْط. التَّحَدّي المَقْصودُ لا يَتَمَثَّلُ بِالضَّرورَةِ في تَراجُعِ الطَّلَبِ الفَوْرِيّ، بَلْ في تَقَلُّبِهِ وَعَدَمِ اليَقينِ المُتَزايِدِ حَوْلَه. هُنا تَبْرُزُ الحاجَةُ إلى اسْتِثْمارِ الفَوائِضِ النَّفْطِيَّةِ في بِناءِ قُدْراتٍ إِنْتاجِيَّةٍ جَديدَة، لا في تَعْظيمِ العائِدِ الرِّيعِيّ. فَالاقْتِصادُ الذي لا يُحَوِّلُ ثَرْوَتَهُ الطَّبيعِيَّةَ إلى رَأْسِ مالٍ بَشَرِيٍّ وَصِناعِيٍّ يَظَلُّ أَسيرَ تَقَلُّباتِ السّوقِ العالَمِيَّة.

الرهان العربي الأهمّ هو الانتقال إلى اقتصاد يُعيد توجيه ثروته نحو مستقبل أقلّ تقلّبًا وأكثر سيادة

وَبِالنِّسْبَةِ لِقَيْدِ الحِمائِيَّةِ الجَديدَةِ التي أَشَرْنا إِلَيْها في العَديدِ مِنَ المَقالات، فَتُؤَكِّدُ أُطْروحَاتُ "داني رودْريك" أَنَّ العَوْلَمَةَ المُفْرِطَةَ قَدْ خَلَقَتْ رَدَّ فِعْلٍ حِمائِيًّا يُعيدُ الاعْتِبارَ لِدَوْرِ الدَّوْلَة. هٰذا التَّحَوُّلُ لا يَعْني نِهايَةَ الأَسْواق، بَلْ نِهايَةَ سَذاجَةِ الاعْتِمادِ عَلَيْها وَحْدَها. بِالنِّسْبَةِ لِلْعَرَب، فَإِنَّ هَذا السِّياقَ يَفْتَحُ نافِذَةً لِإِعادَةِ التَّفْكيرِ في سِياساتٍ صِناعِيَّةٍ وَتِجارِيَّةٍ بَيْنِيَّةٍ نَشِطَة، تَحْمي المُنْتِجَ العَرَبِيَّ مِنْ دونِ الانْغِلاق، وَتَنْدَمِجُ في الإِقْليمِ مِنْ دونِ الخُضوعِ المُفْرِطِ لِلصَّدَماتِ المُسْتَوْرَدَة، إِذْ باتَ مِنَ الواضِحِ أَنَّ الدُّوَلَ العَرَبِيَّةَ تُعاني الآنَ ارْتِباكًا اقْتِصادِيًّا أَقَلَّ نِسْبِيًّا مِنْ نَظيرِهِ في الأَسْواقِ المُتَقَدِّمَة، وَالتي انْكَشَفَتْ بِشَكْلٍ أَكْبَرَ (بِحُكْمِ أَحْجامِها) على التَّحَوُّلاتِ الكُبْرى وَالخاصَّةِ بِفُقاعَةِ الذَّكاءِ الاصْطِناعِيّ، وَطَفَراتِ العُمْلاتِ المُشَفَّرَة، وَنَهَمِ المَعادِنِ النَّفيسَة، وَارْتِباكِ سَلاسِلِ التَّوْريد، وَتَضَخُّمِ أَسْواقِ الدَّيْنِ وَمُشْتَقّاتِه...

تَعامُلُ العَرَبِ مَعَ تَقَلُّباتِ المَعادِنِ وَالعُمْلاتِ "الكْريبْتو" وَالطّاقَةِ لا يَنْبَغي أَنْ يَنْحَصِرَ بِرَدِّ الفِعْل، بَلْ لا بُدَّ أَنْ يَكونَ جُزْءًا مِنْ رُؤْيَةٍ كُلِّيَّةٍ لِإِعادَةِ بِناءِ النَّموذَجِ الاقْتِصادِيّ. فَكَما عَلَّمَنا "جون مينارْد كينْز" (John Maynard Keynes)، لَيْسَتِ المُشْكِلَةُ في عَدَمِ القُدْرَةِ على التَّنَبُّؤِ بِالمُسْتَقْبَل، بَلْ في وَهْمِ السَّيْطَرَةِ عَلَيْهِ مِنْ دونِ أَدَواتٍ حَقِيقِيَّة. وَالرِّهانُ العَرَبِيُّ الأَهَمُّ اليَوْمَ هُوَ الاِنْتِقالُ مِن اقْتِصادٍ يَتَأَثَّرُ بِالأَسْواق، إلى اقْتِصادٍ يَفْهَمُها، وَيَتَحَصَّنُ ضِدَّ صَدَماتِها، وَيُعيدُ تَوْجيهَ ثَرْوَتِهِ نَحْوَ مُسْتَقْبَلٍ أَقَلَّ تَقَلُّبًا وَأَكْثَرَ سِيادَة.

(خاص "عروبة 22")

يتم التصفح الآن