صحافة

"المشهد اليوم"..إسرائيل تَحْتَلُّ "قَلعَةَ شْقِيف" وتَتَوَعَّدُ لبنانَ بِمَزيدٍ مِنَ التَّصعيد!المُفاوَضاتُ الأميركيةُ الإيرانية "مَكانَكْ راوِح"... والشرع يَطلبُ مِن ترامب رَفْعَ ما تَبَقى مِن عقوباتٍ على سوريا


العلم الإسرائيلي فوق قلعة الشقيف بجنوب لبنان بعد إعلان وزير الدفاع يسرائيل كاتس السيطرة عليها (رويترز)

لم يكن مُستغربًا الفشلُ الذي مُنيَت بهِ الجولةُ الجديدةُ من المفاوضاتِ بين لبنانَ وإسرائيلَ برعايةٍ أميركيّةٍ. فتلُّ أبيب استبقَت ذلكَ بالمزيدِ من التصعيدِ الميدانيِّ في الجنوبِ والبقاعِ، وحتى استهدافِهَا الضاحية الجنوبيّة لبيروت ضمنَ ما تسمِيه محاولاتُ الاغتيالِ المحدّدةِ لقادةٍ ضمنَ صفوفِ "حزب الله". وينظرُ كُثر إلى هذا المسارِ باعتبارِهِ مجردَ مضيعةٍ للوقتِ، ويستغلُهُ رئيسُ الوزراء بنيامين نتنياهو للهروبِ إلى الأمامِ من دون تقديمِ أيِّ تنازلاتٍ أو خطواتٍ عمليّةٍ تضمنُ الالتزامَ الفعليَّ باتفاقِ وقفِ النارِ. ويتزامنُ هذا التعنت الإسرائيليّ مع "الضوءِ الأخضر" الأميركيّ الممنوحِ بهدفِ استكمالِ العملياتِ العسكريةِ لفرضِ المزيدِ من الضغوطِ على الجانبِ اللبنانيِّ. بينما يُدركُ لبنانُ خطورةَ الواقعِ المُعاشِ وعجزِ هذه المحادثات عن إحداثِ خرقٍ كبيرٍ، لكنه يعتبرُهَا "أفضل الممكن" حاليًا والسبيلَ الوحيدَ المتاحَ أمامه، على الرغمِ من تمسّكِهِ بـ"خيطانِ الهواء".

وتعلمُ الدولةُ اللبنانيةُ "من كبيرِهَا إلى صغيرِهَا" أن هذا الملفَ ينتظرُ حلَّ القضايا الشائكة، التي لا تزالُ تحولُ دونَ الإعلانِ عن اتفاقٍ بين واشنطنَ وطهرانَ. فـ"خطواتُ الأميالِ الأخيرة" تبدو مُعبدةً بالمزيدِ من العوائقِ والخلافاتِ حولَ ملفاتٍ رئيسيّةٍ، من تخصيبِ اليورانيومِ إلى إدارةِ مضيقِ هُرمزَ وصولًا إلى الأموالِ الإيرانيّةِ المُجمدةِ. وتستخدمُ طهرانَ سياسةَ "النفسِ الطويلِ" وتلتزمُ بالمماطلةِ في المفاوضاتِ، لعلّهَا تحصلُ على مكاسبَ حقيقيّة. وهي تستغلُّ التململَ الأميركيَّ ورغبةَ الرئيسِ دونالد ترامب في إبرامِ تسويةٍ مع تزايدِ الانتقاداتِ الداخليّةِ لهذه الحربِ وتبعاتِهَا. فيما، على الضفةِ الأخرى، يبدو الأخيرُ مُصرًا على مواصلةِ "شدِّ الخناقِ" على النظامِ الإيرانيِّ للاستمرارِ في استنزافِهِ. وأمامَ هذينِ المشهدينِ، تعيشُ المنطقةُ أيامًا شديدةَ الخطورةِ، مع تعويلِهَا على قدرةِ الوسطاءِ على تقريبِ وجهاتِ النظر، التي لا تزالُ في "المربعِ الأولِ"، لأن الأمورَ الجوهريةَ لم تُبحثْ بعد ولا تزالُ بين أخذٍ وردّ. فمفاوضاتُ إسلام آباد لم تُحققْ الكثير، كذلك الزيارة الإيرانيّة إلى العاصمةِ القطريةِ الدوحةِ، لم تُفلحْ في ردمِ الفجواتِ الكبيرةِ، ما يعني أن الأمورَ مفتوحةٌ على جميعِ الاحتمالاتِ. وينعكسُ ذلك تلقائيًّا على لبنانَ، الذي بات منقسمًا بين مفاوضاتٍ تُعقَدُ في واشنطنَ وأخرى يقودُهَا الإيرانيونَ الذين يرددونَ في جميعِ تصريحاتِهِم أنَ وقفَ القتالِ على كافةِ الجبهاتِ هو ضمن الأولويات القصوى.

