صحافة

بحسب ابن خلدون... بالحرب أو من دونها تبقى إيران في قلب التحولات العاصفة

سمير التقي

المشاركة
بحسب ابن خلدون... بالحرب أو من دونها تبقى إيران في قلب التحولات العاصفة

لا تحتاج التحولات الجارية في إيران الى "حدثٍ درامي قاطع"! يكفي أن تتبدّل حوافز الحكم من الداخل، وأن تتآكل روافع الضبط القديمة، وأن تتقدّم أسئلة الخلافة والشرعية على أسئلة الإدارة اليومية. سواء نجت طهران من حربٍ واسعة عبر تنازلاتٍ محسوبة، أم انزلقت إلى مواجهةٍ طويلة مع الولايات المتحدة وإسرائيل، فإنها تقف أمام ضغوطٍ بنيوية: اقتصادٌ سياسي متوتّر، شرعية أداء تتراجع، وائتلافٌ حاكم تتزايد فيه الفيتوات. لا يشير ذلك إلى انهيارٍ وشيك بقدر ما يشير إلى انتقالٍ من طورٍ إلى طور.

يذكرنا ابن خلدون المنظر الأول لدورة حياة الدول، فمن قيام الملك بـ"العصبية"، وحينما استنفذت الدولة إذا استنفدت طاقة التأسيس، تتحول من مشروعٍ جامع إلى ماكينة لحماية الامتيازات. فـ"الظلم مؤذن بخراب العمران". لا ينهار العمران فجأةً، يبدأ أولاً بالانكماش: تضيق الثقة، تتسع الجباية، ويختنق المجال العام.

تُظهر الجمهورية الإسلامية ملامح "استبدادٍ ناضج"، فبعد السرديات الثورية الطائفية، ووعد المقاومة وطهارة الحكم، فعل الزمن فعلَه، وتحولت البيروقراطية الثورية إلى شبكات محسوبيات، وتحول مركز الثقل من تصدير الثورة إلى حماية مراكز الحكم. لتصير الأيديولوجيا أداة فرزٍ للولاء، وتبريرٍ للقمع أكثر منها وعداً بالخلاص وليس مشروعاً اجتماعياً تحويلياً. وفي المقابل، صعد داخل النظام "كارتل" أمني–اقتصادي أوضح: مؤسسات شبه حكومية، رأسمالية دولة احتكارية، ومصالح تجارية تُدار بمنطق الحصص لا بمنطق السوق.

في مثل هذا البناء، لا يعود الوعد السياسي عقداً قابلاً للتنفيذ، بل يصبح بياناً قابلاً للنقض. إذ لم يعد النظام قادراً على الوفاء داخلياً وخارجياً. وإذ تتكاثر مراكز القرار، وتتباين تفضيلات الفاعلين: أمنيون يرون في التشدد ضماناً، متشددون أيديولوجيون يكرهون التسويات، محتكرون اقتصاديون يخشون إصلاحاً يهدد الريع، وشبكات دينية تحسب شرعيتها من استمرار "حالة الاستثناء". ليتضح مبرر التذبذب الإيراني: مرونة تكتيكية يعقبها تراجع، "محادثات" تتلوها موجة تصعيد، اعتدال لفظي يعقبه تشديدٌ أيديولوجي. ليس هذا سلوكاً عشوائياً بل هو "سلوك توازن" داخل تحالفٍ سلطوي مجزّأ يحاول البقاء تحت ضغوط هائلة.

يُسرّع الاقتصاد هذا الانتقال. يضغط التضخم وتراجع العملة واحتكاك العقوبات على "العقد الاجتماعي الضمني"، خصوصاً مع فئات أعمالٍ لعبت تاريخياً دور الوسيط الحذر بين الدولة والمجتمع. في الاستبداد، تكون الأرقام أدوات حكم. حينما تستطيع الدولة توفير حدٍّ أدنى من التنبؤ، يقبل كثيرون "التكيّف الهادئ". وحينما تُفقد القواعد ويتمدّد الجشع، يتحول الاقتصاد إلى حقل تحوّط: هروب رأس مال، توسّع أسواق غير رسمية، إضرابات متقطعة، أو مقاومة مخفوضة الوتيرة.

يقول ابن خلدون: "الملك بالجند، والجند بالمال، والمال بالخراج، والخراج بالعمارة، والعمارة بالعدل". فإذا اختلّت حلقة العدل، اختلّت السلسلة كلها، وتحوّل المال إلى غنيمة لا إلى مورد. دارت معدلات التضخم في السنوات الأخيرة حول 30–50%، فتآكلت الأجور بسرعةٍ تفوق قدرة الأسر على التكيّف، وفقد الريال أكثر من تسعة أعشار قيمته منذ إعادة تشديد العقوبات عام 2018.

