صحافة

"المشهد اليوم"... طهران "بَيْنَ نارَيْن" وترامب يُحَذِّرُها مِن "أمرٍ مُؤْلِم"!الخروقاتُ الإسرائيليةُ مُستَمِرَّةٌ في غَزَّةَ ولبنان.. والجيشُ السوريُّ يَتَسَلَّمُ قاعِدَةَ "التَّنَف" مِن القواتِ الأميركية


أكدت زيارة رئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى البيت الأبيض واللقاءات التي عقدها، لاسيما مع الرئيس الأميركي دونالد ترامب، مدى التنسيق بين البلدين حول معظم الملفات والقضايا ذات الاهتمام المشترك وأهمها ما يتعلق بإيران، بظل مساعي تبذلها تل أبيب من أجل سلك طريق التشدّد مع طهران خلال المفاوضات الجارية وعدم التهاون معها وتجريدها من "أوراق قوتها" أو في حال فشل ذلك فهي تدعو وتشجع على الخيار العسكري، الذي تضعه في سلّم أولوياتها. بينما تتمسك واشنطن - حتى اللحظة- بالمسار الدبلوماسي والتوصل لإتفاق، لكنها تضع شروطًا صعبة من جهة وتواصلها تعزيزاتها العسكرية في منطقة الشرق الأوسط من جهة ثانية.

وعليه يمكن القول إن زيارة نتنياهو تعكس مخاوفه وقلقه من "مباحثات مسقط" ويُشك في قدرتها على تحقيق الأهداف والتطلعات الإسرائيلية، التي تشمل تقييد أو إنهاء برنامج الصواريخ الباليستية الإيرانية، ووقف دعم طهران لحلفائها الإقليميين المناهضين لإسرائيل، وبالطبع وقف أنشطة التخصيب النووي. إلا ان تصريحات ترامب بعد اللقاء مع رئيس الوزراء الاسرائيلي والتي لفت فيها إلى "عدم الحسم" في هذا الملف، تؤكد أن نتنياهو عاد "خالي الوفاض" دون تحقيق مكاسب حاسمة بإنتظار ما ستؤول اليه الأمور مع تمني بأن تشكل الشروط الموضوعة فرصة للعرقلة وبالتالي فشل أي تقارب أميركي – إيراني. هذا ولم يرشح عن لقاء الرجلين تفاصيل كثيرة حتى أن صحيفة "إسرائيل هيوم" وصفت لقاء الأربعاء بأنه "الأكثر غرابة"، نظرًا لغياب المظاهر الاحتفالية والزخم الإعلامي المعتاد. كما أنها لفتت إلى أن الزيارة نفسها جاءت قصيرة وعملية إلى حد لافت، فقد أمضى نتنياهو أقل من 30 ساعة على الأراضي الأميركية، في رحلة تُعد الأقصر له على الإطلاق.

ولكن هذه "البرودة" لا تعكس حقيقة العلاقة بين الرجلين، خاصة أن نتنياهو عقد سبع لقاءات مع ترامب منذ كانون الأول/يناير 2025، وهو رقم قياسي، في وقت عكست التصريحات الأخيرة للرئيس الأميركي إشارات متبانية، حيث جمعت بين الحديث عن إمكان التوصل إلى اتفاق مع طهران والتلويح بالخيار العسكري. وقال "علينا التوصل إلى اتفاق، وإلا فسيكون الأمر مؤلمًا جدًا بالنسبة إلى إيران... لا أريد أن يحصل ذلك، لكن علينا التوصل إلى اتفاق". أما نتنياهو فقد بدا واضحًا بأنه وضع المطالب الاسرائيلية على طاولة واشنطن، حين أشار إلى أن المفاوضات مع طهران "يجب أن تشمل القضايا المهمة لنا وألا يقتصر على الملف النووي"، مؤكدًا أن الشروط التي وضعها الرئيس الأميركي "ربما توفر الظروف للتوصل إلى اتفاق جيد" مع إيران، بحسب تعبيره. ولكن هذا "السقف العالي" جدًا من المطالب لا يزال موضع رفض تام من قبل نظام المرشد الإيراني الذي يضع "خطوطًا حمر" واضحة ويرفض تقديم تنازلات "سخية".

