لِلْمَرَّةِ الأولى مُنْذُ نِهايَةِ الحَرْبِ البارِدَة، لا يَبْدو الأَمْرُ مُجَرَّدَ خِلافٍ بَيْنَ قُوًى كُبْرى داخِلَ النِّظامِ نَفْسِه، بَلْ بِدايَةَ تَشَكُّلِ نِظامٍ مُخْتَلِفٍ بِالكامِل. نِظامٌ لا تَتَحَرَّكُ فيهِ الدُّوَلُ وِفْقَ الإيقاعِ الأَميرْكِيِّ وَحْدَه، وَلا تُقاسُ فيهِ الشَّرْعِيَّةُ الدَّوْلِيَّةُ بِمَدى القُرْبِ أَوِ الِابْتِعادِ عَنْ واشِنْطُن، وَلا تُصْبِحُ فيهِ العُقوباتُ الِاقْتِصادِيَّةُ قَدَرًا مَحْتومًا على كُلِّ دَوْلَةٍ تُحاوِلُ أَنْ تَخْرُجَ مِنَ العَباءَةِ الغَرْبِيَّة.
الصّينُ تُدْرِكُ ذَلِكَ جَيِّدًا، وَرُبَّما لِهَذا السَّبَبِ تَتَحَرَّكُ بِثِقَةٍ هادِئَةٍ تُثيرُ القَلَقَ أَكْثَرَ مِمّا تُثيرُهُ الخِطاباتُ النّارِيَّة. فَهِيَ لا تَتَصَرَّفُ كَدَوْلَةٍ تُريدُ أَنْ تَرِثَ الإِمْبَراطورِيَّةَ الأَميرْكِيَّة، بَلْ كَقُوَّةٍ تُدْرِكُ أَنَّ العالَمَ نَفْسَهُ تَغَيَّر، وَتَعْرِفُ أَنَّ زَمَنَ الهَيْمَنَةِ المُنْفَرِدَةِ يَقْتَرِبُ مِنْ نِهايَتِهِ التّاريخِيَّة.
وَلِهَذا فَإِنَّ بِكينَ لا تَعْرِضُ نَفْسَها على العالَمِ بِاعْتِبارِها "الزَّعيمَ البَديل"، بِقَدْرِ ما تَعْرِضُ فِكْرَةً مُخْتَلِفَةً تَمامًا: عالَمٌ لا يَحْتَكِرُهُ طَرَفٌ واحِد، وَلا تُدارُ خَرائِطُهُ مِنْ غُرْفَةِ قَرارٍ واحِدَة، وَلا تُسْتَخْدَمُ فيهِ القُوَّةُ العَسْكَرِيَّةُ بِاعْتِبارِها اللُّغَةَ الوَحيدَةَ المُمْكِنَةَ في العَلاقاتِ الدَّوْلِيَّة.
تراجُع الشروط التي سمحت للولايات المتحدة بالتحوُّل إلى القوّة الوحيدة بعد سقوط الاتحاد السوفياتي
تَتَحَرَّكُ بِكين بِعَقْلِيَّةٍ مُخْتَلِفَةٍ تَمامًا عَنِ العَقْلِ الغَرْبِيِّ التَّقْليدِيّ. فَبَيْنَما اعْتادَتْ واشِنْطُن النَّظَرَ إلى النُّفوذِ بِاعْتِبارِهِ امْتِدادًا لِلقُوَّةِ العَسْكَرِيَّة، كانَتْ بِكين تُعيدُ تَشْكيلَ التَّوازُناتِ مِنْ داخِلِ الِاقْتِصادِ العالَمِيِّ نَفْسِه، فَالأَميرْكِيّون طارَدوا الخَرائِطَ العَسْكَرِيَّة، فيما بَنَتِ الصّينُ خَرائِطَ التِّجارَةِ والطّاقَةِ والتِّكْنولوجْيا والمَوانِئ.
وَحينَ انتَبَهَت واشِنْطُن إلى حَجْمِ التَّحَوُّل، كانَتِ الصّينُ قَدْ أَصْبَحَتْ جُزْءًا عُضْوِيًّا مِنَ الِاقْتِصادِ العالَمِيّ، لا يُمْكِنُ عَزْلُهُ أَوْ مُحاصَرَتُهُ بِسُهولَةٍ مِنْ دونِ أَنْ يَدْفَعَ العالَمُ كُلُّهُ الثَّمَن.
وَمِنْ هُنا يَبْدو القَلَقُ الأَميرْكِيُّ الحالِيُّ مَفْهومًا، لَكِنَّهُ مُتَأَخِّرٌ أَيْضًا. فَالمُشْكِلَةُ لَمْ تَعُدْ في صُعودِ الصّينِ وَحْدَه، بَلْ في تَراجُعِ الشُّروطِ التي سَمَحَتْ لِلْوِلاياتِ المُتَّحِدَةِ بِالتَّحَوُّلِ إلى القُوَّةِ الوَحيدَةِ بَعْدَ سُقوطِ الِاتِّحادِ السّوفْياتِيّ.
