تعهد المستشار الألماني ميرتس ببناء أقوى جيش في أوروبا، واضعًا خطة لرفع الإنفاق الدفاعي إلى 3.5% من الناتج المحلي الإجمالي الألماني، يعكس حقيقة أن أوروبا ودول حلف الأطلنطي باتت ترصد درجة عالية من الانفصال والتباعد في علاقاتها السياسية والاقتصادية والدفاعية التقليدية مع الولايات المتحدة منذ تولي الرئيس ترامب.
فدائرة المطامع الأمريكية التى بدأت تتضح ملامحها وتوجهاتها بدأت نحو كندا بتصريح الرئيس ترامب بإمكانية التفكير فى ضم كندا باعتبارها امتداد جغرافي وسياسي يتعين أن يكون جزءاً من الولايات المتحدة، وهو تصريح خطير ينطوي على نوايا توسعية أمريكية ذات بُعد جيوسياسي يرتبط بمطامع اقتصادية في كندا الجار والحليف العضو في حلف الأطلنطي. تلك التوجهات الأمريكية أثارت موجة من القلق والتوتر داخل حلف الأطلنطي بشأن مدى التزام الولايات المتحدة بالحفاظ على كيان حلفائها وسيادتهم الإقليمية.
لم ينقض وقت طويل حتى اتسعت دائرة المطامع الأمريكية لتمس أوروبا نفسها، بإعلان الرئيس ترامب عن رغبة الولايات المتحدة في الاستحواذ على جزيرة غرينلاند التابعة للدنمارك، والتي تمتلك احتياطيات مؤكدة من المعادن الثمينة والنادرة تشمل 25 معدنًا من أصل 34 معدنًا من أهمها التنتالوم والنيوديميوم والديسبروسيوم والتربيوم التي تدخل في صناعة الرقائق الإلكترونية للهواتف والحاسبات، واليورانيوم اللازم للتكنولوجيا النووية، والليثيوم لصناعة بطاريات السيارات الكهربائية، والحديد والرصاص والزنك للصناعات العسكرية والثقيلة، والذهب والألماس والبلاتين ذات القيمة الاقتصادية العالية فضلاً عن احتياطيات كبرى من النفط والغاز.
من جهة أخرى كان البعد الاستراتيجي لمطامع الولايات المتحدة في غرينلاند يكمن في الأهمية الجيوسياسية للجزيرة، والتي تتحكم في مداخل القطب الشمالي، وتشكل قاعدة متقدمة للرصد والمراقبة الجوية والبحرية في شمال المحيط الأطلنطي، كما تُشكل الجزيرة موقعا مثاليا لإنشاء محطات الإنذار المبكر وأنظمة الدفاع الجوي وقواعد الصواريخ، فضلا عن سيطرتها على الممرات الملاحية القطبية والتي بدأت في الظهور بفعل ذوبان جليد القطب الشمالي.
لم يعد يكفي الولايات المتحدة أنها تدير بالفعل قاعدة بيتوفيك الفضائية في شمال غرب الجزيرة بموجب معاهدة الدفاع عن غرينلاند مع الدنمارك 1951، والتي تدعم عمليات الإنذار المبكر والدفاع الصاروخي لحلف الأطلنطي، ولم يعد يكفيها موافقة البرلمان الدنماركي على مشروع قانون يتيح إقامة قواعد عسكرية أمريكية على الأراضي الدنماركية، موسّعاً الاتفاق العسكري الموقع في 2023 بمنح القوات الأمريكية حقوق استخدام القواعد الجوية الدنماركية، بل تريد الولايات المتحدة السيادة الكاملة على الجزيرة بالشراء المباشر طوعاً أو التلميح بالفعل العسكري لتحقيق ذلك غصبا.
وعززت تصريحات ترامب المخاوف الأوروبية عندما أعلن مباشرة بقوله إن امتلاك غرينلاند يعد ضرورة مطلقة وأمراً حيوياً لأمن الولايات المتحدة، ولأمنها الاقتصادي، وأنه لا يستطيع أن يؤكد أنه لن يلجأ إلى استخدام وسائل الإكراه العسكري أو الاقتصادي، ومنذ أيام أعلنت رئيسة وزراء الدانمارك خلال مشاركتها في مؤتمر ميونخ للأمن أن رغبة الرئيس دونالد ترامب في السيطرة على غرينلاند لا تزال على حالها.
