هَذا العَرْضُ مُخَصَّصٌ لِكِتابٍ حَديثِ الإِصْدارِ في السّاحَةِ الفَرَنْسِيَّة، أَلَّفَهُ المُؤَرِّخُ الفِلَسْطينِيُّ الأَميرْكِيُّ رَشيد الخالِدي، وَهُوَ أُسْتاذٌ فَخْرِيٌّ لِدِراساتِ العَرَبِ المُعاصِرَةِ في جامِعَةِ كولومْبِيا في نْيويورْك، حَيْثُ شَغَلَ حَتّى عامِ 2024 كُرْسِيَّ إِدْوارْد سَعيد. كَما شَغَلَ مَنْصِبَ مُحَرِّرِ مَجَلَّةِ "الدِّراساتِ الفِلَسْطينِيَّة" مِنْ عامِ 2002 حَتّى عامِ 2020. وَيَنْتَمي إلى إِحْدى أَقْدَمِ العائِلاتِ الفِلَسْطينِيَّةِ في القُدْس. كانَ عَمُّهُ آخِرَ عُمْدَةٍ لِلقُدْسِ قَبْلَ انْتِفاضاتِ عامِ 1936. وَكانَ والِدُهُ يَعْمَلُ لَدى الأُمَمِ المُتَّحِدَةِ في أَواخِرِ السِّتّينِيّات.
يكاد يكون الخالدي حالة عربية خاصة في الساحة الأميركية كُلّما تعلّق الأمر بنصرة الهمّ الفلسطيني
لَعَلَّ إِقامَةَ مُؤَلِّفِ الكِتابِ في الدِّيارِ الأَميرْكِيَّةِ والتَّدْريسَ في الجامِعَةِ نَفْسِها التي كانَ يُدَرِّسُ فيها الرّاحِلُ إِدْوارْد سَعيد، وَمَواقِفَهُ السِّياسِيَّةَ المُدافِعَةَ عَنِ القَضِيَّةِ نَفْسِها في عُقْرِ المُؤَسَّساتِ الأَكاديمِيَّةِ الأَميرْكِيَّة، يُخَوِّلُ لِيَوْمِيَّةِ "لومونْد" الفَرَنْسِيَّة، التَّفاعُلَ في إِشاراتٍ عابِرَةٍ مَعَ كِتابِ الخالِدي بِالإِحالَةِ إلى مَواقِفِ إِدْوارْد سَعيد (عَدَدِ 10 فِبْرايِر/شُباط 2026) إلى دَرَجَةٍ قَدْ يَعْتَقِدُ مَعَها القارِئُ أَنَّ اليَوْمِيَّةَ تُصَنِّفُ الخالِدي بِأَنَّهُ وَريثُ سَعيد في الدِّفَاعِ عَنِ القَضِيَّة، وَنَزْعُمُ أَنَّهُ تَشْبيهٌ دَقيقٌ وَمُهِمٌّ جِدًّا لِلغايَة، أَخْذًا بِعَيْنِ الاعْتِبارِ أَنَّ الرَّجُلَ يَكادُ يَكونُ حالةً عَرَبِيةً خاصَّةً في السّاحَةِ الأَميرْكِيَّةِ كُلَّما تَعَلَّقَ الأَمْرُ بِنُصْرَةِ الهَمِّ الفِلَسْطينيِّ هُناك، على الرَّغْمِ مِنْ كَثْرَةِ الأَسْماءِ العَرَبِيَّةِ أَوِ الأَسْماءِ المَحْسوبَةِ على مِحْوَرِ طَنْجَة - جاكرْتا، لَكِنَّ قِلَّةً مَنْ تَمْتَلِكُ جُرْأَةَ الانْخِراطِ في ذَلِكَ الدِّفاع، أَوْ تَقْليدَ القَليلِ مِمّا كانَ يَقومُ بِهِ إِدْوارْد سَعيد عَلَنًا أَمامَ الجَميع، في المُحاضَراتِ والمُؤَلَّفاتِ والمَقالاتِ والحِوارات.
وَحَتّى وائِل حَلّاق الذي يَشْتَغِلُ في حَقْلِ الاسْتِشْراق، وَيَحْظى بِاحْتِرامٍ كَبيرٍ هُنا في السّاحَةِ العَرَبِيَّة، بَل تُرْجِمَتْ لَهُ العَديدُ مِنَ الكُتُب (أَكْثَرُ مِنْ عَشَرَةِ أَعْمال، أَحَدُها صَدَرَ مُؤَخَّرًا)، كانَ مَأْمولًا مِنْهُ أَنْ يُقَلِّدَ بِشَكْلٍ أَوْ بِآخَرَ ما قامَ بِهِ سَعيد، خاصَّةً أَنَّهُ فِلَسْطينِيُّ الأَصْل، لَكِنْ اتَّضَحَ أَنَّ الأَمْرَ كانَ خِلافَ ذَلِك. لَيْسَ هَذا وَحَسْب، فَمَنْ قَرَأَ مُقَدِّمَةَ كِتابِهِ "قُصورُ الِاسْتِشْراق" (2019) المُخَصَّصِ لِنَقْدِ اجْتِهاداتِ إِدْوارْد سَعيد في كِتابِهِ المَرْجَعيِّ حَوْلَ الاسْتِشْراق، قَدْ يَعْتَقِدُ أَنَّ حَلّاق يُؤاخِذُ سَعيد على مَواقِفِهِ مِنَ القَضِيَّةِ الفِلَسْطينِيَّة.
