يعكس توقيع العقود الاستثمارية الاستراتيجية بين شركات سعودية وجهات حكومية سورية تحولاً سياسياً واقتصادياً مدروساً في مقاربة المملكة العربية السعودية للبيئة الإقليمية، وفي إدارتها لمسارات التأثير الناعم طويل المدى في المشرق العربي. فالزيارة الرسمية التي قادها وزير الاستثمار السعودي إلى دمشق في هذا التوقيت بالذات لا يمكن قراءتها باعتبارها خطوة اقتصادية منفصلة عن السياق الجيوسياسي العام، بل تمثل جزءاً من رؤية شاملة لإعادة بناء شبكات الاستقرار في الإقليم عبر أدوات التنمية والاستثمار وإعادة دمج الاقتصادات المتأثرة بالأزمات في منظومات التعاون الإقليمي.
وإن اختيار قطاعات الطيران والاتصالات والبنية التحتية والمبادرات التنموية يعكس إدراكاً سعودياً عميقاً بأن إعادة تنشيط الدولة السورية اقتصادياً تمر أولاً عبر إعادة ربطها لوجستياً وتقنياً بالمنطقة، ثم عبر استعادة قدرتها على تقديم الخدمات الأساسية وبناء بيئة مؤسسية قادرة على جذب استثمارات لاحقة من أطراف إقليمية ودولية. وتأتي هذه الخطوة في إطار جهود المملكة بقيادة ولي العهد رئيس مجلس الوزراء صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان التي تقوم على إعادة تعريف دور السعودية في الإقليم من دولة تركز على إدارة التوازنات السياسية إلى دولة تصنع التوازنات من خلال التنمية والاستثمار وبناء الاعتماد المتبادل الاقتصادي.
فالمقاربة السعودية الجديدة لا تنطلق من منطق المكاسب السريعة أو الصفقات المحدودة، بل من تصور استراتيجي يعتبر أن الاستقرار الإقليمي المستدام لا يمكن تحقيقه دون إدماج الدول الخارجة من النزاعات في مسارات نمو حقيقية تخلق وظائف، وتعيد بناء الثقة بين الدولة والمجتمع وتقلص الفراغات التي تستثمرها القوى المتطرفة والشبكات غير النظامية.
ومن هذا المنطلق، يصبح الاستثمار في البنية التحتية والاتصالات والطيران استثمارا في إعادة بناء السيادة الاقتصادية السورية وفي تمكين الدولة من استعادة أدواتها الوظيفية وليس مجرد ضخ رؤوس أموال في مشاريع معزولة. وفي هذا السياق تتكامل هذه المقاربة مع الجهود التي يقودها رئيس الجمهورية العربية السورية الرئيس أحمد الشرع في إعادة توجيه سياسات الدولة السورية نحو أولوية التعافي الاقتصادي وإعادة تفعيل مؤسسات الدولة وتعزيز كفاءة الإدارة العامة وتهيئة البيئة التشريعية والتنظيمية الجاذبة للاستثمار العربي والدولي.
ويبرز تقاطع واضح بين رؤية ولي العهد الأمير محمد بن سلمان القائمة على صناعة الاستقرار عبر التنمية وبناء شبكات المصالح الاقتصادية الإقليمية، وبين توجهات الرئيس أحمد الشرع الرامية إلى استعادة الدور الاقتصادي للدولة السورية وترسيخ مسار انفتاح عربي متوازن يعيد لسوريا موقعها الطبيعي داخل محيطها العربي. ويشكل هذا التقاطع بين القيادتين الإطار السياسي العميق الذي يمنح الاتفاقيات الموقعة بعدها الاستراتيجي الحقيقي ويحولها من عقود استثمارية إلى رافعة لإعادة بناء الثقة العربية وإعادة إدماج سوريا في منظومة العمل الاقتصادي الإقليمي.
وعلى المستوى السياسي الأعمق، تمثل هذه الاتفاقيات رسالة إقليمية واضحة بأن المملكة باتت تمارس دوراً محورياً في إعادة صياغة معادلات الانفتاح العربي على سوريا ضمن إطار عربي مستقل يراعي المصالح الجماعية ويقلل من مستويات الارتهان لمحاور خارجية متنافسة على الساحة السورية.
فالحضور السعودي في دمشق عبر بوابة الاقتصاد يمنح الرياض موقعاً متقدماً في التأثير على مسار إعادة الإعمار وعلى شكل الشراكات المستقبلية وعلى معايير الحوكمة والاستثمار التي ستُبنى عليها المرحلة القادمة التي تطمئن الدول الأخرى بالاستثمار في سوريا. كما يفتح المجال أمام بلورة نموذج تعاون عربي عربي قادر على خلق بدائل عملية عن مسارات الإعمار المشروطة سياسياً من أطراف دولية مختلفة، وهو ما يعزز هامش القرار الإقليمي المستقل ويعيد التوازن إلى معادلة النفوذ داخل سوريا.
ومن زاوية استراتيجية بعيدة المدى يمكن قراءة هذه الخطوة باعتبارها امتداداً عضوياً لرؤية المملكة 2030 التي لم تعد مشروعاً داخلياً محصوراً داخل الحدود السعودية بل تحولت إلى منصة إقليمية لإعادة هندسة شبكات الاقتصاد والاستثمار في المنطقة. فتمكين الشركات السعودية من التوسع في الأسواق المجاورة وبناء شراكات سيادية وتنموية مع حكومات المنطقة يعزز من مكانة الاقتصاد السعودي كمحرك للنمو الإقليمي ويربط الاستقرار الاقتصادي لدول الجوار بدرجة أعلى من التكامل مع السوق السعودية ومع منظومة المشاريع العابرة للحدود.
وفي الحالة السورية تحديداً، فإن إعادة إدخالها في مسارات التنمية عبر شراكات سعودية منظمة يسهم في تقليص مخاطر عودة عدم الاستقرار ويمنح المملكة أدوات تأثير ناعمة طويلة الأجل تتجاوز الحسابات الدبلوماسية التقليدية نحو صناعة واقع اقتصادي جديد يكون أكثر قابلية للاستدامة وأكثر انسجاماً مع مشروع نهضة عربية تقوده الرياض برؤية سياسية هادئة وعميقة تعيد ترتيب الأولويات من منطق الصراع إلى منطق البناء لمصلحة دول المنطقة وشعوبها.
(الثورة السورية)