وقد لا يُسعِفُ هذا "الانتظارُ الطويلُ" والتسويفُ والمماطلةُ البلادَ، مع توسّعِ العملياتِ الإسرائيليّةِ، خصوصًا بعد إعلانِ العدوِ سيطرتَهُ على قلعةِ الشقيف الاستراتيجيّة. كما تأكيد وزير الدفاع يسرائيل كاتس أن قواتِهِ ستبقَى في القلعةِ كجزءٍ من المنطقةِ الآمنةِ في لبنانَ، ما يُشيرُ إلى رغبةِ إسرائيلَ في فرضِ واقعٍ ميدانيٍّ جديدٍ يتجاوزُ حدودَ جنوبِ نهرِ الليطاني، ويلوّحُ بضربِ العاصمةِ بيروت والعمقِ اللبنانيّ عمومًا. وفي هذا الإطار، ذكرت القناة 14 الإسرائيليّة أن نتنياهو وكاتس يميلان إلى الموافقةِ على شنِّ ضرباتٍ واسعةِ النطاقِ في مختلفِ أنحاءِ لبنانَ خلالَ الساعاتِ المقبلة. وأشارَت إلى أنه يُتَوَقَعُ إصدارَ أوامرَ إخلاءٍ لمئاتِ آلافِ اللبنانيين قبل تنفيذِ الهجماتِ المُحتملةِ. وتباهَى رئيسُ وزراء الاحتلالِ، أمس الأحد، بالسيطرةِ على قلعةِ الشقيف، مروجًا للإنجازاتِ الكبيرةِ، على الرغمِ من استمرارِ الانتقاداتِ الحادةِ إلى كيفيةِ سيرِ المعاركِ على الجبهةِ الشماليةِ. وقال نتنياهو: "أذكرُّكُم أنه قبل 44 عامًا كان هذا المكانُ رمزًا لمعركةٍ بطوليّةٍ خاضَهَا مقاتلونَا، لكنه كانَ أيضًا رمزًا لانقسامٍ عميقٍ بيننا". وهو يشيرُ بذلكَ إلى خلافاتٍ اندلعَت مع اجتياحِ إسرائيلَ لبنانَ واحتلالِهَا هذه القلعة عام 1982 إثرَ خسائرَ بشريةً مُني بها الجيش الإسرائيليّ آنذاك. وتركَ هذا الإعلانُ، مع رفعِ علمِ إسرائيل، أثرًا بالغًا واستفزازًا كبيرًا في صفوفِ اللبنانيينَ، لما يمثلُهُ ذلكَ من مرحلةٍ "سوداءَ" في تاريخهِم. إلا أن "حزبَ الله" حاولَ التقليلِ من تداعياتِ هذه الخطوة، على لسانِ النائبِ حسن فضل الله، مؤكدًا أن "القلعةَ هي موقعٌ أثريٌّ ووطنيٌّ خاضعٌ لسلطةِ الدولةِ اللبنانيّةِ، ولم يكن موقعًا عسكريًا للمقاومةِ وليس منشأةً تضمُّ مقاتلين".

