اقتصاد ومال

إلى أيْنَ يَتَّجِهُ اقتصادُ دُوَلِ مجلِسِ التعاوُنِ الخَليجِيّ؟

عِنْدَما تَضَعُ الحَرْبُ الَّتي تَشْمَلُ الوِلاياتِ المُتَّحِدَةَ وَإِسْرائيلَ وَإيرانَ أَوْزارَها، سَيَكونُ عَلى دُوَلِ الخَليجِ العَرَبِيَّةِ المُنْضَوِيَةِ في "مَجْلِسِ التَّعاوُنِ الخَليجِيِّ" مُواجَهَةُ واقِعٍ اقْتِصادِيٍّ جَديد. فَكَيْفَ سَتَتَمَكَّنُ هذِهِ الاقْتِصاداتُ مِنْ إِعادَةِ تَحْفيزِ النُّموّ، وَاسْتِعادَةِ الثِّقَة، وَالتَّمَوْضُعِ لِلْمَرْحَلَةِ المُقْبِلَةِ مِنَ التَّنْمِيَة؟[1].

إلى أيْنَ يَتَّجِهُ اقتصادُ دُوَلِ مجلِسِ التعاوُنِ الخَليجِيّ؟

تَأَثَّرَتِ الدُّوَلُ الخَليجِيَّةُ السِّتّ، بِصورَةٍ مُباشِرَةٍ وَغَيْرِ مُباشِرَة، بِالنِّزاع. وَيَتَمَثَّلُ الأَثَرُ الاقْتِصادِيُّ الأَكْثَرُ إِلْحاحًا في اضْطِرابِ تَدَفُّقاتِ السِّلَعِ الأَساسِيَّة. فَقُرابَةُ ثُلُثِ تِجارَةِ النَّفْطِ الخامِ المَنْقولَةِ بَحْرًا في العالَمِ تَمُرُّ عَبْرَ مَضيقِ هُرْمُز، إِلى جانِبِ خُمْسِ شحناتِ الغازِ الطَّبيعيِّ المُسال، وَ13% مِنْ تِجارَةِ المَوادِّ الكيميائِيَّةِ المَنْقولَةِ بَحْرًا، فَضْلًا عَنِ العَديدِ مِنَ السِّلَعِ الحَيَوِيَّةِ الأُخْرى. وَبِالتّالي، فَإِنَّ الكُلْفَةَ الاقْتِصادِيَّةَ النّاجِمَةَ عَنْ تَعَطُّلِ الصَّادِراتِ تُعَدُّ كَبيرَةً وَمَلْموسَة.

وَإِلى جانِبِ هذِهِ الخَسائِرِ المُباشِرَة، سَتَنْعَكِسُ تَداعِياتٌ غَيْرُ مُباشِرَةٍ على قِطاعاتِ السِّياحَةِ وَالعَقاراتِ وَالنَّقْلِ وَالخَدَماتِ بِشَكْلٍ عامّ. وَبَيْنَما يُتَوَقَّعُ أَنْ تَشْهَدَ مُعْظَمُ دُوَلِ مَجْلِسِ التَّعاوُنِ انْكِماشًا في النَّاتِجِ المَحَلِّيِّ الإِجْمالِيِّ يَتَراوَحُ ما بَيْنَ 5.2% و8.5%[2]، فَإِنَّ هذِهِ الدُّوَلَ تَمْتَلِكُ صَناديقَ سِيادِيَّةً ضَخْمَةً وَهَوامِشَ مالِيَّةً مُريحَة، وَإِمْكانِيَّةَ الوُصولِ إِلى أَسْواقِ رَأْسِ المال.

لَقَدْ تَشَكَّلَ مَسارُ الدَّخْلِ وَالاقْتِصادِ لِلْمِنْطَقَةِ خِلالَ العُقودِ الخَمْسَةِ الماضِيَةِ بِصورَةٍ رَئيسِيَّةٍ مِنْ خِلالِ التَّفاعُلِ بَيْنَ الثَّرْوَةِ النَّفْطِيَّةِ وَالنُّموِّ السُّكّانِيِّ السَّريع. فَقَدْ أَعْطَتِ الطَّفْرَةُ النَّفْطِيَّةُ في سَبْعينِيّاتِ القَرْنِ الماضي انْطِباعًا بِازْدِهارٍ دائِمٍ وَغَيْرِ مَحْدود. غَيْرَ أَنَّ التَّوَسُّعَ السُّكّانِيَّ كَشَفَ هَشاشَةَ نُموِّ دَخْلِ الفَرْدِ بِوَتيرَةٍ أَكْبَرَ مِمّا كانَ مُتَوَقَّعًا. وَكانَتِ النَّتيجَةُ انْكِماشًا حادًّا خِلالَ ثَمانينِيّاتِ وَتِسْعينِيّاتِ القَرْنِ الماضي، أَعْقَبَهُ تَعافٍ في العَقْدِ الأَوَّلِ مِنَ الأَلْفِيَّةِ الجَديدَة، لَكِنَّهُ تَبايَنَ لاحِقًا بَيْنَ دَوْلَةٍ وَأُخْرى (كَما يَظْهَرُ في الجَدْوَلِ أَعْلاه).

