مأزق المعارضة في إيران

يوماً بعد يوم أخذت تطورات وتداعيات الأزمة الأمريكية الإيرانية الراهنة تدفع بجماعات المعارضة الإيرانية، وخاصة التيار المعروف بـ"المعارضة الإصلاحية" التي ظلت، منذ تأسيس الجمهورية الإسلامية، طرفاً ثانياً في "معادلة الحكم الإيرانية" الجديدة مع التيار الآخر المعروف بـ"المحافظين" أو "الأصوليين"، خاصة بعد دخول أطراف من قادة الإصلاحيين، وبالتحديد "جبهة الإصلاحات" حزب "اتحاد ملت إيران" (الاتحاد الوطني الإيراني)، في الصراع الواسع الذي تفجر ضد النظام، ابتداء من 28 ديسمبر/ كانون الأول الفائت.

عندما اندلعت تظاهرات تطالب بتحسين الأوضاع المعيشية، مدعومة من رجال البازار الذين تضرروا كثيراً من انهيار العملة الإيرانية، نتيجة للضغوط والعقوبات الاقتصادية الأمريكية، والتي سرعان ما تحولت إلى احتجاجات دموية عنيفة، وصدامات مع قوات الأمن، وتحولت من المطالب المعيشية، والاجتماعية إلى مطالب سياسية غير معتادة، وصلت إلى درجة المطالبة بإسقاط النظام، ووصلت ذروتها يومي 8 و9 يناير/ كانون الثاني الفائت، واقترنت بتدخلات وتهديدات خارجية، وصلت إلى مطالبة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب المتظاهرين باحتلال المؤسسات الحكومية، وأن يكونوا على ثقة بأن الدعم الخارجي الذي يطالبون به سيأتيهم في أسرع وقت.

منذ تلك الأحداث وما تلاها من تصعيد في الأزمة الأمريكية مع إيران، والتهديد بـ"خيار الحرب"، إن لم تستجب القيادة الإيرانية للمطالب الأمريكية، التي وضعت إيران بين خيارين أسوأ من بعضهما. إما إسقاط النظام والمجيء بنظام آخر بديل يكون صديقاً للولايات المتحدة، وينفذ كل المطالب الأمريكية، وإما أن يقبل النظام بكل الشروط والمطالب الأمريكية، وعندها سيفقد كل شرعيته، ويتحول إلى "دُمية أمريكية".

في ظل كل تلك الظروف، كان النظام يركز على توصيف تلك الاحتجاجات والتظاهرات، بأنها "مؤامرة خارجية" من الولايات المتحدة وإسرائيل، وأن من فجروا الأحداث وقتلوا رجال الأمن كانوا من العملاء والجواسيس، ولم تكن هناك أية إشارة إلى أن هناك فصيلاً وطنياً يدعم ويؤيد تلك المطالب السياسية للمتظاهرين، بل ويؤكد أنه طرف فيها، وأن رواية النظام عن "المؤامرة الخارجية" رواية مزيفة، على نحو ما ورد على لسان "على شكوري راد" الرئيس السابق لجبهة الإصلاحات، والبرلماني السابق الذي اتهم القوات الأمنية بـ"افتعال القتل" و"إحراق المساجد" خلال الاحتجاجات، معرباً عن رفضه الرواية الرسمية التي تتهم الموساد وفِرَق عمليات خارجية، وزاد على ذلك بكشف بعض الأفكار والمطالب التي كانت قد طرحت في المؤتمر الأخير، الذي عُقد بعد تلك الأحداث لحزب "اتحاد ملت إيران"، خاصة ذلك الاقتراح الذي يطالب المرشد الإيراني على خامنئي لمعالجة الأوضاع الراهنة "بتفويض جزء من صلاحياته إلى الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان".

و"زاد الطين بلة" ذلك المقترح الذي كان قد طرحه الزعيم الإصلاحي "مير حسين موسوي" الذي كان قد تزعم مع زميله الشيخ مهدي كروبي ما عُرف بـ"الثورة الخضراء" عام 2009. فقد طالب موسوي 1/29/ 2026 بـ"تغيير سياسي" عبر استفتاء دستوري شامل ومن دون أي تدخل خارجي. هذا التطور الجديد والخطير من جانب قادة مرموقين محسوبين على التيار الإصلاحي، دفع بالسلطات الأمنية والقضائية إلى توقيف واعتقال عدد كبير من هؤلاء القادة يومي الأحد والاثنين الماضيين (8و2026/1/9)، من أبرزهم آذار منصوري رئيسة "جبهة الإصلاحات" والأمينة العامة لحزب "اتحاد ملت إيران"، إلى جانب إبراهيم أصغر زادة النائب الأسبق، ومحسن أمين زادة نائب وزير الخارجية في حكومة الرئيس محمد خاتمي، وجواد إمام المتحدث باسم "جبهة الإصلاحات"، وحسين كروبي نجل مهدي كروبي (رئيس مجلس الشورى الأسبق)، وعلى شكوري راد عضو اللجنة المركزية لحزب "اتحاد ملت إيران"، كما تم استدعاء محسن أمين وفرج كيمجاني عضوي اللجنة المركزية لجبهة الإصلاحات، وقربان بهازاديان نجاد مستشار مير حسين موسوي ورئيس حملته الانتخابية في عام 2009.

الاتهامات الموجهة لهؤلاء حسب وكالة "فارس" التابعة "للحرس الثوري"، تشمل استهداف التماسك الوطني، واتخاذ مواقف مناوئة للدستور، والتناغم مع دعاية العدو، والترويج لنهج الاستسلام، وإنشاء آليات تخريبية سرية. هذه الاعتقالات ليست هي أسوأ ما في الموقف، فإذا كانت اتهامات بعض القادة الإصلاحيين تتناغم مع الدعاية الأجنبية الأمريكية والإسرائيلية، فالأخطر أنها تُسقط مصداقية المنطق الوطني لفهم وتفسيرات أحداث الشغب والاحتجاجات.

وهذا بدوره يُضعف قوة المفاوض الدبلوماسي الإيراني من ناحية، ويوحي بانقسام واستقطاب وطني شديد الخطورة، من شأنه أن يعيد توصيف معادلة الحكم، التي كانت تضع كل من الإصلاحيين والأصوليين المحافظين في بوتقة واحدة، باعتبارهما جناحي السلطة، ويتناوبان الحكم، إلى إخراج الإصلاحيين من هذه المعادلة، والتعامل معهم كأعداء للنظام، مثلهم مثل الموالين لحكم الشاه السابق، وجماعة "مجاهدي خلق" وغيرهم، ومن ثم تفرد الأصوليين والمحافظين بالسلطة، باعتبارهما التيار الوحيد، الذي يمثل نظام الجمهورية الإسلامية، في تطور غير مسبوق منذ تأسيس هذا النظام عام 1979.

(الخليج الإماراتية)
?

برأيك، ما هو العامل الأكثر تأثيرًا في تردي الواقع العربي؟





الإجابة على السؤال

يتم التصفح الآن