اقتصاد ومال

الزِراعةُ التَّعاقُدِيَّة! نِظامٌ فَعّالٌ لِتَوْفيرِ المَحاصيلِ الاسْتراتيجِيَّةِ وَمُدْخَلاتِ التَّصْنيعِ الزِّراعِيِّ العَرَبيّ

تُعَدُّ الزِّراعةُ التَّعاقُدِيَّةُ إِحْدى أَهَمِّ النُّظُمِ الحَديثَةِ الَّتي تَهْدِفُ إِلى تَنْظيمِ العَلاقةِ بَيْنَ المُزارِعينَ وَالأَسْواقِ الزِّراعِيَّة، وَذَلِكَ مِنْ خِلالِ عُقودٍ مُسْبَقَةٍ تَضْمَنُ الإِنْتاجَ وَالتَّسْويقَ وَالجَوْدَة. فَمَعَ التَّحَدِّياتِ الَّتي تُواجِهُ القِطاعَ الزِّراعِيَّ في الوَطَنِ العَرَبيِّ مِثْلَ نُدْرَةِ المِياه، وَضَعْفِ التَّسْويقِ وَتَقَلُّبِ الأَسْعارِ أَصْبَحَ دَوْرُ الحُكوماتِ مِحْوَرِيًّا في دَعْمِ وَتَشْجيعِ هَذا النِّظامِ الَّذي يُحَقِّقُ الاسْتِقْرارَ الزِّراعِيَّ وَيُعَزِّزُ الأَمْنَ الغِذائيّ.

الزِراعةُ التَّعاقُدِيَّة! 
نِظامٌ فَعّالٌ لِتَوْفيرِ المَحاصيلِ الاسْتراتيجِيَّةِ وَمُدْخَلاتِ التَّصْنيعِ الزِّراعِيِّ العَرَبيّ

الزِّراعَةُ التَّعاقُدِيَّةُ هِيَ نِظامٌ يُعْقَدُ فيهِ اتِّفاقٌ مُسْبَقٌ بَيْنَ المُزارِعينَ وَجِهاتِ الشِّراءِ وَالتَّسْويقِ مِثْلَ شَرِكاتِ التَّصْنيعِ الغِذائيِّ أَوِ المُصَدِّرينَ أَوِ الجِهاتِ الحُكومِيَّةِ المَسْؤولةِ عَنْ تَوْفيرِ السِّلَعِ الأَساسِيَّةِ وَالاسْتراتيجِيَّة، بِحَيْثُ يَلْتَزِمُ المُزارِعُ بِإِنْتاجِ مَحْصولٍ مُعَيَّنٍ وِفْقَ شُروطٍ مُحَدَّدَةٍ في مُقابِلِ الْتِزامِ الجِهةِ المُتَعاقدَةِ بِشِراءِ هَذا المُنْتَجِ بِسِعْرٍ أَوْ آليَّةِ تَسْعيرٍ مُتَّفَقٍ عَلَيْها مُسْبَقًا بِناءً عَلى نَوْعِ المَحْصول، كَمِّيَّةِ الإِنْتاج، مَعاييرِ الجَوْدَةِ وَمَواعيدِ التَّسْليم.

وَمِنْ أَهَمِّ مُميِّزاتِ الزِّراعةِ التَّعاقُدِيَّةِ لِلْمُزارِعينَ أَنَّها تُسْهِمُ في تَقْليلِ مَخاطِرِ تَقَلُّبِ الأَسْعارِ الَّتي قَدْ تُلْحِقُ الضَّرَرَ بِالمُزارِعِ وَتُوَفِّرُ سوقًا ثابِتَةً وَمُسْتَقِرَّةً لِلْمُنْتَجاتِ الزِّراعِيَّةِ وَتُقَلِّلُ مِنْ فَواقِدِ ما بَعْدَ الحَصادِ وَتَدْعَمُ سَلاسِلَ الإِمْدادِ الزِّراعِيّ.

وَتَكْتَسِبُ الزِّراعةُ التَّعاقُدِيَّةُ أَهَمِّيَّةً خاصَّةً في العَديدِ مِنَ الدُّوَلِ العَرَبِيَّةِ بِسَبَبِ نُظُمِ التَّسْويقِ الزِّراعِيَّةِ التَّقْليدِيَّةِ وَتَذَبْذُبِ الأَسْعارِ وَالحاجَةِ إِلى ضَمانِ جَوْدَةِ المُنْتَجاتِ الزِّراعِيَّةِ المُوَجَّهَةِ إِلى التَّصْدير.