أوروبّا لَمْ تَعُدْ تَتَحَرَّكُ بِالحَماسَةِ القَديمَةِ نَفْسِها خَلْفَ واشِنْطُن، كَما أَنَّ كَثيرًا مِنْ دُوَلِ آسْيا وَأَفْريقْيا وَأَميرْكا اللّاتينِيَّةِ لَمْ تَعُدْ مُقْتَنِعَةً بِالِاسْتِقْطابِ الحادِّ بَيْنَ "مُعَسْكَرٍ ديموقْراطِيّ"، وَ"مُعَسْكَرٍ سُلْطَوِيّ"، تِلْكَ اللُّغَةُ التي نَجَحَتْ في الحَرْبِ البارِدَةِ تَبْدو أَقَلَّ قُدْرَةً اليَوْمَ على إِقْناعِ عالَمٍ باتَ أَكْثَرَ بْراغْماتِيَّةً وَأَشَدَّ اهْتِمامًا بِمَصالِحِهِ الخاصَّة.
الصراع الحالي هو في العمق اشتباك بين تصوّرين للعالم
وَلَعَلَّ اللّافِتَ أَنَّ الصّين، بِوَصْفِها المُسْتَفيدَ الأَكْبَرَ مِنَ النِّظامِ الِاقْتِصادِيِّ العالَمِيّ، لا تَسْعى إلى تَدْميرِهِ بِقَدْرِ ما تُريدُ إِعادَةَ التَّفاوُضِ على قَواعِدِه، وَإِنْهاءَ الِاحْتِكارِ الأَميرْكِيِّ لِتَعْريفِ الشَّرْعِيَّةِ الدَّوْلِيَّة: مَنْ يُعاقَب، وَمَنْ يُكافَأ، وَمَنْ يَمْلِكُ حَقَّ اسْتِخْدامِ القُوَّةِ تَحْتَ عَناوينِ القانونِ الدَّوْلِيّ.
وَهُنا تَكْمُنُ نُقْطَةُ التَّحَوُّلِ الحَقيقِيَّة. فَالعالَمُ تَعِب، إلى حَدٍّ بَعيد، مِنِ ازْدِواجِيَّةِ المَعايير؛ حُقوقُ إِنْسانٍ هُنا، وَصَمْتٌ كامِلٌ هُناك، احْتِرامٌ لِلقانونِ الدَّوْلِيِّ في مَلَفّ، وَتَجاهُلٌ لَهُ في مَلَفٍّ آخَر، وِفْقًا لِمَوْقِعِ الدَّوْلَةِ داخِلَ شَبَكَةِ التَّحَالُفاتِ الغَرْبِيَّة.
وَلِهَذا فَإِنَّ كَثيرًا مِنْ دُوَلِ الجَنوبِ لا تَتَعامَلُ مَعَ الصّينِ بِوَصْفِها "سَيِّدًا بَديلًا"، بِقَدْرِ ما تَرى فيها فُرْصَةً لِلْخُروجِ مِنْ مَرْكَزِيَّةِ القَرارِ الغَرْبِيِّ وَبِناءِ مَساحَةِ حَرَكَةٍ أَوْسَعَ داخِلَ نِظامٍ دَوْلِيٍّ ظَلَّ لِعُقودٍ طَويلَةٍ مَحْكومًا بِمَرْكَزٍ واحِدٍ لِلْقَرار.
دُوَلٌ كَثيرَةٌ في آسْيا وَأَفْريقْيا وَأَميرْكا اللّاتينِيَّةِ تَشْعُرُ بِأَنَّ لَدَيْها فُرْصَةً حَقيقِيَّةً لِلْخُروجِ مِنْ مَوْقِعِ التّابِعِ الدّائِمِ في النِّظامِ الدَّوْلِيّ. القَضِيَّةُ بِالنِّسْبَةِ لِهَذِهِ الدُّوَلِ لَيْسَتِ الِانْحِيازَ لِلصّينِ ضِدَّ أَميرْكا، بِقَدْرِ ما هِيَ البَحْثُ عَنْ عالَمٍ يَسْمَحُ لَها بِالتَّنَفُّسِ خارِجَ مُعادَلاتِ العُقوباتِ والوِصايَةِ السِّياسِيَّةِ والضُّغوطِ الِاقْتِصادِيَّةِ التي حَكَمَتِ العَلاقاتِ الدَّوْلِيَّةَ طَوالَ العُقودِ الماضِيَة. وَلِهَذا يَبْدو الحَديثُ عَنِ التَّعَدُّدِيَّةِ القُطْبِيَّة، في نَظَرِ الكَثيرِ مِنْ شُعوبِ الجَنوب، أَقْرَبَ إلى مَطْلَبٍ بِالعَدالَةِ الدَّوْلِيَّةِ مِنْهُ إلى مُجَرَّدِ إِعادَةِ تَوْزيعٍ لِلْقُوَّةِ بَيْنَ الكِبار.