في هَذا السِّياقِ الثَّقافي ـ التّاريخِيّ، تَكْمُنُ أَهَمِّيَّةُ كُلِّ عَمَلٍ بَحْثِيٍّ يَرومُ الدِّفاعَ عَنِ القَضِيَّةِ الفِلَسْطينِيَّةِ في عُقْرِ المُؤَسَّساتِ الغَرْبِيَّة، وَمِنْها كِتابُ "مائَةُ عامٍ مِنَ الحَرْبِ ضِدَّ فِلَسْطِين" لِرَشيد الخالِدي، وَهُوَ كِتابٌ صَدَرَ بِدايَةً في السّاحَةِ الأَميرْكِيَّة، وَتُرْجِمَ إلى خَمْسٍ وَعِشْرينَ لُغَة، بَل كانَ بَعْدَ انْدِلاعِ أَحْداثِ 7 أُكْتوبَر/تِشْرين الأَوَّل 2023، ضِمْنَ قائِمَةِ الأَكْثَرِ مَبيعًا لِصَحيفَةِ "نْيويورْك تايْمز" طيلَةَ سَبْعَةِ أَشْهُرٍ تَقْريبًا، قَبْلَ صُدورِ تَرْجَمَتِهِ إلى الفَرَنْسِيَّةِ مُؤَخَّرًا.

كانَ المُؤَلِّفُ واضِحًا مُنْذُ البِدايَةِ في اسْتِبْعادِ النَّماذِجِ التَّفْسيرِيَّةِ التي تَتَعامَلُ مَعَ القَضِيَّةِ بِاعْتِبارِها مُجَرَّدَ صِراعٍ مُتَأَصِّلٍ بَيْنَ اليَهودِ والعَرَبِ أَوْ كَمَعْرَكَةٍ بَيْنَ قَوْمِيَّتَيْنِ على الأَرْضِ نَفْسِها، مُعْتَبِرًا أَنَّنا إِزاءَ مُحَدِّدٍ اسْتِعْمارِيٍّ صِرْف، وَلِهَذا خَصَّصَ الخالِدي فَصْلًا حَوْلَ المَوْضوع، مُسْتَحْضِرًا السِّياقاتِ التّاريخِيَّةَ التي سَبَقَتْ مُنْعَطَفَ 1948، أَيْ سِياقَ الإيدْيولوجِيَّةِ الصُّهْيونِيَّةِ التي كانَتْ بِدايَةً حَرَكَةً قَوْمِيَّةً يَهودِيَّةً رَدًّا على القَوْمِيّاتِ الأوروبِيَّةِ وَفي مُواجَهَةِ مُعاداةِ السّامِيَّةِ في نِهايَةِ القَرْنِ التاسِعَ عَشَر، قَبْلَ أَنْ تَتَحَوَّلَ إلى خُطَّةِ مَشْروعٍ اسْتِعْمارِيٍّ أَكْثَرَ تَطَرُّفًا، حَظِيَ بِدَعْمِ الإِمْبَراطورِيَّةِ البَريطانِيَّة، ثُمَّ الوِلاياتِ المُتَّحِدَةِ بَعْدَ عامِ 1945. وَقَدْ وَصَلَ إلى السُّلْطَةِ مَدْفوعًا بِمُعاداةِ السّامِيَّةِ المَسيحِيَّةِ وَذَنْبِ أوروبّا تُجاهَ مُعْضِلَةِ الهولوكوسْت.