كل نُظُم الزراعة التعاقدية تُحقّق مميّزات عديدة لكل من المزارع والجهات المتعاقدة

وَتَتَنَوَّعُ نُظُمُ الزِّراعةِ التَّعاقُدِيَّةِ حَيْثُ تَشْمَلُ التَّعاقُدَ الكامِل، وَفي هَذا النِّظامِ تُوَفِّرُ الشَّرِكَةُ المُتَعاقِدَةُ المُدْخَلاتِ الزِّراعِيَّةَ لِلْمَحْصولِ المُتَعاقَدِ عَلَيْهِ مِنْ بُذورٍ مُحَسَّنَةٍ وَأَسْمِدَةٍ وَآلاتٍ وَتَقومُ الشَّرِكَةُ بِشِراءِ الإِنْتاجِ بِالكامِل.

وَهُناكَ التَّعاقُدُ الجُزْئِيُّ حَيْثُ يُوَفِّرُ المُزارِعُ جُزْءًا مِنَ المُدْخَلاتِ الزِّراعِيَّةِ وَتَقومُ الشَّرِكَةُ المُتَعاقِدَةُ بِتَحْديدِ المُواصَفاتِ المَطْلوبةِ في المُنْتَجِ فَقَط، أمََّا التَّعاقُدُ الحُرُّ فَيَعْتَمِدُ فَقَطْ عَلى الِاتِّفاقِ عَلى سِعْرِ المُنْتَجِ طِبْقًا لِمُواصَفاتٍ مُحَدَّدَةٍ مِنْ دونِ التَّدَخُّلِ في العَمَلِيَّةِ الإِنْتاجِيَّة. وَكُلُّ تِلْكَ النُّظُمِ تُحَقِّقُ مُميِّزاتٍ عَديدَةً لِكُلِّ مِنَ المُزارِعِ وَالجِهاتِ المُتَعاقدَة، حَيْثُ تُوَفِّرُ دَخْلًا ثابِتًا لِلْمُزارِعِ مِنْ خِلالِ بَيْعِهِ لِلْمَحْصولِ بِالكامِلِ بَيْنَما تَضْمَنُ لِلشَّرِكاتِ المُتَعاقِدَةِ جَوْدَةَ وَكَمِّيَّةَ المُنْتَجِ وَمُطابَقَتَهُ لِلْمُواصَفاتِ الَّتي تَتَطَلَّبُها السّوقُ المَحَلِّيَّةُ، أَوْ لِلْتَّصْدير، وَكَذلِكَ مَصانِعُ إِنْتاجِ الأَغْذِيَة.

وَعَلى مُسْتَوى الدَّوْلَة، تَلْعَبُ الزِّراعةُ التَّعاقُدِيَّةُ دَوْرًا مُهِمًّا في تَوْفيرِ وَتَأْمينِ المَحاصيلِ الزِّراعِيَّةِ الاسْتراتيجِيَّةِ مِثْلَ القَمْح، وَالأَرُز، وَالذُّرَة، وَالبَنْجَرِ وَقَصَبِ السُّكَّر، وَكَذلِكَ مَحاصيلِ إِنْتاجِ الزُّيوتِ النَّباتِيَّةِ الَّتي تُعْتَبَرُ مِنْ أَهَمِّ رَكائِزِ الأَمْنِ الغِذائيِّ في المِنْطَقَةِ العَرَبِيَّة.

فَعلى الرَّغْمِ مِنْ أَهَمِّيَّةِ هذِهِ المَحاصيل، تُعاني العَديدُ مِنَ الدُّوَلِ العَرَبِيَّةِ مِنْ نَقْصٍ شَديدٍ في إِنْتاجِها نَتيجَةَ تَوَجُّهِ المُزارِعينَ إِلى زِراعةِ مَحاصيلَ أُخْرى تَتَمَيَّزُ بِسُهولةِ التَّسْويقِ وَارْتِفاعِ الأَرْباحِ مِثْلَ الخُضارِ وَالفاكِهَةِ مِمّا يُؤَدّي إِلى اسْتيرادِ هذِهِ المَحاصيلِ الاسْتراتيجِيَّةِ مِنَ الخارِجِ بِأَسْعارٍ مُرْتَفِعَةٍ وَبِشَكْلٍ قَدْ يَضْغَطُ عَلى احْتِياطيّاتِ العُمُلاتِ الصَّعْبَةِ وَقَدْ لا تَتَوافَرُ هذِهِ السِّلَعُ أَحْيانًا نَتيجَةً لِلأَزَماتِ العالَمِيَّةِ وَالحُروب.

