بِحَسَبِ التَّسْريباتِ عَنِ المُكالَمَة، بَدا ترامب وَكَأَنَّهُ يُقايِضُ السُّعودِيَّةَ تَحْديدًا بِقَوْلِه: "إِذا انْتَهَتِ الصَّفْقَةُ مع إيران، فَسَيَكونُ مُناسِبًا الِانْضِمامُ إلى الِاتِّفاقِ الإِبْراهيمِيّ". بَعْدَ ساعاتٍ، خَرَجَ السّيناتورُ الأَميرْكِيُّ لينْدْسي غْراهام المُقَرَّبُ مِنْ ترامب وَنِتِنْياهو، لِيَقولَ الأَمْرَ نَفْسَهُ وَيَحُثَّ الرَّئيسَ الأَميرْكِيَّ على التَّمَسُّكِ بِصَفْقَتِه، مُوَجِّهًا ما يُشْبِهُ التَّحْذيرَ لِلسُّعودِيَّة، بِأَنَّ هَذا هُوَ الوَقْتُ المُناسِبُ لِإِنْهاءِ الصِّراعِ العَرَبِيِّ - الإِسْرائيلِيّ، وَأَنَّ رَفْضَ تِلْكَ الصَّفْقَةِ سَيَكونُ لَهُ تَداعِياتٌ خَطيرَةٌ على العَلاقاتِ المُسْتَقْبَلِيَّةِ مع الوِلاياتِ المُتَّحِدَة.
تريد السعودية ثمنًا لتطبيعها الأكبر يناسب مكانتها الروحية والسياسية في قلب العالمين العربي والإسلامي
بَعْدَها بِساعاتٍ، أَكَّدَ الرَّئيسُ الأَميرْكِيُّ بِنَفْسِهِ طَبيعَةَ تِلكَ الضُّغوطِ الرّامِيَةِ لِوَضْعِ التَّطْبيعِ الأَكْبَرِ ضِمْنَ صَفْقَةِ إِنْهاءِ الحَرْبِ الإيرانِيَّة، وَكَتَبَ على مِنَصَّتِهِ "تْروث سوشْيال" سارِدًا تَفاصيلَ مُكالَمَتِهِ مع قادَةِ المِنْطَقَة، وَقائِلًا بِالحَرْف: "يَنْبَغي أَنْ يَكونَ مَطْلوبًا مِنْ جَميعِ هَذِهِ الدُّوَل... أَنْ تُوَقِّعَ في وَقْتٍ واحِدٍ على اتِّفاقِيّاتِ إِبْراهيم... وَيَنْبَغي أَنْ تَبْدَأَ العَمَلِيَّةُ بِتَوْقيعٍ فَوْرِيٍّ مِنَ السُّعودِيَّةِ وَقَطَر، على أَنْ يَلحَقَ بِهِما الجَميعُ بَعْدَ ذَلِكَ. وَإِذا لَمْ يَفْعَلوا، فَلا يَنْبَغي أَنْ يَكونوا جُزْءًا مِنْ هَذا الِاتِّفاق، لِأَنَّ عَدَمَ تَوْقيعِهِمْ سَيَعْكِسُ نَوايا سَيِّئَة". وَمِنَ الحَديثِ بِـ"يَنْبَغي" إلى صيغَةِ إِلْزام، تابَعَ ترامب: "لِذَلِك، أَطْلُبُ بِشَكْلٍ إِلزامِيٍّ مِنْ جَميعِ الدُّوَلِ أَنْ تُوَقِّعَ فَوْرًا على الِاتِّفاقِيّاتِ الإِبْراهيمِيَّة".
مِنْ بَعْدِ السّابِعِ مِنْ أُكْتوبَر/تِشْرين الأَوَّلِ 2023، فَرْمَلَتِ المَمْلَكَةُ العَرَبِيَّةُ السُّعودِيَّةُ قِطارَ التَّطْبيعِ بَيْنَها وَبَيْنَ إِسْرائيلَ والذي كانَ مُتَّجِهًا بِسُرْعَةٍ بِرِعايَةٍ أَميرْكِيَّةٍ نَحْوَ مَحَطَّةٍ أَخيرَة، عَبْرَ رَهْنِ تِلكَ الخُطْوَةَ بِالتِزاماتٍ أَميرْكِيَّةٍ وَإِسْرائيلِيَّةٍ واضِحَةٍ وَمُلْزِمَةٍ بِالدَّوْلَةِ الفِلَسْطينِيَّة. تُريدُ السُّعودِيَّةُ ثَمَنًا لِتَطْبيعِها الأَكْبَرِ الذي يُناسِبُ مَكانَتَها الرّوحِيَّةَ والسِّياسِيَّةَ في قَلبِ العالَمَيْنِ العَرَبِيِّ والإِسْلامِيّ، لَكِنَّ دونالد ترامب على ما يَبْدو أَرادَ أَنْ يُقايِضَها بِثَمَنٍ آخَرَ هُوَ وَقْفُ الحَرْبِ مع إيران، وَيُهَدِّدُها بِوُضوحٍ أَنَّها لَنْ تَكونَ جُزْءًا مِنِ اتِّفاقِ وَقْفِ الحَرْبِ إِنْ لَمْ تُوَقِّعْ على التَّطْبيع!.
