كانت الصين تنأى بنفسها عن أي صراعات خارجية لعقود، ظلت خلالها في بناء قدراتها الاقتصادية دون ضجيج، ولم تكن تهتم إلا باستعادة أراضيها التاريخية، التي ترى أن الدول الاستعمارية قد انتزعتها فيما تسميه "قرن الإذلال"، وكانت تفضل استعادتها بالطرق السلمية، ونجحت في ضم هونج كونج على أساس "دولة واحدة بنظامين"، وسعت لتكرار ذلك مع تايوان. فما الذي تغير لتدخل علانية وبقوة حلبة القتال من أجل إيران؟.
لا أعتقد أن الدافع الرئيسي يتعلق بوارداتها من النفط الإيراني، فالسوق واسعة، بل يمكنها استيراد نفط إيران سواء بقي النظام أو تغير، خاصة أنها توسعت في إنتاج الطاقة النظيفة، وأصبحت أكبر المنتجين، ولديها أيضا البترول الروسي، الذي يمكن أن تتوسع في استيراده عبر ممر قوة سيبيريا، الآمن تماما.. الأمر أخطر من مسألة وارداتها من الطاقة، إنها تتعلق بالنهج الأمريكي الجديد، والذي أعلنه الرئيس الأمريكي ترامب بعدم الاعتراف بالقوانين الدولية، وتسمية وزارة الدفاع الأمريكية "وزارة الحرب"، ورفع الموازنة العسكرية الأمريكية من 950 مليار دولار إلى تريليون ونصف التريليون دولار، ومهاجمة فنزويلا، والسعي لضم غرينلاند وكندا.
هذا النهج الأمريكي نحو الهيمنة على العالم بالقوة العسكرية مع الضغوط الاقتصادية والسياسية وتهديد ممرات الملاحة والتجارة هو ما حرك الصين بتلك السرعة والقوة والعلانية. رأت الصين أن الحرب تستهدفها بالدرجة الأولى، لأن الولايات المتحدة تراها التهديد الأول لعرش الهيمنة الأمريكية، وهذا ما سبق أن أعلنته الإدارات السابقة، لكنها لم تكن قد شرعت في تحركات باستخدام القوة بهذا الشكل السافر والواسع، واكتفت بتحريض تايوان على الاستقلال، وتزويدها بصفقات سلاح كبيرة، وهو ما دفع الصين لرفع موازنتها العسكرية التي كانت ضئيلة، ولا تتناسب مع حجمها السكاني والجغرافي وناتجها، بدأت تتحسب لمثل تلك المواجهة العسكرية، وخلال أقل من 10 سنوات تحولت الصين إلى قوة عسكرية هائلة، رغم أن إنفاقها العسكري المعلن لا يتجاوز 250 مليار دولار، وأصبحت تمتلك أكبر قوة بحرية في العالم.
وتمكنت الصين أيضا من التفوق في عدد من الأسلحة المهمة، خاصة الصواريخ فرط الصوتية والطائرات المسيرة، بل كانت السباقة في إنتاج طائرة حربية من الجيل السادس، لتحطم التفوق الجوي الذي احتكرته أمريكا طويلا، وهناك مؤشرات على إنتاجها أسلحة غير معلن عنها، تستخدم فيها أحدث التقنيات والاختراعات. وإذا كانت الصين قد خفضت عدد جيشها من مليونين و300 ألف إلى نحو مليونين، فإن الخفض جاء لإعادة الهيكلة، وتحسين نوعية السلاح ومواصفات وقدرات الجنود، لتتناسب مع التقنيات الحربية الحديثة، ولم يؤثر خفض العدد على إنها تمتلك أكبر جيش في العالم.
وأمام التحديات التي استشعرتها الصين في فرض حصار بحري عليها، اتخذت خطوة جريئة ومبتكرة بإنتاج حاويات تحمل صواريخ وطائرات مسيرة وتضعها فوق أسطولها الضخم من سفنها التجارية، حيث بلغ عدد السفن العابرة للمحيطات لديها 5500 سفينة، مقابل أقل من 200 سفينة فقط للولايات المتحدة، لتضيف قوة جديدة وضخمة إلى قوتها البحرية، وتحمي تجارتها من أي هجمات.
هذه المؤشرات كانت تنبئ بأن الصين تتجهز للخروج من شرنقتها إجباريا، فقد أصبحت تجارتها الخارجية مهددة، وعقوبات تنال من الدول التي تتعامل تجاريا معها، والسكوت سيؤدي إلى حصار اقتصادي ينال من قدراتها الصناعية، ويهدد ما حققته من تنمية هائلة لقدراتها الصناعية، وفائضها التجاري الذي بلغ تريليونا و200 مليار دولار العام الماضي.
كان الهجوم على فنزويلا أول شرارة تنبه الصين إلى ضرورة الخروج السريع من شرنقتها، وبالفعل بدأت التحرك الواسع والعلني بالدعم القوي لإيران، حركت جسرا جويا، وأرسلت سفن تجسس واستشعار، وزودت إيران بطائرات وصواريخ ورادارات، وتقنيات جديدة تطور أداء الأسلحة الإيرانية، والأهم تقديم الدعم اللوجيستي بالأقمار الصناعية والمعلومات، لتصبح إيران أول جبهة مواجهة خارج الحدود الصينية.
وبداية مرحلة جديدة، تؤدي إلى كبح نهج استخدام الولايات المتحدة للقوة، ورسالة بأن الصين ستتحرك، وسيكون لديها فرص أقوى لتحقيق التفوق العسكري، استنادا لقاعدة بشرية وصناعية وتكنولوجية ضخمة ومتطورة، تتمتع بسرعة دمج تقنيات الذكاء الصناعي في الصناعات العسكرية، والتفوق في أعداد البحوث والاختراعات وسرعة تنفيذها، ويمكنها أن تمد دول الجنوب بأسلحة قادرة على تحدي الولايات المتحدة بقدرات لا تقل تقدما عن الأسلحة الأمريكية، وأرخص سعرا، وبلا قيود أو شروط، وهو ما يحقق للصين أكثر من هدف، أهمها تعزيز نفوذها في دول الجنوب، وحماية مصالحها، وإحراق أهم أوراق القوة الأمريكية.
(الأهرام المصرية)