التَّحَوُّلُ المُنْتَظَر، على الرَّغْمِ مِنْ بُطْئِهِ وَهُدوئِهِ الظّاهِرِيّ، لَنْ يَكونَ بِلا أَثْمانٍ يَدْفَعُها العالَم، فَالْوِلاياتُ المُتَّحِدَةُ لَنْ تَتَخَلّى بِسُهولَةٍ عَنْ مَوْقِعٍ احْتَفَظَتْ بِهِ لِعُقود، كَما أَنَّ خَسارَةَ الهَيْمَنَةِ الِاقْتِصادِيَّةِ تَعْني، مَعَ الوَقْت، تَراجُعَ القُدْرَةِ على التَّأْثِيرِ السِّياسِيِّ والعَسْكَرِيِّ أَيْضًا. وَلِهَذا فَإِنَّ الصِّراعَ الحَالِيَّ أَعْمَقُ مِنْ مُجَرَّدِ مُنافَسَةٍ بَيْنَ دَوْلَتَيْن؛ إِنَّهُ في العُمْقِ اشْتِباكٌ بَيْنَ تَصَوُّرَيْنِ لِلْعالَم: عالَمٌ تُدارُ فيهِ القُوَّةُ مِنْ مَرْكَزٍ واحِد، وَآخَرُ تَتَوَزَّعُ فيهِ مَوازينُ التَّأْثيرِ بَيْنَ قُوًى كُبْرى عِدَّة.
العالم لا يبحث عن سيّد جديد بل عن توازن جديد
وَرُبَّما لِهَذا السَّبَبِ تَبْدو المَرْحَلَةُ الحالِيَّةُ مُرْتَبِكَةً إلى هَذا الحَدّ. فَالقَواعِدُ القَديمَةُ لَمْ تَعُدْ تَعْمَلُ بِالكَفاءَةِ نَفْسِها، لَكِنَّ القَواعِدَ الجَديدَةَ لَمْ تَسْتَقِرَّ بَعْد. الدّولارُ لا يَزالُ قَوِيًّا، لَكِنَّ هَيْمَنَتَهُ لَمْ تَعُدْ مُطْلَقَةً كَما كانَت. الوِلاياتُ المُتَّحِدَةُ لا تَزالُ القُوَّةَ العَسْكَرِيَّةَ الأولى، لَكِنْ قُدْرَتُها على فَرْضِ إِرادَتِها السِّياسِيَّةِ تَراجَعَتْ بِصورَةٍ واضِحَة. أَمّا الصّين، فَتَصْعَدُ بِثَبات، لَكِنَّها لا تُريدُ أَنْ تَتَحَمَّلَ أَعْباءَ الإِمْبَراطورِيَّةِ التَّقْليدِيَّة، وَلا أَنْ تُسْتَنْزَفَ في الحُروبِ والصِّداماتِ المَفْتوحَةِ التي أَنْهَكَتِ القُوى الكُبْرى قَبْلَها.
السُّؤالُ لَمْ يَعُدْ ما إِذا كانَتْ أَميرْكا سَتَبْقى القُوَّةَ الأولى، أَوْ ما إِذا كانَتِ الصّينُ سَتُصْبِحُ القُوَّةَ البَديلَة، بَلْ ما إِذا كانَ العالَمُ نَفْسُهُ بَدَأَ يَتَخَلَّصُ مِنْ فِكْرَةِ "السَّيِّدِ الواحِد" التي حَكَمَتِ العَلاقاتِ الدَّوْلِيَّةَ طَويلًا.
العالَمُ اليَوْم، بَعْدَ قَرْنٍ مِنَ الحُروبِ والهَيْمَناتِ والِانْقِساماتِ الحادَّة، لا يَبْدو مُتَحَمِّسًا لِإِنْتاجِ إِمْبَراطورِيَّةٍ جَديدَة، مَهْما اخْتَلَفَ اسْمُها أَوْ لُغَتُها. لا يَبْحَثُ العالَمُ عَنْ سَيِّدٍ جَدِيد، بَلْ عَنْ تَوازُنٍ جَديد؛ تَوازُنٍ أَقَلَّ غُرورًا، وَأَقَلَّ عُنْفًا، وَأَكْثَرَ اعْتِرافًا بِأَنَّ هَذا الكَوْكَبَ بِكُلِّ تَناقُضَاتِهِ وَتَشابُكاتِه، أَصْبَحَ أَكْبَرَ مِنْ أَنْ تُديرَهُ إِرادَةٌ واحِدَة!.
(خاص "عروبة 22")