أجيال رقمية التكوين تحمل تطلُّعات لم يعد النموذج التقليدي قادرًا على تلبيتها

وَيَكْشِفُ هذَا النَّمَطُ عَنْ قَيْدٍ بَسيطٍ لَكِنَّهُ بالِغُ التَّأْثير: فَإيراداتُ النَّفْطِ قَدْ تَنمو، لَكِنَّها في نِهايَةِ المَطافِ تُوَزَّعُ عَلى عَدَدٍ سُكَّانِيٍّ يَتَزايَدُ باسْتِمْرار. وَمِنْ هُنا، لَمْ تَعُدِ التَّحْديثاتُ الاقْتِصادِيَّةُ وَالتَّنْويعُ وَالإِصْلاحاتُ المُؤَسَّسِيَّةُ مُجَرَّدَ خِيارات، بَلْ أَصْبَحَتْ ضَروراتٍ اقْتِصادِيَّة. وَلا يَظْهَرُ هذَا الضَّغْطُ بِوُضوحٍ في أَيِّ مَكانٍ كَما يَظْهَرُ بَيْنَ فِئَةِ الشَّبابِ الخَليجِيّ. فَمَعَ وُجودِ نَحْوِ 50% مِنَ السُّكّانِ دونَ سِنِّ الخامِسَةِ وَالعِشْرين، تَدْخُلُ إِلى سوقِ العَمَلِ أَجْيالٌ رَقْمِيَّةُ التَّكْوينِ تَحْمِلُ تَطَلُّعاتٍ لَمْ يَعُدِ النَّموذَجُ التَّقْليدِيُّ قادِرًا عَلى تَلْبِيَتِها، وَمِنْ هذَا المُنْطَلَق، فَإِنَّ القُوى الَّتي تُعيدُ تَشْكيلَ اقْتِصاداتِ الخَليجِ بِشَكْلٍ عامٍّ هِيَ قُوى هَيْكَلِيَّةٌ تَسْبِقُ النِّزاعَ الحالِيّ.

وَبِحُلولِ أَوائِلِ العَقْدِ الثَّاني مِنَ الأَلْفِيَّة، أَصْبَحَتْ هذِهِ الحَقيقَةُ واضِحَةً في السُّعودِيَّة. إِذْ أَشارَ تَباطُؤُ نُموِّ الدَّخْلِ إِلى أَنَّ النَّموذَجَ الاقْتِصادِيَّ السُّعودِيَّ لَمْ يَعُدْ قادِرًا عَلى تَحْقيقِ ازْدِهارٍ مُسْتَدام. وَلَمْ تَكُنْ "رُؤْيَةُ 2030" الَّتي أُعْلِنَتْ عامَ 2016 مُجَرَّدَ مَشْروعٍ طَموح، بَلِ اسْتِجابَةً هَيْكَلِيَّةً لِنِظامٍ اقْتِصادِيٍّ بَدَأَ يَبْلُغُ حُدودَه.