في موازاة ذلك، كرّر الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان إتهامه لكل من ترامب ونتنياهو بالتحريض على الأحداث الأخيرة، منبهًا إلى أن "أعداء البلاد" أغلقوا جميع الطرق ويمنعون إنجاز الصفقات. كما دعا المواطنين إلى العمل على تضميد "الجراح" بعد الاضطرابات الدموية التي شهدتها البلاد "وعدم تعميقها لتصل إلى حد العدوى". وتضع طهران كامل المسؤولية على عاتق الأطراف الخارجية في تزكية الاحتقان وقيادة الشارع "الغاضب" مع تشديد قبضتها الأمنية والقضائية على شخصيات محسوبة على "التيار الإصلاحي" أو قريبة من بيئته، في إطار مخاوف من عودة التظاهرات خاصة أن "النار لم تنطفىء بعد"، بظل الأحاديث المتداولة عن أعداد القتلى والمعتقلين وأساليب القمع والترهيب التي مارستها السلطات بحق المتظاهرين وعائلتهم. وفي هذا الإطار، نفى وزير الخارجية عباس عراقجي صحة تقارير تحدثت عن تنفيذ سلطات بلاده "آلاف الإعدامات" بحق معتقلين على خلفية الاحتجاجات الأخيرة، ووصفها بأنها "حملات تضليل وتشويه" تقودها وسائل إعلام إسرائيلية، مشيرًا في الوقت ذاته إلى أن "أكثر من ألفي سجين شملتهم قرارات العفو" بمناسبة الذكرى السنوية لانتصار الثورة الإيرانية.

وبالتزامن مع المواقف الصادرة من كل حدب وصوب، حذّرت موسكو على لسان نائب وزير الخارجية سيرغي ريابكوف من أن خيار العملية العسكرية الأميركية ضد إيران لا يزال مطروحًا. وقالت إن "الوضع في الشرق الأوسط، حيث نشر الأميركيون أعدادًا كبيرة من أنظمة هجومية، ويصعّدون الضغط يوميًا، ويهددون باستخدام القوة وسط محاولات مستمرة لزعزعة الاستقرار السياسي في إيران، يثير بعض القلق". أما وزير الخارجية التركي هاكان فيدان – الذي تضطلع بلاده بدور محوري – فأشار إلى أن واشنطن وطهران تظهران استعدادًا لقدر من المرونة في سبيل التوصل إلى اتفاق نووي، لافتًا إلى أن واشنطن تبدو "مستعدة" لتقبّل تخصيب إيراني "ضمن حدود محددة بوضوح". إلى جانب ذلك، نبه من أن توسيع المفاوضات لتشمل برنامج الصواريخ الباليستية الإيراني "لن يؤدي إلا إلى حرب أخرى...ولكن الإصرار على معالجة كل الملفات دفعة واحدة قد يعرقل حتى المسار النووي"، في إشارة واضحة إلى مطالب نتنياهو ومحاولة وضع "العصي في الدواليب". يُشار إلى أن صحيفة "جيروزاليم بوست" الإسرائيلية كشفت أن صور أقمار صناعية أُخذت حديثًا للمنشأة النووية الإيرانية "نطنز" تُظهر مساعي حثيثة لتحصينها ضد هجوم جوي أميركي أو إسرائيلي مُحتمل.

والسباق الحاصل اليوم بين الدبلوماسية والتصعيد العسكري يضع المنطقة برمتها في حالة من الانتظار لما ستؤول اليه الأمور، خاصة أن كل طرف يبدو متمسكًا بشروطه لكن دون إعدام فرص الحوار. ومن طهران حتى بغداد فبيروت وغزة ومسار الأمور يشهد على محاولات اسرائيلية واضحة برضى أميركي لإعادة رسم خريطة التوازانات في المنطقة بما يتلاءم مع مصالح تل أبيب "ومطالبها الأمنية". وضمن هذا الإطار، يبرز الملف العراقي الذي يشهد تعقيدات داخلية كبيرة تحول دون اختيار رئيس للجمهورية كما شخصية مناسبة لرئاسة الحكومة بعد "الفيتو الأميركي" على رئيس الوزراء الأسبق نوري المالكي مما أعاد خلط الأوراق وأدخل البلاد في حالة من المراوحة. وهذه التطورات تضع العراق مجددًا في قلب التجاذب الأميركي - الإيراني، في مرحلة حساسة تتعلق بتشكيل السلطة التنفيذية حيث تريد واشنطن اضعاف نفوذ إيران و"كف يدها" وبالتالي إضعاف حلفائها والشخصيات المحسوبة عليها. وكان رئيس الوزراء الحالي محمد شياع السوداني قام بجهود من أجل التقارب مع واشنطن ولكن دون قطع العلاقة مع طهران، الساعية للحفاظ على دورها الإقليمي، وبرز ذلك تحديدًا في ملف نقل سجناء تنظيم "داعش" من سوريا إلى العراق لإعادة محاكمتهم، فيما تشهد الاستراتيجية الأميركية تغييرًا واضحًا.