رئيسة وزراء الدنمارك التي وصفت الموقف الأمريكي بأنه محاولة استعمارية عفا عليها الزمن، وحذرت من أن أي محاولة أمريكية لاحتلال الجزيرة بالقوة سينُنهي حلف الأطلنطي، ومن جهة أخرى أثارت الأزمة الراهنة المخاوف من إمكانية تفكك الحلف، وقيام الولايات المتحدة بإيقاف ارتباطها بالحلف، مع ظهور احتمال مغادرة دول أوروبية في مقدمتها فرنسا للحلف حال قيام الولايات المتحدة بأي عمل عسكري في غرينلاند، وهو ما عبر عنه أحد النواب الفرنسيين بقوله: إن عضوية فرنسا في تحالف عسكري تقوده قـوة كبرى تتصرف ضد قواعد القانون الدولي هو أمر يتعارض مع مبادئ فرنسا والتزاماتها الدولية.
التوجهات الأمريكية شغلت الإنذار الأوروبي المبكر نحو وجود درجة عالية من احتمال قيام الولايات المتحدة بفرض سياسة الأمر الواقع واحتلال غرينلاند، وعندئذ ستكون أوروبا بالفعل في موقف خطير لم تتعرض له منذ إنشاء حلف الأطلنطي، أما الرئيس ترامب من جهته فلم يبد اكتراث بردود الفعل الأوروبية، وعقب بقوله إنهم يحتاجون إلينا أكثر بكثير مما نحتاج نحن إليهم. الخطير فى الأمر بالنسبة للأوروبيين هو ما يبدو من جدية ترامب وإصراره على تملك الولايات المتحدة لغرينلاند، وضربه عرض الحائط بحلفائه وشركائه في حلف الأطلنطي، ووضعهم في موقف عصيب على مختلف الأصعدة الاستراتيجية والسياسية، بعزمه على انتهاك سيادة دولة عضو في الحلف وانتزاع جزء منها ووضعه تحت السيادة الأمريكية وضمه رسمياً إلى الولايات المتحدة.
على الساحة الأوروبية تجلت السياسات البراجماتية الأمريكية فى الحرب الروسية الأوكرانية، ففى مرحلتها الأولى كانت الولايات المتحدة هي الرابح الأكبر، حيث استنزفت قدرًا كبيرًا من الموارد الاقتصادية والقدرات العسكرية الروسية، وتم تجميد الأرصدة الروسية وإخراج روسيا من سوق النفط والغاز الأوروبي لصالح صادرات النفط والغاز الأمريكي الأكثر تكلفة على الاقتصادات الأوروبية.
ثم كان أن صدرت وثيقة استراتيجية الأمن القومي الأمريكي في 2025 لتمثل تحول جذري غير مسبوق يعكس اختلاف الرؤية بين الاستراتيجية الأمريكية والاستراتيجية الأوروبية نحو روسيا التى تتجنب الوثيقة وصفها كتهديد مباشر للمصالح الأمريكية، بينما تشير الوثيقة إلى أن العديد من الأوروبيين يعتبرون روسيا تهديداً مباشراً لأوروبا، وهو أمر يتناقض مع التوافقات الأمريكية الروسية بشأن الحرب الأوكرانية. هذه الوثيقة عكست حقيقة أن العلاقات الأمريكية الأوروبية لم تعد قائمة على الشراكة التقليدية بينهما كحليفين استراتيجيين، بل على تقليص المسؤولية الأمريكية تجاه أوروبا، ودفعها لتحمل الجانب الأكبر من نفقات مسؤولياتها العسكرية والدفاعية والأمنية، والرئيس ترامب نفسه سبق له أن لمح مهددا إلى إمكانية خروج الولايات المتحدة من حلف الأطلنطي.
أما عن الدول الأوروبية الفاعلة في الحلف مثل ألمانيا وفرنسا مع إدراكها للتطورات الراهنة، فقد أدركت أن عليها مراجعة قدراتها العسكرية الذاتية، فسارعت الحكومة الألمانية لرصد موازنة مفتوحة للدفاع وتنمية الصناعات العسكرية وبناء قدرات التسلح، كما سارعت فرنسا للدعوة إلى صياغة استراتيجيات للعمل على بناء قوة أوروبية موحدة بالتعاون مع ألمانيا كقطبين أوروبيين. أيًا يكن ما ستأتي به الأيام القادمة، إلا أنه من المؤكد أن العلاقات الأوروبية الأمريكية لن تعد مثلما كانت عما كانت عليه بالأمس.
(الشروق المصرية)