ويحاولُ الحزبُ امتصاصَ الغضبِ الشعبيِّ، مع تزايدِ حجمِ ورقعةِ الدمارِ والخرابِ، فيما يواصلُ استهدافَ تجمعاتٍ لآلياتٍ وجنودٍ إسرائيليينَ، معلنًا عن أكثر من 25 عملية، شملت البياضة ويُحمر الشقيف جنوبي لبنان، إضافة إلى مهبطِ مروحياتٍ في مستوطنةِ شلومي، وبنى تحتية عسكرية في نهاريا والكريوت شمال حيفا. وكشفَ موقعُ "واللا" الإسرائيليّ، أمسِ الأحدِ، أن عددًا من رؤساءِ المستوطناتِ في شمالِ إسرائيلَ "فرّوا" جراءَ تصاعدِ هجماتِ "حزبِ الله" بالصواريخِ والطائراتِ المُسيّرةِ على المستوطناتِ القريبةِ من الحدودِ اللبنانيّةِ. يحدثُ ذلكَ بينما تعيشُ قرَى الجنوبِ والبقاعِ تحتَ وابلٍ من النيرانِ التي تُوقِعُ المزيدَ من الضحايا والجرحى. وفي هذا السيّاقِ، أفادَت وزارةُ الصحةُ اللبنانيّة بأن الغارةَ على بلدةِ دير الزهراني قضاء النبطية أدَت إلى مقتلِ 8 أشخاصٍ وإصابة 19 من بينهم 5 أطفال، ما يرفعُ حصيلةَ الخسائرِ البشريةِ إلى 3 آلافٍ و412 قتيلًا و10 آلافٍ و269 جريحًا. ولم تَسْلَمْ مدينةُ صور وقرى النبطية من الضرباتِ العنيفةِ بعد تسويةِ العديدِ من المباني السكنيّةِ بالأرضِ، مع الكشفِ عن أضرارٍ جسيمةٍ. هذا التدهورُ الميدانيُّ دفعَ فرنسا إلى الدعوةِ إلى عقدِ اجتماعٍ طارئٍ بعد ظهرِ اليوم الاثنين في مجلسِ الأمنِ الدوليِّ، لمناقشةِ تطوراتِ الحربِ في لبنانَ. ودانَت باريس الأعمالَ الإسرائيليّة، في وقتٍ طالبَت فيه وزيرةُ الخارجيّةِ البريطانيّةِ إيفيت كوبر جميع الأطرافِ باحترامِ وقفِ إطلاقِ النارِ في لبنانَ والانخراطَ في المفاوضاتِ بـ"حسنِ نيّة".

ولم تأتِ المواقفُ العربيّةُ مختلفةً، إذ شجبَت الخارجيةُ القطريةُ استمرارَ الاعتداءاتِ وتوسيعِ نطاقِ التوغلِ البريِّ في جنوبِ لبنانَ، داعيةً المجتمعَ الدولي إلى إلزامِ سلطاتِ الاحتلالِ بوقفِ خروقاتِهَا فورًا. أما مصر، فأكدَت رفضَهَا القاطعِ لأيِّ "مساسٍ بالترابِ الوطنيِّ اللبنانيِّ"، مجدّدةً دعمهَا لوحدةِ الدولةِ اللبنانيّةِ ومؤسساتِهَا الوطنيّة وسلامة أراضيها. ويحتاجُ لبنانُ إلى مظلةِ دعمٍ عربيّةٍ إقليميّةٍ لا تزالُ غير متاحةٍ في الوقتِ الراهنِ، على الرغمِ منَ المساعِي السابقة التي جَرَت على أكثر من صعيدٍ للحدِّ من تفاقمِ الأزمةِ، لكنها اصطدمَت جميعُهَا بالتعنتِ الإسرائيليِّ. بدورِهِ، خرجَ رئيسُ مجلسِ النوابِ نبيه بري بتصريحاتٍ، قال فيها إنه "يضمنُ التزامًا كاملًا وفوريًا لوقفِ النارِ من المقاومةِ"، متسائلًا: "لكن من يُلزمُ إسرائيل بوقفِ عدوانِهَا؟". ويدقُّ كلامُ الأخيرِ ناقوسَ الخطر، ولو متأخرًا، بأن ما يجري لا يمكنُ ضبطُهُ في ظلِّ المواقفِ الإسرائيليّةِ العاليةِ النبرةِ، وعدمِ قدرةِ أحدٍ على وقفِ خروقاتِهَا وتفلّتِهَا من جميعِ العقوبات. ويضعُ ذلكَ البلادَ أمامَ مخاطرَ جسيمةً، وسطَ ارتفاعِ أعدادِ النازحينَ إلى نحوِ مليونٍ و300 ألفِ شخصٍ يعيشُ 128 ألفًا منهم في مراكزٍ للإيواء.