وَمِنْ هُنا أَصْبَحَتِ العَديدُ مِنَ الدُّوَلِ العَرَبِيَّةِ في حاجَةٍ ماسَّةٍ إِلى نِظامِ الزِّراعةِ التَّعاقُدِيَّةِ كَأَداةٍ تَنْظيمِيَّةٍ وَاقْتِصادِيَّةٍ تَهْدِفُ إِلى زِيادَةِ الإِنْتاجِ المَحَلّيِّ وَتَوْفيرِ المَحاصيلِ الاسْتراتيجِيَّةِ بِشَكْلٍ مُسْتَقِرٍّ مِنْ خِلالِ رَبْطِ المُزارِعينَ مُباشَرَةً بِالاحْتِياجاتِ الفِعْلِيَّةِ لِلأَسْواقِ المَحَلِّيَّةِ وَالشَّرِكاتِ وَالمَصانِعِ وَكَذلِكَ احْتِياجاتِ الدَّوْلَةِ الوَطَنِيَّةِ بِهَدَفِ تَأْمينِ وَتَعْزيزِ أَمْنِها الغِذائيّ.

وَتَلْعَبُ الزِّراعةُ التَّعاقُدِيَّةُ أَيْضًا دَوْرًا مُهِمًّا في قِطاعِ التَّصْنيعِ الزِّراعِيّ، فَمِنْ خِلالِ تَطْبيقِ نِظامِ الزِّراعةِ التَّعاقُدِيَّةِ تَضْمَنُ المَصانِعُ تَدَفُّقًا مُسْتَمِرًّا لِلْمَوادِّ الخامِ الزِّراعِيَّةِ كَما تَضْمَنُ جَوْدَةَ تِلْكَ المَوادِّ وَمُطابَقَتَها لِلْمُواصَفاتِ وَمَعاييرِ الجَوْدَةِ اللّازِمَةِ لِعَمَلِيّاتِ التَّصْنيع، بِالإِضافَةِ إِلى دَوْرِها في تَقْليلِ الفَواقِدِ النّاتِجَةِ عَنْ فائِضِ العَرْضِ أَوْ ضَعْفِ التَّسْويقِ المُباشِرِ مِمّا يَعْني تَحَوُّلَ القِطاعِ الزِّراعِيِّ مِنَ الإِنْتاجِ غَيْرِ المُنْتظِمِ إِلى الإِنْتاجِ المُوَجَّهِ الَّذي يَخْدِمُ احْتِياجاتِ كُلٍّ مِنَ الأَسْواقِ المَحَلِّيَّةِ وَالمَصانِعِ الَّتي تَحْتاجُ إِلى اسْتِقْرارِ خُطوطِ الإِنْتاجِ وَتَفادي عَمَلِيّاتِ التَّوَقُّفِ نَتيجَةَ النَّقْصِ في الخامّات، الأَمْر الَّذي بِدَوْرِهِ يُوَفِّرُ السِّلَعَ لِلْمُسْتَهْلِكينَ وَيَحُدُّ مِنَ الحاجَةِ إِلى الِاسْتيرادِ لِلعَديدِ مِنْ تِلْكَ المُنْتَجات. كَما يَدْعَمُ فُرَصَ التَّصْديرِ الَّذي يُعَدُّ أَحَدَ أَهَمِّ مَصادِرِ الدَّخْلِ القَوْمِيِّ لِلْعَديدِ مِنَ الدُّوَلِ العَرَبِيَّةِ الَّتي تَعْتَمِدُ اقْتِصاداتُها بِشَكْلٍ كَبيرٍ عَلى تَصْديرِ الحاصِلاتِ الزِّراعِيَّةِ سَواءً في صورَتِها المُباشِرَةِ أَوِ المُصَنَّعَة.