وَفي بُلْدانٍ أُخْرى مِنَ الخَليج، ظَهَرَتْ نَماذِجُ مُخْتَلِفَة. فَقَدِ اتَّجَهَتِ الإِماراتُ مُبَكِّرًا نَحْوَ تَنْويعِ اقْتِصادِها عَبْرَ التِّجارَةِ وَالخِدْماتِ اللّوجيسْتِيَّةِ وَالطَّيَرانِ وَالقِطاعِ المالِيّ، ما خَفَّفَ اعْتِمادَها عَلى دَوْراتِ النَّفْطِ وَحَقَّقَ نُموًّا أَكْثَرَ اسْتِقْرارًا في الدَّخْل. أَمّا قَطَر، فَسَلَكَتْ مَسارًا مُخْتَلِفًا مِنْ خِلالِ تَحْويلِ اقْتِصادِها عَبْرَ اسْتِثْماراتٍ ضَخْمَةٍ في الغازِ الطَّبيعيِّ المُسال، ما أَدّى إِلى قَفَزاتٍ اسْتِثْنائِيَّةٍ في نَصيبِ الفَرْدِ مِنَ النَّاتِجِ المَحَلِّيِّ الإِجْمالِيّ، وَإِنْ ضِمْنَ نَموذَجٍ لا يَزالُ مُرْتَبِطًا بِصُورَةٍ وَثيقَةٍ بِأَسْواقِ الطّاقَة. وَعَلى النَّقيض، رَكَّزَتِ الكُوَيْتُ إِلى حَدٍّ كَبيرٍ عَلى الحِفاظِ عَلى الثَّرْوَةِ بَدَلًا مِنْ إِعادَةِ هَيْكَلَةِ اقْتِصادِها، ما جَعَلَ نُموَّها أَكْثَرَ دَوْرِيَّةً وَأَقَلَّ دينَاميكِيَّة. أَمَّا البَحْرَيْنُ وَعُمان، وَفي ظِلِّ مَحْدودِيَّةِ مَوارِدِهِما الهيدْروكَرْبونِيَّة، فَقَدْ سَعَتا إِلى التَّنْويعِ الاقْتِصادِيِّ بِدافِعِ الضَّرورَة، وَإِنْ بِوَتيرَةٍ أَكْثَرَ تَدَرُّجًا. وَهكَذا، لَمْ تَعُدِ المِنْطَقَةُ تُعْرَفُ بِنَموذَجٍ اقْتِصادِيٍّ مُوَحَّد، بَلْ بِمَجْموعَةٍ مِنَ الاسْتراتيجِيّاتِ المُتَبايِنَةِ الَّتي تَفْرِضُها قُيودٌ مُشْتَرَكَة.

وَمَعَ ذلِكَ، يُمْكِنُ تَخْفيفُ هذِهِ القُيودِ مُسْتَقْبَلًا عَبْرَ مَجْموعَةٍ مِنَ السِّياساتِ المُخْتارَةِ وَالمُتَعَلِّقَةِ بِكُلٍّ مِنَ القِطاعِ النَّفْطِيِّ وَغَيْرِ النَّفْطِيّ:

* تَسْريعُ التَّنْويعِ الاقْتِصادِيّ: يَنْبَغي لِلْمِنْطَقَةِ مُواصَلَةُ تَوْسيعِ القِطاعاتِ غَيْرِ النَّفْطِيَّةِ مِثْلَ السِّياحَةِ وَالخِدماتِ اللّوجيسْتِيَّةِ وَالتَّمْويلِ وَالصِّناعاتِ التَّحْويلِيَّةِ المُتَقَدِّمَة. وَيَتَطَلَّبُ ذلِكَ تَعْزيزَ تَدَفُّقاتِ الاسْتِثْمارِ الأَجْنَبِيِّ المُباشِر، وَدَفْعَ التَّكامُلِ الإِقْليمِيِّ لِزِيادَةِ التِّجارَةِ البَيْنِيَّةِ الخَليجِيَّة. كَما يَسْتَدْعي تَعْميقَ الإِصْلاحاتِ المالِيَّةِ وَالتَّنْظيمِيَّة، بِحَيْثُ تُوَسِّعُ الحُكوماتُ قَواعِدَها الضَّريبيَّةَ (مِثْلَ ضَريبَةِ القيمَةِ المُضافَةِ وَضَريبَةِ الشَّرِكاتِ في الإِمارات)، مَعَ الاعْتِمادِ بِصورَةٍ أَكْبَرَ عَلى الصَّناديقِ السِّيادِيَّةِ لِتَحْفيزِ اسْتِثْماراتِ القِطاعِ الخاصِّ وَالشَّراكاتِ بَيْنَ القِطاعَيْنِ العامِّ وَالخاصّ.

على المنتجين تعظيم الاستفادة من خطوط الأنابيب البديلة القائمة وتوسعتها

* مُضاعَفَةُ الاسْتِثْمارِ في الذَّكاءِ الاصْطِناعِيِّ وَالتِّقْنيّاتِ المُتَقَدِّمَة: مِنْ أَجْلِ تَجاوُزِ مَراحِلِ التَّصْنيعِ التَّقْليدِيّ، يَتَعَيَّنُ عَلى دُوَلِ الخَليجِ مُواصَلَةُ الاسْتِثْمارِ بِكَثافَةٍ في البنْيَةِ التَّحْتِيَّةِ لِلْبَيانات، وَمَراكِزِ التَّمَيُّزِ في الذَّكاءِ الاصْطِناعِيّ، وَتِقْنِيّاتِ المُناخ. وَيَنْبَغي لِلْحُكوماتِ وَالصَّناديقِ الخاصَّةِ تَوْجيهُ رُؤوسِ الأَمْوالِ بِقُوَّةٍ نَحْوَ هذِهِ القِطاعاتِ بِهَدَفِ التَّحَوُّلِ إِلى مَراكِزَ عالَمِيَّةٍ لِلِابْتِكارِ الرَّقْمِيّ.