تأتي المساعي اللبنانيّةُ الحثيثةُ بينما يُراوِحُ التفاوضُ الأميركيُّ – الإيرانيُّ مكانَهُ، وسطَ شروطٍ وشروطٍ متبادلةٍ، وعروضِ حلٍّ وأخرى مُعدلة، من دونِ القدرةِ على الوصولِ إلى "الخواتيمِ السعيدةِ" بعد. ويبدو التباينَ واضحًا بين أقطابِ السلطةِ في طهرانَ، انطلاقًا من مذكرةِ التفاهمِ، مع نقاشٍ محمومٍ حولَ شروطِ المرشدِ الأعلى مجتبى خامنئي، وكيفيةِ إخراجِ الاتفاقِ من دونِ تحوّلِهِ إلى خلافٍ داخليٍّ عميقٍ. والدليلُ الأكبرُ على ذلكَ كان المعلومات التي نُشِرَت ومفادُهَا بأنَ الرئيسَ الإيرانيَّ مسعود بزكشيان طلبَ تنحِيهِ عن منصبِهِ، بسببِ ما وصفَهُ بالـ"شرخ العميق وغير المسبوق داخل أعلى مستويات الحكم". لكن نائبَ رئيس دائرة الاتصالاتِ في مكتبِ الرئاسةِ الإيرانيّةِ مهدي طباطبائي نفَى هذه المعلوماتُ، ووضعَهَا في إطارِ "الشائعاتِ الكاذبةِ". وشدّد على أن "بزشكيان لن يتراجعَ ولو خطوةً إلى الوراءِ عن خدمةِ الشعبِ، وأن الشعبَ الإيرانيّ أيضًا لن يتراجعَ عن وحدتِهِ وتلاحمِهِ". وما يدورُ في الغرفِ الضيقةِ يبقَى الأكثرَ أهميةً، خصوصًا أن في النظامِ من يريدُ التوصلَ إلى تسويةٍ، ويُحذّرُ من عواقبِ استمرارِ الصراعِ "إلى ما لا نهاية"، وبين من يتشدّدُ في المطالبِ ويرفضُ تقديمَ تنازلاتٍ. في غضونِ ذلكَ، لفتَ رئيسُ البرلمان محمد باقر قاليباف إلى أن بلادَهُ لن توافِقَ على أيِّ اتفاقٍ لإنهاءِ الحربِ مع الولاياتِ المتحدةِ ما لم يضمنْ حقوقَ الشعبِ الإيرانيِّ، مؤكدًا أن طهران ستتمسكُ بمطالبِهَا قبل الوفاءِ بأيِّ التزاماتٍ مقبلةٍ.