وَمَعَ زِيادَةِ المُنافَسَةِ في الأَسْواقِ العالَمِيَّةِ وَارْتِفاعِ مُتَطَلَّباتِ الجَوْدَة، أَصْبَحَتِ الزِّراعةُ التَّعاقُدِيَّةُ شَديدَةَ الأَهَمِّيَّةِ لِتَنْظيمِ عَمَلِيَّةِ الإِنْتاجِ الزِّراعِيِّ وَرَبْطِهِ مُباشَرَةً بِاحْتِياجاتِ الأَسْواقِ العالَمِيَّةِ حَيْثُ تَفْرِضُ العُقودُ الزِّراعِيَّةُ مَعاييرَ جَوْدَةٍ تَتَوافَقُ مَعَ مُتَطَلَّباتِ الأَسْواقِ الخارِجِيَّةِ كَشَرْطٍ أَساسِيٍّ لِلْتَّعاقُدِ مِمّا يَزيدُ مِنْ فُرَصِ التَّسْويقِ وَالمُنافَسَةِ وَضَمانِ التَّوْريدِ المُسْتَمِرِّ لِلْمُنْتَجاتِ الَّذي يَدْعَمُ بِناءَ سُمْعَةٍ قَوِيَّةٍ لِلشَّرِكاتِ المُصَدِّرَةِ تُسَهِّلُ الدُّخولَ إِلى الأَسْواقِ العالَمِيَّةِ نَتيجَةً لِتَحَسُّنِ سَلاسِلِ الإِمْدادِ وَالِالْتِزامِ بِمَعاييرِ الجَوْدَةِ وَالسَّلامَة.

الزراعة التعاقدية ستقوم بدور إيجابي وفعّال في المستقبل القريب

وَهُناكَ العَديدُ مِنَ الدُّوَلِ العَرَبِيَّةِ الَّتي بَدَأَتْ في تَطْبيقِ نُظُمِ الزِّراعةِ التَّعاقُدِيَّةِ مِثْلَ مِصْرَ وَالمَغْرِبِ وَبَعْضِ دُوَلِ الخَليج، وَهُوَ ما أَدّى إِلى زِيادَةِ قيمَةِ صادِراتِ العَديدِ مِنْ مَحاصيلِ الخُضارِ وَالفاكِهَةِ وَالمَوْالحِ وَالتُّمورِ وَكَذلِكَ النَّباتاتِ الطِّبِّيَّةِ وَالعِطْرِيَّةِ إِلى الأَسْواقِ الأوروبِّيَّةِ وَالآسْيَوِيَّة.

وَعَلى الرَّغْمِ مِنْ تِلْكَ التَّجارِبِ المَحْدودَة، ما زالَتِ الزِّراعةُ التَّعاقُدِيَّةُ في حاجَةٍ إِلى الدَّعْمِ المُسْتَمِرِّ لِلتَّغَلُّبِ عَلى التَّحَدِّياتِ الَّتي تُواجِهُها، مِثْلَ ضَعْفِ القَوانينِ المُنَظِّمَةِ وَعَدَمِ ثِقَةِ المُزارِعينَ في العُقودِ وَصُعوبةِ الِالْتِزامِ بِمَعاييرِ الجَوْدَةِ نَتيجَةَ ضَعْفِ البُنْيَةِ التَّحْتِيَّة.

وَمِنَ المُتَوَقَّعِ أَنْ تَقومَ الزِّراعةُ التَّعاقُدِيَّةُ بِدَوْرٍ إيجابِيٍّ وَفَعّالٍ في المُسْتَقْبَلِ القَريب، وَذَلِكَ بِسَبَبِ الحاجَةِ إِلى تَنْظيمِ الأَسْواقِ وَدُخولِ الشَّرِكاتِ الكُبْرى في القِطاعِ الزِّراعِيِّ وَدَعْمِ الحُكوماتِ العَرَبِيَّةِ لِلتَّحَوُّلِ الزِّراعِيِّ الحَديثِ مِنْ خِلالِ دَمْجِ التِّكْنولوجيا في إِدارَةِ العُقودِ الزِّراعِيَّةِ وَالتَّوَجُّهِ نَحْوَ ضَمانِ اسْتِمْرارِيَّةِ الإِمْداداتِ الغِذائيَّةِ وَدَعْمِ الاسْتِقْرارِ في قِطاعاتِ التَّسْويقِ المَحَلّيِّ وَالدَّوْليّ.

(خاص "عروبة 22")

يتم التصفح الآن