وتكشف الأرقام حدود "اقتصاد المقاومة"، ذلك أن ريع حوالى مليون ونصف مليون برميل من النفط يومياً، لا يكفي لردم فجوة الاستثمار لتهدئة سوق العمل، لتستقر البطالة الرسمية قرب 8–10%، فيما تقضّ بطالة الشباب مضاجع القرار. يذلك تنهار علاقة "التسامح مقابل امتثال" البازار لتصير علاقةَ مساومةٍ يومية: تاجرٌ يحتمي بالمضاربة، وصناعيٌ يهرب إلى الاستيراد، ومستثمرٌ مكبل بعدم اليقين. "فإذا اتسعت الجباية واضطربت القواعد، انكمش العمران قبل أن يعلن خرابه".

ثم تأتي الصدمات الأمنية الداخلية والخارجية لتقوّض شرعية الردع. فتنهار السرديات الكبرى عن المقاومة، العمق الاستراتيجي، ووعد بأن التضحية تحمي الوطن. وتفضح السرديات وتتضاعف الخسائر؛ فلقد سرّعت صدمة حرب الـ12 يوماً شروخٍ الكفاءة والصمودالدفاعية. ليتبلور الصراع داخل النظام ذاته بين تصعيدٍ أشدّ لاستعادة الردع، أو مساومةً براغماتية تجتنب التفكك ليصر الخطر الخارجي نزاع على شرعية الداخل. وبدورها، تصير مسألة خلافة خامنئي تتضافر مع تحولات الحاضر. إذ لا تُختزل الخلافة بأسماء، بل بإعادة توزيع السلطاتٍ والمكاسب والحصانات، ما يعمق عدم اليقين ويضعف القدرة على اجتراح الصفقات داخل نظام الحكم.

في هذا لامناخ يتحوط البازار بشبكاتٍ بديلة، تستولي البيروقراطية على المؤسسات، ويزيد الضغط الخارجي خطورة اللعبة. دولياً، تفاوض إيران مُثقلة بمعضلة الشك والالتزام بين الطرفين. فيصعب الاتفاق "النظيف" حتى حينما يفضّله الطرفان على الحرب. ومع غياب ضمان التنفيذ، تميل الاستراتيجيات إلى المواجهة: إكراهٌ لمنع الغش، ومقاومةٌ لمنع الاستغلال. والنتيجة ليست لعبةً واحدة، بل سلسلة ألعابٍ متكررة تُعيد تشكيل الداخل الإيراني: تتجه الموارد إلى الأجهزة، تتسع الحوكمة الطارئة، ويُعاد تنظيم الاقتصاد حول الصمود والتفافات العقوبات. حتى إذا لم تقع الحرب، يكفي توقّعها كي تتعمق عسكرة الاقتصاد السياسي.

يفترق المسار عند نقطتين كبيرتين. يفتح مسار التهدئة والتنازلات باب تحولٍ داخلي لا يعد بالديموقراطية، بل بإعادة توازنٍ داخل الائتلاف: مساحة أكبر للتقنيين والبراغماتيين وخطابٌ أيديولوجي دفاعي خافت ليضيق "تصدير الثورة". يشتري هذا المسار وقتاً لإدارة الخلافة وتخفيف الاحتقان لكنه يزيد التناقضات عمقاً.

أما مسار الحرب الطويلة، فسيجري تحت النار، وتحت تصلب النخب فيغدو الانتقام وسيلة حفظ السمعة والسردية الثورية، فيما تستنزف الحرب البنية التحتية وتفجّر الاحتقان. ينشأ فخّ التصعيد المتبادل: وكي لا يبدو كل طرف ضعيفاً، تصير التسوية أصعب. قد ينجح النظام موقتاً في الحشد "حول العلم"، لكن الحرب تفضح أيضاً إخفاقات الحكم وتزيد المظالم. يُرجّح هذا المسار انتقالاً من استقرارٍ سلطوي إلى استقرارٍ متنازع عليه: طوارئ ممتدة، وتزيد القيم الاسمية في الاقتصاد: لومٌ متبادل ومنافسةٌ خشنة داحل السلطة وخارجها.

تقف إيران بين احتمالين للتحول: فإن استعاد النظام توازناً اقتصادياً مستقراً ومرت الخلافة بسلاسةٍ من دون تفكيك الائتلاف، وأُعيد بناء الردع من دون تكلفة داخلية، يدخل النظام الإيراني عهد التحول الداخلي العميق. وإن تفاقم احتُكار الاقتصاد بيد الشبكاتٍ الأمنية، وتحوّل الخطاب من "رسالة الثورة" وإن تكررت اضطرابات قطاع الأعمال مع صدمات العملة، تدخل إيران في التحول الأصعب. لا تقف إيران إذاً على مفترق طريقٍ واحدة، بل تدخل عصراً جديداً يتداعي فيه التوازن القديم.

ليبقى السؤال: هل يُدار التحول في إيران بما يحفظ "العمران"، أم تتسع فيها الجباية والجشع حتى يُصبح الخراب نتيجةً لا قراراً؟

(النهار اللبنانية)
?

برأيك، ما هو العامل الأكثر تأثيرًا في تردي الواقع العربي؟





الإجابة على السؤال

يتم التصفح الآن