وجاءَ كلامُ الأخيرِ بعد معلوماتٍ كشفَ عنها موقعُ "أكسيوس"، تفيدُ بأن ترامب طلبَ إدخالَ تعديلاتٍ جديدةٍ على الاتفاقِ، الذي تفاوضَ عليه مبعوثوه مع الإيرانيينَ خلالَ اجتماعٍ استمرَ ساعتينِ في غرفةِ العملياتِ في البيتِ الأبيضِ يوم الجمعة. ونقلَ الموقعُ عينُهُ عن مسؤولينَ أميركيينَ إشارتهِم إلى أن الرئيسَ الأميركي لا يعارضُ الاتفاقَ مبدئيًا، بل يريدُ تعزيزَهُ وتشديدَ بعضَ بنودِهِ قبلَ إعطاءِ موافقتِهِ النهائيّةِ. وتتضمنُ مذكرةُ التفاهمِ الحاليةِ تعهدًا إيرانيًا بعدمِ السعي إلى امتلاكِ سلاحٍ نوويٍ، وفتحِ فترةِ تفاوضٍ مدتُهَا 60 يومًا لمناقشةِ الملفِ النوويِّ ورفعِ العقوباتِ. لكن العقدَ الأساسيّة لا تزالُ تدورُ حولَ كيفيةِ التعاملِ مع مخزونِ اليورانيومِ عالي التخصيبِ والبنودِ المتعلقةِ بإعادةِ فتحِ مضيقِ هُرمزَ وترتيباتِ الملاحةِ فيه. من جانبِهَا، كشفَت صحيفةُ "نيويورك تايمز"، نقلًا عن ثلاثةِ مسؤولينَ، أن ترامب أعادَ إلى طهرانَ نسخةً أكثرَ تشددًا من إطارِ الاتفاقِ المقترحِ. وقالت إن الأخيرَ يشعرُ بقلقٍ خاصٍ إزاءَ البنود التي تتحدثُ عن الإفراجِ عن أموالٍ إيرانيّةٍ مُجمدةٍ، مؤكدةً أنه لا يريدُ أن يُتهمَ بتكرارِ تجربةِ الرئيسِ السابقِ باراك أوباما. كما تحدثَت عن إحباطِهِ الكبيرِ بسببِ بطءِ ردودِ طهرانَ على المقترحاتِ الأميركيّةِ، التي يجري تبادلُهَا عبرَ وسطاء، من بينهم مسؤولونَ باكستانيونَ.

ولا يلوحُ في الأفقِ أيُّ بوادر إيجابيّة تشي بقربِ التوصلِ إلى تفاهمٍ واضحٍ ومعلنِ البنود، بينما يترقبُ النظامُ الإيرانيُّ ما يجري ويُعدُّ الخططَ "في الوقتِ الضائعِ". في الأثناءِ، أظهرَت صورُ أقمارٍ اصطناعيةٍ وتحليلات خبراء أن إيرانَ أعادَت فتحَ معظم مداخل قواعدِهَا الصاروخيّة تحت الأرض، التي استهدفَتهَا الضرباتُ الأميركيّةُ والإسرائيليّةُ خلال الحربِ. فوفقَ تحليلٍ لشبكةِ "سي إن إن"، تمكنت إيران من إعادةِ فتحِ 50 من أصل 69 مدخلًا لأنفاقٍ استُهدفَت في 18 منشأة صاروخيّة تحت الأرض. بالتزامنِ، ذكرَت وكالةُ "رويترز" أن إيرانَ أعلنَت، أمسِ الأحدِ، استئنافَ إنتاجِ الغازِ من 3 منصاتٍ بحريةٍ في حقلِ فارس الجنوبيّ، أحد أكبر حقولِ الغازِ في العالمِ، بعد توقفٍ جزئيٍّ ناجمٍ عن الهجماتِ التي استهدفتهَا في وقتٍ سابقٍ. ويوفرُ هذا الحقلُ المهمُ الجزءَ الأكبرَ من إنتاجِ الغازِ الإيرانيِّ، ويُغذِي محطاتِ الكهرباءِ والصناعاتِ البتروكيميائيّةِ والاستهلاكِ المحلي، في وقتٍ تنتجُ فيه طهرانُ نحو 276 مليار مترٍ مكعبٍ من الغازِ سنويًا، يُستهلكُ معظمُهُ داخلَ البلادِ. وفي انتظارِ ما ستؤولُ إليهِ الأمورُ بين طرفيّ النزاعِ، تستمرُ الانعكاساتُ لما جرَى على الدولِ الخليجيّةِ. إذ كشفَت النيابةُ العامةُ البحرينيّةُ، جانبًا من نتائجِ التحقيقِ في قضيةِ التنظيمِ الرئيسيِّ المرتبطِ بـ"الحرسِ الثوريِّ" الإيرانيِّ، مشيرةً إلى أنها باشرَت استجوابَ المتهمينَ الـ41 المقبوضِ عليهِم، في حضورِ محامِي بعضهم، وأمرَت بحبسهِم احتياطيًا على ذمةِ التحقيقِ.

