سمات نظام عالمي في طور التغير

يمكن إدراج الملاحظات التالية حول ما يصفه البعض بنظام عالمي متغير نعيش فيه اليوم، لوصف النظام العالمي الراهن، لم تتبلور بعد كليا قواعده وأنماط علاقاته وهيكل القوة الذي يستند إليه. ويذهب البعض لوصف الوضع "الانتقالي" الحالي بنظام فوضى عالمية.

• شهدنا التحول من نظام ثنائي القطبية خلال الحرب الباردة إلى ما عرف "بلحظة الأحادية الأمريكية" ثم ما نشهده اليوم من بروز قواعد وأنماط مختلفة في العلاقات الدولية ما زالت تتسم بالسيولة ولم تستقر بعد كقواعد وأنماط لنظام جديد. من أهم سمات الوضع الحديد بروز دور ما يعرف بالقوى المتوسطة التي تبحث عن بلورة دورها وتكريس ذلك الدور في النظام الجديد "القادم".

• التحول من ثنائية شرق غرب التي طبعت الحرب الباردة إلى ثنائية "شمال جنوب" الجديدة. لكن الأخيرة تتسم بالتنوع وعدم الانتظام التي مثلته الأولى التي كانت تستند إلى عنصري الأيديولوجيا والاستراتيجية. وقد عبر عن تلك الثنائية تحالف منضبط ومنظم في الجغرافيا الاستراتيجية والجغرافيا الاقتصادية. الثنائية الجديدة تحمل اختلافات وتمايزات عديدة في الرؤية والمصالح والأولويات ضمن المجموعة الواحدة.

• الغرب بالأمس والشمال اليوم يشهد، كما أشرنا، تزايدا في الاختلافات حول قضايا أساسية: الموقف من إدارة وتسوية المسألة الأوكرانية وأزمة غرينلاند التي انفجرت مؤخرا يقدما خير مثال على خلافات أساسية في "البيت الواحد".

• الاتحاد الأوروبي الذي كان يعتبر النموذج الناجح الذي يجب الاقتداء به في عملية بناء وتطوير التعاون الإقليمي في مختلف المجالات، يواجه اليوم الكثير من التحديات في "البيت الأوروبي" وفي علاقات هذا "البيت" مع الخارج أيا كانت أطراف هذا الخارج. نشهد ذلك في "السياسة الخارجية المشتركة"، وفي قضايا الأمن والدفاع وكذلك في الاقتصاد وكل المسائل الأخرى. يعود هذا الأمر للاختلاف في الأولويات الوطنية وفي النظرة إلى ترتيب المخاطر للتعامل معها، ويزداد مع تصاعد قوة اليمين المتشدد الذي تعبر عنه أيديولوجيات متطرفة تعتنق قيما سياسية وأخرى وأولويات تصطدم مع أولويات الآخر في "البيت الأوروبي" ذاته.

• تمثل التغيرات المناخية على الصعيد العالمي إحدى أهم أو أخطر القضايا، من حيث التداعيات والتحديات المختلفة التي تحملها على مجتمعات واقتصاديات وأمن دول عديدة. ويشكل البحر الأبيض المتوسط الذي تلتقي على ضفافه قارات ثلاث إحدى أهم وأخطر المناطق، من حيث التداعيات، لهذا التحول المناخي بتأثيراته المختلفة خاصة في ما يتعلق بالاستقرار المجتمعي والخارجي والعابر للحدود الوطنية كما أشرنا.

• إن سرعة التحولات في الاقتصاد وفي مجالات أخرى والاندماج الاقتصادي التي أنتجته العولمة المتسارعة أدى إلى زيادة تهميش مجتمعات أو أجزاء منها في "الجنوب العالمي". مجتمعات كانت تعاني أساسا من قضايا غياب النمو أو ضعفه عليها ككل أو على أجزاء أساسية وغير صغيرة في هذه المجتمعات. الأمر الذي ضاعف من مشاكل التهميش الاقتصادي بتداعياته الاجتماعية والسياسية والوطنية وغيرها. ساهم ذلك أيضا في انتعاش أيديولوجيات هوياتية متشددة تخاف وتتخوف من الآخر المختلف وترى الحل في الانغلاق أو الانطواء أو الطلاق مع "الآخر" المختلف فى الخارج أو في الداخل الوطنى. أيديولوجيات تعبر عن مخاوف وتداعيات أزمات تطالها ولكنها لا تقدم حلولا واقعية أو عملية لتلك الأزمات.

• قد يكون من الأدق الحديث فى وصف عالم اليوم المعولم بالمدينة الكونية وليس بالقرية الكونية كما يسميها البعض توخيا للدقة في الوصف بسبب الاختلافات التي زاد بعضها وتعمق بعضها الآخر للأسباب التي أشرنا إليها سابقا، ولما للتوصيف من دلالات واستنتاجات. فالاختلافات والتمايزات تعمقت عبر هذا الاندماج شبه القسري والسريع رغم أن بعض الاختلافات قد تم التغلب عليها. نموذج المدينة أدق في الوصف بسبب التمايز والاختلافات التي زاد بعضها، فيما تتسم القرية بالتناغم والتماثل على الصعيد الاجتماعي الثقافي خلافًا للمدينة.

• التعاون المتعدد الأطراف عبر المنظمات الدولية والإقليمية وفي إطار صيغ أخرى تراجع دوره الفعلي وليس الرمزي، بشكل كبير. يظهر ذلك من عدم قدرته على التعامل الفاعل وليس الشكلي عبر التصريحات والبيانات أو المناشدات، مع تحديات جمة يعيشها العالم تتعدى مجالها الجغرافي أو الموضوعي ولو بأوقات وسرعات مختلفة.

• العودة إلى إحياء تحالفات بالقطعة، كما يقال، أو حول مسألة محددة تعني أكثر من طرف على حساب ما أشرنا إليه من أزمة التعاون المتعدد الأطراف. ولا بد من التذكير أنه رغم أهمية التعاون الثنائي في بعض القضايا ذات التداعيات التي تطال أطرافا ومجالات عديدة. فالتعاون الثنائي أمر أكثر من ضروري وطبيعي في العلاقات الدولية ولكن لا يمكن الوقوف عند هذا الحد في مسألة تطال مصالح أطراف عديدة، ومن المصلحة على المستويين الوطنى والدولى وضمنه الإقليمي أن يتم تعزيز التعاون الدولي الفعلي لتوفير ولتحصين حلول لقضايا تطال، ولو بأوقات مختلفة، مصالح الجميع.

جدول غني بتحديات متزايدة فى ظل تراجع ثقافة ومنطق ودور التعاون الدولي المتعدد الأطراف. التحدي اليوم يُختصر فى كيفية إعادة إحياء التعاون الدولى ذات الهندسة المرنة والمتغيرة وما يعرف بالسرعات المختلفة، الذي هو في نهاية الأمر لمصلحة الجميع في "المدينة الكونية" التي نعيش فيها.

(الشروق المصرية)
?

برأيك، ما هو العامل الأكثر تأثيرًا في تردي الواقع العربي؟





الإجابة على السؤال

يتم التصفح الآن