صحافة

"الإنسداد السياسي" يتفاقم في العراق

محمد السعيد إدريس

المشاركة

الخطوة المفاجئة التي اتخذتها حكومة تصريف الأعمال العراقية برئاسة محمد شيّاع السوداني، بإيداعها خرائط حدودية جديدة لدى الأمم المتحدة بشكل منفرد، من دون أي توافق أو حتى تنسيق مع الكويت، بقدر ما أثارت من ردود فعل كويتية غاضبة، وردود فعل خليجية داعمة للموقف الكويتي الرافض لهذه الخطوة، بقدر ما أثارت من تساؤلات داخل الطبقة السياسية العراقية، وفي القلب منها القوى والأحزاب الشيعية الشريكة في ما يعرف بـ"إطار التنسيق"، وبالذات ما يتعلق بخلفيات هذه الخطوة من جانب السوداني في ظل وضع وصلت فيه الأزمة السياسية الخاصة بالعجز عن اختيار رئيس الجمهورية الجديد، ومن ثم العجز عن فرض نوري المالكي رئيس الوزراء الأسبق زعيم كتلة "دولة القانون" رئيساً للحكومة الجديدة باعتباره اختيار "إطار التنسيق" التوافقي إلى طريق مسدود.

السؤال المطروح بهذا الخصوص: هل تراجع السوداني عن التزامه بقرارات "إطار التنسيق"، باعتباره وكتلته السياسية "ائتلاف الإعمار والتنمية" مكوناً أساسياً من مكونات هذا الإطار، ومن ثم يكون قد بدأ يجهز نفسه ليكون مرشحاً بديلاً للمالكي يحظى بالدعم الأمريكي على العكس من الموقف الأمريكي الرافض بشدة للمالكي رئيساً للحكومة الجديدة. التفكير المنطقي يقول إن رئيس حكومة تصريف الأعمال ليس من اختصاصاته الخوض في قضايا وعمليات سياسية، بل إن دوره محصور في أضيق الحدود، بتسيير دفة الحكم في حدودها الدنيا. كما أن المنطق يقول إن العراق في ظل الأزمة المتعلقة بالعجز عن انتخاب رئيس الجمهورية، وفرض المالكي رئيساً للحكومة، يجب أن يكون حريصاً على تهدئة علاقاته مع الدول المجاورة، وتحديداً الدول الخليجية الشقيقة وبالأخص الكويت، وعدم تفجير قضايا خلافية.

عدم منطقية القرار العراقي الخاص بتفجير أزمة مع الكويت في ظل الظروف العراقية والإقليمية غير المواتية شغل الكثيرين، خاصة في أوساط "إطار التنسيق" للتساؤل عن خلفيات هذا القرار، وهل لقاء السوداني ووزير خارجيته فؤاد حسين (الحزب الديمقراطي الكردستاني ومرشح الحزب لرئاسة الجمهورية في العراق) مع توماس برّاك المبعوث الأمريكي يومي الأحد والاثنين الماضيين في بغداد دفع للتساؤل: هل استقرأ السوداني تلميحاً من برّاك أن يكون المرشح البديل للمالكي لحل أزمة "الانسداد السياسي" الحالية، ومن ثم لجأ إلى تفجير الخلاف مع الكويت لتوصيل رسالة بأنه موجود وقوي، ويمكن أن يعود مرشحاً بديلاً لرئاسة الحكومة.

الكويت ترى أن الخرائط التي أودعها العراق في الأمم المتحدة "تتضمن ادعاءات حول المجالات البحرية العراقية". وبحسب الخارجية الكويتية فإن بغداد "مست سيادة الكويت على مناطقها البحرية ومرتفعاتها المائية الثابتة والمستقرة بالعلاقات مع جمهورية العراق"، الأمر الذي أخذ يطرح تساؤلات حول ما إذا كان العراق يتعمد استفزاز الكويت بنقل سيادته على مناطق مائية، هي أساساً ليست محل خلاف من وجهة النظر الكويتية، بغرض التذكير بوجود خلافات حدودية بحرية بين العراق والكويت؟

هذا التساؤل وغيره يكشف أن الإجراء الذي أقدمت عليه حكومة تصريف الأعمال العراقية، برئاسة محمد شياع السوداني له خلفيات أعمق متجذرة في تطورات الأزمة السياسية العراقية الراهنة، الأمر الذي دفع للربط بين مثل هذه الخطوة، ولقاءات السوداني مع المبعوث الأمريكي والمطالب أو الشروط التي طرحها برّاك كي تقبل واشنطن بدعم العملية السياسية في العراق، وهي الشروط التي تؤكد أنها تتجاوز بكثير حدود الرفض الأمريكي لاختيار "الإطار التنسيقي" لنوري المالكي رئيساً للحكومة الجديدة.

مطالب برّاك عرضها عقب لقائه مع السوداني على منصة "إكس"، كشف فيها جوهر ما أثير في اللقاء، على العكس مما تضمنه بيان السوداني الصادر عن رئاسة مجلس الوزراء العراقي بهذا الخصوص. برّاك كتب في تغريدته أنه بحث مع رئيس الوزراء العراقي أهداف بناء مستقبل (عراقي) يتماشى مع خطة الرئيس ترامب للسلام في المنطقة، وشدد على ضرورة وجود "قيادة (عراقية) فعّالة تتبنى سياسات تعزيز الاستقرار في العراق وشعبه"، وأن هذا يعد "أمراً أساسياً لتحقيق الأهداف المشتركة (الأمريكية – العراقية)".

ما يعنيه ذلك هو أن واشنطن تسعى إلى الدفع بشخصية لرئاسة الحكومة يمكن التعامل معها، وأن تكون بعيدة عن المظلة الإيرانية غير المالكي المتهم بأنه "رجل إيران" في العراق. كما حذر برّاك العراق من أن يكون "منصة" لاستهداف المصالح الأمريكية أو شركاء واشنطن وحلفائها في المنطقة، تحسباً للحرب المحتملة مع إيران، لكن الأهم أنه تعرض إلى ضرورة أن تكون الحكومة الجديدة متطابقة مع المقاربة السياسية الأمريكية الجديدة في المنطقة، والدفع بالتالي بالعراق للانخراط في قلب هذه المقاربة لما يسمى بـ "الشرق الأوسط الجديد".

مطالب توحي بأن أمريكا تريد السيطرة على العراق واحتواءه، وأنها تريد رجلًا يقوم بهذه المهمة، ولعل هذا ما دفع المالكي ليؤكد لوكالة الصحافة الفرنسية أنه ليست لديه نية للانسحاب أبداً كمرشح للحكومة الجديدة.

(الخليج الإماراتية)

يتم التصفح الآن