في الأحداثِ الأخرى، برزَ اتصالُ الرئيس السوري أحمد الشرع بنظيرِهِ الأميركيِ، الذي جرَى خلالَهُ بحثَ العلاقاتِ الثنائيةِ بين البلدينِ. لكن هذه المكالمةَ حملَت أبعادًا أخرى، مع تشديدِ الشرعِ على ضرورةِ رفعِ ما تبقَى من العقوباتِ، باعتبارِهِ يُمثّلُ "خطوةً أساسيّةً لتمكينِ الاقتصادِ السوريِّ من استعادةِ نشاطِهِ وتحسينِ الظروفِ المعيشيّةِ للمواطنينَ"، إضافةً إلى "تشجيعِ الاستثماراتِ وتهيئةِ البيئةِ المناسبةِ لعودةِ المشاريعِ الاقتصاديةِ والتنمويةِ إلى مختلفِ القطاعاتِ الحيويةِ". وتجهدُ دمشقُ لاستعادةِ دورِهَا الاقتصاديِّ وطيِّ صفحة الماضي، مستفيدةً من الدعمِ العربيِّ والإقليميِّ. وفي السياقِ عينِهِ، حسمَ الرئيسُ ترامب الجدلَ الكبيرَ بإعلانِهِ أن سفيرَ واشنطن لدى تركيا توم برّاك سيُعيّنُ مبعوثًا رئاسيًا خاصًا لكلٍّ من سوريا والعراق، بعد يومٍ من إعلانِ وزيرِ الخارجيةِ ماركو روبيو عن انتهاءِ مهمتِهِ كمبعوثٍ خاصٍ لسوريا. وعبرَ تولِّيهِ ثلاثة ملفاتٍ ضخمةٍ ومرتبطةٍ بعضها ببعضٍ يتّضحُ الدورُ المركزيُّ الذي يُسلَّمُ إلى برّاك في هذه المرحلةِ الدقيقةِ، التي تشهدُ أيضًا تحولاتٍ كبيرةٍ في العراق، مع وضعِ ملفِ الفصائلِ المسلحةِ المواليةِ لإيرانَ على الطاولةِ بضغطٍ من واشنطنَ.

فلسطينيًا، أُصيب 3 إسرائيليينَ، مساء الأحد، في عمليةِ دهسٍ عند مفترقِ غوش عتصيون جنوبِ الضفةِ الغربيةِ، بينمَا أعلنَت وزارةُ الصحةُ الفلسطينيّةُ استشهادَ شابٍ برصاصِ قواتِ الاحتلالِ في موقعِ الحادثِ جنوبي بيت لحم. وتعاني الضفةُ المحتلةُ كما قطاعُ غزّة من أيامٍ صعبةٍ نتيجةَ ارتفاعِ وتيرةِ العنفِ والاستيطانِ، وخرقِ العدوِ اتفاقَ وقفِ النارِ في القطاعِ المنكوبِ، وسطَ تحذيراتٍ من سوءِ الوضعِ الإنسانيَّ. فيما حمّلَت حركةُ "حماس" المديرَ التنفيذيَ لمجلسِ السلامِ، نيكولاي ملادينوف، مسؤوليةَ التصعيدِ المتفاقمِ في غزّة. وطالبتهُ بوقفِ ما وصفَتهُ بالـ"تحريضِ" ضد القطاعِ والحركة، والالتزامِ بخطةِ وقفِ الحربِ من دونِ إدخالِ تعقيداتٍ جديدةٍ.