في الأثناء، ذكرت وزارة ​الدفاع السورية، أمس، أن وحدات من الجيش تسلمت قاعدة التنف ‌العسكرية بعد مغادرة ‌القوات ​الأميركية. ولا يمكن فصل خطوة تسليم الولايات المتحدة لهذه القاعدة الاستراتيجية عن التحولات العميقة التي تشهدها دمشق والمنطقة، وهو ما يفتح الباب واسعًا أمام تساؤلات تتجاوز البعد العسكري إلى دلالات النفوذ وتوازنات القوة. وهذا التطور اللافت جاء بعد الاتفاق الذي توسطت فيه واشنطن لدمج "قوات سوريا الديمقراطية" (قسد) في المؤسسات السورية المركزية، ما أسهم في التخفيف من حالة الاحتقان والتوتر التي وصلت حد المعارك العنيفة. في إطار آخر، يحاول لبنان مواكبة التغيرات في سوريا من خلال الاعلان عن بدء علاقات جديدة قائمة على الاحترام المتبادل والتعاون الوثيق في الملفات المشتركة، خاصة أن البلاد لا تريد "نكأ" جرح الماضي كما الابتعاد عن القضايا الخلافية، خاصة أن هناك ملفات أخرى تضغط على الحكومة اللبنانية ومنها الاعتداءات الاسرائيلية وبدء مشاريع إعادة الإعمار كما تسليح الجيش اللبناني.

ولا يتوقف الاحتلال عن انتهاك اتفاق وقف النار، إذ استهدفت مُسيّرة إسرائيليّة سيارة في بلدة الطيري جنوبي لبنان ما أسفر عن مقتل شخص. وفي سياق متصل، أفادت "القناة 12" الإسرائيليّة بأن عشرات النشطاء من حركة "أوري تسافون" أقدموا على عبور السياج الحدودي في منطقة بلدة يارون، حيث نفذوا أعمال تشجير داخل الأراضي اللبنانية، مطالبين باستئناف الاستيطان اليهودي في لبنان، إما بذريعة ما يصفونه بـ"التصحيح التاريخي"، أو تحت عنوان الدفاع عن سكان الشمال. من جانبها، أفادت المتحدثة باسم الجيش الإسرائيلي بأنه تم "إيقاف المشتبه بهم، وإعادتهم إلى داخل أراضي دولة إسرائيل، قبل تحويلهما لمتابعة الإجراءات لدى الشرطة". الخروقات الاسرائيلية المتواصلة في لبنان تسير في مسارٍ موازٍ لما يجري في قطاع غزة حيث تستمر قوات العدو بشنّ ضربات وغارات تحت ذرائع وحجج واهية. وأمس استشهد فلسطيني وأصيب 10 آخرون برصاص قوات الاحتلال خارج مناطق انتشارها وسط قطاع غزة، فيما يواصل الأهالي والدفاع المدني البحث بين الأنقاض عن رفات الذين قضوا خلال حرب الإبادة التي استمرت لمدة عامين ولم يتمكنوا حينها من العثور عليهم ودفنهم.