يستعرض المراحل الرئيسية للحرب المفتوحة على فلسطين في سياق مُحدّد عنوانه محو الوجود الفلسطيني
يُضيفُ المُؤَلِّفُ أَنَّ الأَحْداثَ التي وَقَعَتْ مُنْذُ بِدايَةِ القَرْنِ العِشْرينَ في المِنْطَقَةِ العَرَبِيَّةِ هِيَ في المَقامِ الأَوَّلِ نَتيجَةُ حَرْبٍ خيضَتْ على مَراحِلَ مُتَعَدِّدَة، ضِدَّ السُّكّانِ الفِلَسْطينِيِّينَ الأَصْلِيّين، وَضِمْنَ هَؤُلاء، نَجِدُ ضِياء الخالِدي (1842 ــ 1906)، وَهُوَ الجَدُّ البَعيدُ لِلمُؤَلِّفِ وَعُمْدَةُ القُدْسِ أَيْضًا، حَيْثُ نَشَرَ رِسالَةً لَهُ، مُوَجَّهَةً إلى تِيودور هِرْتْزِل (1860 ــ 1904 / Theodor Herzl)، يُعْلِنُ فيها العُمْدَةُ عامَ 1899 أَنَّهُ "مِنَ الجُنونِ المَحْضِ" السَّعْيُ لِبِناءِ دَوْلَةٍ يَهودِيَّةٍ ذاتِ سِيادَةٍ في بَلَدٍ "يَسْكُنُهُ آخَرون". كَما يَسْتَعْرِضُ المُؤَلِّفُ المَراحِلَ الرَّئيسِيَّةَ لِهَذِهِ الحَرْبِ المَفْتوحَةِ على فِلَسْطين، مِنْها على سَبيلِ المِثال، "وَعْدُ بلْفور" عامَ 1917، نَكْبَةُ 1948، حَرْبُ 1967، غَزْوُ لُبْنانَ عامَ 1982، َقَمْعُ الِانْتِفَاضَتَيْنِ وَأَحْداثٌ أُخْرى، وآخِرُها على ما يَبْدو ما جَرى مُؤَخَّرًا في غَزَّة، مُصَنِّفًا مُجْمَلَ هَذِهِ الأَحْداثِ في سِياقٍ مُحَدَّدٍ عُنْوانُهُ مَحْوُ الوُجودِ الفِلَسْطينِيّ، في أُفُقِ حَلِّ التَّناقُضِ الكامِنِ في الصُّهْيونِيَّة. وَلِهَذا كانَتْ خاتِمَةُ الكِتابِ تَهُمُّ بِالتَّحْديدِ ما جَرى في قِطاعِ غَزَّة، والتَّجْسيدَ الجَديدَ لِلمُيولِ الإِسْرائيلِيَّةِ لرَغْبَةِ إِفْراغِ فِلَسْطينَ مِنْ سُكّانِها.
لَمْ تَسْلَمْ أَطْرافٌ فِلَسْطينِيَّةٌ وَعَرَبِيَّةٌ عِدَّةٌ مِنِ انْتِقاداتِ رَشيد الخالِدي في الكِتاب، وَمِنْ ذَلِكَ انْتِقاداتٌ لاذِعَةٌ مُوَجَّهَةٌ إلى القادَةِ الفِلَسْطينِيِّينَ بِما في ذَلِكَ مُنَظَّمَةُ التَّحْريرِ الفِلَسْطينِيَّةِ وَلِلرّاحِلِ ياسِر عَرَفات، وَمَعَهُ العَديدُ مِنَ الدُّوَلِ العَرَبِيَّة، مُوَجِّهًا لَهُمُ اللَّوْمَ على صِراعاتِهِمُ الدّاخِلِيَّةِ المُسْتَمِرَّة، وَمِنْ بابِ تَحْصيلِ حاصِل، وَعلى غِرارِ مَواقِفِ إِدْوارْد سَعيد، لَمْ تَسْلَمْ مِنْ تِلكَ الِانْتِقاداتِ مَضامينُ اتِّفَاقِيّاتِ أوسْلو (1993) وَمَواقِفُ بيل كْلينْتون ضِمْنَ أَسْماءٍ أُخْرى. والأَمْرُ نَفْسُهُ مَعَ إِدانَةِ أَحْداثِ السابِعِ مِنْ أُكْتوبَر/تِشْرين الأَوَّل، رافِضًا التَّعامُلَ مَعَها بِاعْتِبارِها نُقْطَةَ تَحَوُّلٍ جَديدَةٍ في تاريخِ الأَزْمَة، بِقَدْرِ ما تُجَسِّدُ تَكْريسًا لِمَنْطِقِ الاسْتِمْرارِيَّةِ القائِمَةِ مُنْذُ قَرْنٍ تَقْريبًا.
نُقْطَةُ التَّفاؤُلِ الأَهَمُّ حَسَبَ رَشيد الخالِدي، الكَفيلَةُ بِتَسْوِيَةِ القَضِيَّة، تَكْمُنُ في الانْتِصارِ لِخِيارِ التَّعايُشِ بَيْنَ الفِلَسْطينِيِّينَ والإِسْرائيلِيّين، انْطِلاقًا مِنْ مَرْحَلَةٍ جَنِينِيَّةٍ يَرى أَنَّها قائِمَةٌ اليَوْم، مُفَادُها ارْتِفاعُ مُؤَشِّراتِ الوَعْيِ بِذَلِكَ لَدى الطَّرَفَيْن، بِما في ذَلِكَ الوَعْيُ بِأَهَمِّيَّةِ الخِيارِ لَدى بَعْضِ القُوى الغَرْبِيَّة، لَكِنَّهُ، لِلمُفارَقَة، خِيارٌ يَحْظى بِاعْتِراضِ التَّياراتِ المُتَطَرِّفَةِ مِنَ الجانِبَيْنِ مَعًا.
(خاص "عروبة 22")