في الجولةِ الصباحيّةِ على الصحفِ العربيّةِ الصادرةِ اليوم، تركيزٌ على أهم ما جاء فيها:

اعتبرت صحيفة "الغد" الأردنية أن "أهمية الحضور القطري في المفاوضات بين واشنطن وطهران يعكس رغبة خليجية قوية في تجنب استئناف الحرب بأي ثمن، إلا أن ما تسرب من تفاصيل عن مذكرة التفاهم المقترحة للتوقيع بين الجانبين الإيراني والأميركي، لا يأتي من قريب أو بعيد على ذكر أي ضمانات أمنية للدول العربية أو الخليجية من استهدافات طهران وأذرعها، خاصة في العراق". وقالت: "طوال أسابيع الحرب الأخيرة، لم تظهر واشنطن أي حساسية تجاه أمن دول الخليج العربي. وقليلة هي المرات التي جاءت فيها المواقف الأميركية على ذكر أمن وسيادة دول الخليج كشرط رئيسي من شروط وقف الحرب. فإذا استبعدت مذكرة التفاهم مثل هذا البند حقا، فإن جسرًا تاريخيًا من التحالف بين واشنطن ودول الخليج، سيكون مهددًا بالانهيار".

صحيفة "الرياض" السعودية، من جانبها، رأت أن "سلوك الرئيس ترامب عندما زج بفكرة التطبيع مع إسرائيل في خضم حرب إقليمية شكل في واقعه "انحرافًا استراتيجيًا" كما يقول ذلك منتقدو ترمب في واشنطن، وقد تبدو الفكرة أنها بديل مباشر يعكس واقع الحرب وطبيعتها ضد إيران ونتائجها، وهذا ما أفقد فكرة التطبيع مكانتها عندما طرحت في خضم حرب مشتعلة تتجاوز أبعادها محيط الشرق الأوسط". وأضافت أن "هذه ليست المحاولة الأولى التي تهدف أميركا من ورائها إلى فرض إسرائيل على المنطقة دون أن تطلب من تل أبيب أن تقدم ثمنًا لذلك، المختلف في هذا العرض الأميركي هو خطورة الطريقة التي قدمت بها أميركا فكرة التطبيع الذي يتنقل مع الرئيس ترامب من مرحلة البحث عن السلام إلى فرض العلاقات السياسية عبر القوة من خلال معادلة سياسية وهمية في حقيقتها ومن خلال بيع صفقة إلى إسرائيل دون ثمن".

وكتبت صحيفة "الأهرام" المصرية أنه "لم يأخذ أحد، بما في ذلك الأميركيون أنفسهم، تصريحات ترامب ضد عُمان على محمل الجدية، رغم ما أثارته من جدل واسع؛ لأن عُمان واحدة من أكثر دول العالم، وليس الخليج فحسب، التى حافظت على علاقات وثيقة مع الجميع وتتفهم مواقفهم، وتبقى قنوات اتصالاتها مفتوحة على كل الجبهات، ولأن عُمان لم تكن يومًا خصمًا مباشرًا للأميركيين، بل لعبت دور الوسيط الهادئ الذى يبقى أبواب التفاوض مفتوحة فى أكثر اللحظات توترًا بين واشنطن وطهران". وأضافت أنه "اللافت أن الخطاب الترامبي لم يُعد يكتفي بإظهار القوة العسكرية، بل بات يعتمد على لغة الصدمة والابتزاز السياسى، فالرئيس الأميركي يدرك أن مضيق هُرمز لم يعد مجرد ممر مائي، بل أصبح عنوانًا للصراع على شكل النظام الإقليمي المقبل، ومن هنا جاءت تصريحاته بأن الولايات المتحدة "ستتولى حراسة المضيق"، في إشارة تكشف عقلية تعتبر أمن المنطقة ملفًا أميركيًا خالصًا، حتى لو تعارض ذلك مع سيادة الدول المطلة عليه!".

(رصد "عروبة 22")

يتم التصفح الآن