ومع اقتراب الاجتماع الأول لمجلس السلام الذي ‌دشنّه الرئيس الأميركي، والمُقرّر عقده في الولايات المتحدة يوم 19 شباط/فبراير الجاري، أكدت دول عدة حضورها في حين امتنعت أخرى. وقال مسؤولون أميركيون لوكالة "رويترز" إن من المتوقع حضور وفود من 20 دولة على الأقل، بما في ذلك عدد من الرؤساء، خاصة أن هذا الاجتماع سيتضمن أيضًا مؤتمرًا للمانحين مُخصصًا لإعادة إعمار قطاع غزة. أما نتنياهو، المتهم بكل الجرائم والذي يواجه محاكمات لتهم فساد ورشاوى، فإنه يتلطى خلف ترامب من أجل الحصول على عفو عام. وكرّر ترامب في الساعات الماضية مطالبته بذلك، مهاجمًا الرئيس الإسرائيلي إسحق هرتسوغ بقوله إنه يجب أن "يخجل من نفسه" لعدم منحه العفو. وتعقيبًا على هذه التصريحات، أصدر مكتب الرئيس الإسرائيلي بيانًا قال فيه إن العفو قيد المراجعة، وهرتسوغ سينظر في الطلب دون أي تأثير من ضغوط خارجية أو داخلية.

وإليكم ما ورد في الصحف العربية الصادرة اليوم:

أشارت صحيفة "الخليج" الإماراتية إلى أن "الدول العربية شعرت بأن الولايات المتحدة غير جادة في ما التزمت به في أيلول/سبتمبر الماضي خلال بحث خطة ترامب مع قادة الدول العربية والإسلامية في نيويورك، وهي تتهرب من تحمّل مسؤولياتها في منع عمليات الضم، لذلك وجه الاجتماع الطارئ للجامعة العربية دعوة مباشرة إلى الرئيس الأمريكي ترامب إلى الوفاء بتعهده". وأضافت "دعوة ترامب إلى الوفاء بتعهداته تعني أن الدول العربية بدأت تشك في مصداقية ما التزم به، وكأن ما أعلنه في هذا الصدد كان مجرد كلام للاستهلاك من أجل تمرير خطته التي لم تستكمل أهدافها بعد، ولم يتم تطبيق مراحلها، لا الأولى ولا الثانية، بسبب ما تمارسه إسرائيل من محاولات للتملص من تنفيذها من خلال مواصلة الاعتداءات والحصار ووضع المزيد من الشروط".

أما صحيفة "الأهرام" المصرية، فأكدت أن "الأمة العربية لم تكن في حاجة إلى التضامن العربي الحقيقي، بقدر ما تحتاجه الآن؛ في ظل مرحلة غاية في الدقة يمر بها إقليم الشرق الأوسط ، وفي القلب منه العالم العربي، تفرض الظروف العصيبة، التي تمر بها المنطقة، السعي بكل أمانة للتحرك لمواجهة التحديات الصعبة، بجهود جبارة، من أجل العمل على تجنيب المنطقة أي تصعيد تطول تداعياته الجميع"، مشددة على "أننا لم نعد نملك المزيد من الوقت لنضيعه؛ ولا بد من حراك سريع قبل فوات الأوان؛ وتوحيد الصفوف وتضييق الفجوات، وتقليل الخلافات إلى الحد الأدنى؛ للخروج من "النفق المظلم" الذى تمر به المنطقة بأقصى سرعة ممكنة"، بحسب تعبيرها.

بدورها، لفتت صحيفة "اللواء" اللبنانية إلى أن زيارة رئيس الحكومة نواف سلام إلى الجنوب نهاية الأسبوع الماضي "شكلت رسالة واضحة ذات بعدين، داخلي وخارجي. أولًا، التأكيد أن الجنوب، أرضًا وشعبًا، عاد إلى حضن الدولة، بوصفها الضامن الأول والأخير لإعادة الإعمار. وثانيًا، وضع حجر الأساس لحصرية السلاح بيد الشرعية، عبر سعي الدولة إلى تولّي إدارة حاجات الجنوب وأهله، واستعادة قرارَي الحرب والسلم ضمن مؤسساتها الدستورية"، مشددة على أن "عودة السيادة تحت مظلة الشرعية تعني تحرير لبنان من سياسة المحاور وما تحمله من مخاطر وجودية على كيانه، واستبدال منطق الصراعات بأولويات الإنماء والاستقرار والتطور الاقتصادي والاجتماعي في مختلف مناطقه".

(رصد "عروبة 22")
?

برأيك، ما هو العامل الأكثر تأثيرًا في تردي الواقع العربي؟





الإجابة على السؤال

يتم التصفح الآن