* تَجاوُزُ المَعابِرِ وَنِقاطِ الاخْتِناق: في ظِلِّ التَّقَلُّباتِ الأَمْنِيَّةِ في مَضيقِ هُرْمُز، يَتَعَيَّنُ عَلى المُنْتِجينَ تَعْظيمُ الاسْتِفادَةِ مِنْ خُطوطِ الأَنابيبِ البَديلَةِ القائِمَةِ وَتَوْسِعَتِها. فَعَلى سَبيلِ المِثال، تَسْتَخْدِمُ السُّعودِيَّةُ خَطَّ أَنابيبِ "شَرْق – غَرْب" لِنَقْلِ النَّفْطِ الخامِ مُباشَرَةً إِلى مَوانِئِ البَحْرِ الأَحْمَر، بَيْنَما تَعْمَلُ أَطْرافٌ إِقْليميَّةٌ عَلى دَمْجِ مَمَرِّ خَوْرَفَكانَ الدّاخِلِيِّ وَميناءِ الصَّجْعَةِ الجافِّ لِنَقْلِ البَضائِعِ عَبْرَ الإِماراتِ مِنْ دونِ الاعْتِمادِ الكامِلِ عَلى المَمَرّاتِ البَحْرِيَّةِ المُعَرَّضَةِ لِلْمَخاطِر.

المشاريع المشتركة مع شركات النفط الآسيوية تضمن لدول الخليج الحفاظ على حصّتها السوقية على المدى الطويل

* تَعْزيزُ الرَّوابِطِ مَعَ الطَّلَبِ الآسْيَوِيّ: يَنْبَغي لِدُوَلِ مَجْلِسِ التَّعاوُنِ مُواصَلَةُ تَحَوُّلِها الاسْتراتيجِيِّ نَحْوَ آسْيا النَّاشِئَة، لا سِيَّما الصِّين وَالهِنْد وَدُوَل "رابِطَةِ آسْيان". فَمِنْ خِلالِ إِنْشاءِ مَشاريعَ مُشْتَرَكَةٍ وَاسْتِثْماراتٍ عابِرَةٍ لِلْمَناطِقِ مَعَ شَرِكاتِ النَّفْطِ الوَطَنِيَّةِ الآسْيَوِيَّة، تَضْمَنُ دُوَلُ الخَليجِ الحِفاظَ عَلى حِصَّتِها السّوقِيَّةِ عَلى المَدى الطَّويل.

في نِهايَةِ المَطاف، وَكَما أَظْهَرَتِ الحَرْبُ الحالِيَّة، قَدْ يَبْقى القَيْدُ الأَكْبَرُ هُوَ القَيْدُ الأَمْنِيّ: كَيْفَ يُمْكِنُ تَجَنُّبُ تَكْرارِ حَرْبٍ مُماثِلَةٍ بِفِعْلِ قُوى إِقْليميَّةٍ مُهَيْمِنَةٍ وَمُزَعْزِعَةٍ لِلِاسْتِقْرارِ مِثْلَ إيران؟ إِنَّهُ سُؤالٌ بالِغُ الأَهَمِّيَّة، لَكِنَّهُ يَحْتاجُ إِلى مُعالَجَةٍ مُسْتَقِلَّةٍ وَمُتَخَصِّصَةٍ ضِمْنَ أَبْحاثٍ مُسْتَقْبَلِيَّةٍ مُنْفَصِلَة.



[1] اسْتَفادَ الجُزْءُ الأَوَّلُ مِنَ الوَرَقَةِ بِشَكْلٍ أَساسِيٍّ مِنَ التَّحْليلِ في: ك. عَزّام "بَعْدَ انْتِهاءِ الحَرْبِ مَعَ إيران، اقْتِصادُ الخَليجِ يَنْتَظِرُ المَرْحَلَةَ المُقْبِلَة"، المَجْلِسُ الأَطْلَسيّ، مايو/أَيّار 2026.

[2] راجِعْ: بَرْنامَجُ الأُمَمِ المُتَّحِدَةِ الإِنْمائِيّ، "التَّصْعيدُ في الشَّرْقِ الأَوْسَطِ يَقْلِبُ أَكْثَرَ مِنْ عامٍ مِنَ النُّموِّ الاقْتِصادِيِّ في مِنْطَقَةِ الدُّوَلِ العَرَبِيَّة". مارس/آذار 2026.

(خاص "عروبة 22")

يتم التصفح الآن