العجز العربي أمام إسرائيل هو ما صنع الأسطورة الإيرانية
يُحاوِلُ ترامب وَمَنْ يُرَوِّجونَ لِصَفْقَتِهِ سِياسِيًّا وَإِعْلامِيًّا تَقْديمَ هَدَفِ إِنْهاءِ الحَرْبِ وَكَأَنَّهُ هَدَفٌ عَرَبِيٌّ وَلا يُعَبِّرُ إِلّا عَنْ حاجَةِ الأَطْرافِ العَرَبِيَّةِ إلى اسْتِعادَةِ الِاسْتِقْرارِ الأَمْنِيِّ والِاقْتِصادِيِّ واحْتِواءِ التَّهْديدِ الإيرانِيّ، وَكَأَنَّ التَّحَرُّكَ الأَميرْكِيَّ لِلتَّفاهُمِ مع إيرانَ يَتَحَرَّكُ في المَقامِ الأَوَّلِ اسْتِجابَةً لِلمَصالِحِ العَرَبِيَّة، وَلَيْسَ خُروجًا أَميرْكِيًّا مِنْ مَأْزِقٍ اسْتراتيجِيٍّ كَبيرٍ يُهَدِّدُ هَيْمَنَتَها وَنُفوذَها في العالَم، وَيُحْرِجُ حَتّى حُضورَها الأَمْنِيَّ في المِنْطَقَةِ بِأَسْئِلَةٍ عَنِ الجَدْوى والكُلْفَةِ والِالتِزام.
الأَصْلُ أَنَّ الصِّراعَ العَرَبِيَّ - الإِسْرائيلِيَّ نَشَأَ بِسَبَبِ نَكْبَةِ الشَّعْبِ الفِلَسْطينِيّ، وَمِنْ بَعْدِها سِياسَةُ التَّوَسُّعِ الإِسْرائيلِيَّةِ على حِسابِ دُوَلِ الطَّوْق، وَقَدْ مَرَّتِ اتِّفاقاتُ السَّلامِ معها عَبْرَ نَوْعَيْن، الأَوَّلُ هُوَ دُوَلُ الطَّوْقِ التي عَلِقَتْ مع إِسْرائيلَ في مُشْكِلاتٍ تَتَعَلَّقُ بِالأَرْضِ والأَمْنِ والسِّيادَة، وَمَنْ نَجَحَ مِنْ تِلكَ الدُّوَلِ في عَقْدِ اتِّفاق، لَمْ يُمْنَحْ سَلامًا بِغَيْرِ ثَمَنٍ واضِح، لَكِنَّ ترامب جاءَ بَعْدَ عُقودٍ وَمعهُ اتِّفاقُهُ الإِبْراهيمِيُّ لِيَجِدَ أَطْرافًا عَرَبِيَّةً بَعيدَةً عَنِ الطَّوْقِ والمُواجَهَة، لا تَضَعُ شُروطًا مُتَعَلِّقَةً بِجَوْهَرِ الصِّراع.
ترامب الطَّامِعُ في الجائِزَةِ السُّعودِيَّةِ الكُبْرى، واجَهَ مَوْقِفَ المَمْلَكَةِ المُعْلَنَ بِرَبْطِ أَيِّ تَقَدُّمٍ بِالدَّوْلَةِ الفِلَسْطينِيَّة، وَهُوَ رَبْطٌ مُباشِرٌ لَمْ يُشْبِهْ أَيَّ مُفاوَضاتٍ سابِقَةٍ ارْتَبَطَتْ بِتَحْريرِ جُزْءٍ مِنَ الأَرْضِ العَرَبِيَّةِ أَوْ تِلْكَ التي بُنِيَتْ على مُقايَضَةِ "السَّلامِ بِالسَّلام"، وَهَذا هُوَ المَوْقِفُ الذي تُحاوِلُ الوِلاياتُ المُتَّحِدَةُ كَسْرَهُ بِتَرْغيبٍ وَتَرْهيبٍ لِلمَمْلَكَة، وَأَخيرًا بِالتَّرْويجِ لِصَفْقَةٍ كُبْرى تَتَعَلَّقُ بِالمِلَفِّ الإيرانِيِّ المُقْلِقِ خَليجِيًّا وَكَأَنَّهُ الثَّمَنُ المُسْتَحَقُّ لِلتَّطْبيعِ الأَكْبَر.
لا مشروع إيراني عابر للحدود العربية ولا هيمنة إِسرائيلية مُتجاوزة للسيادات العربية
المُؤَكَّدُ أَنَّ المَمْلَكَةَ تُدْرِكُ أَنَّ وَزْنَها الدّينِيَّ والسِّياسِيَّ يَجْعَلُ أَيَّ خُطْوَةٍ مِنْ هَذا النَّوْعِ ذاتَ أَثَرٍ تاريخِيّ، وَمِنْ ثَمَّ فَإِنَّ الثَّمَنَ يَجِبُ أَنْ يَكونَ تاريخِيًّا أَيْضًا، لا رَمْزِيًّا وَلا دِعائِيًّا، عَنْ قَناعَةٍ بِأَنَّ السَّلامَ الذي يَتَجاوَزُ الفِلَسْطينِيّينَ لَنْ يَكونَ سَلامًا حَقيقِيًّا، وَإِنَّما مُجَرَّدُ هُدْنَةٍ مُؤَقَّتَةٍ فَوْقَ بُرْكانٍ مُتَأَهِّب.
جَرى تَقْديمُ إيرانَ طَوالَ سَنَواتٍ بِاعْتِبارِها الخَطَرَ الوَحيدَ الذي يُهَدِّدُ اسْتِقْرارَ المِنْطَقَة، بَيْنَما تَمَّ تَجاهُلُ حَقيقَةِ أَنَّ إِسْرائيلَ بِدَوْرِها تَمْتَلِكُ مَشْروعًا لِلتَّوَسُّعِ والهَيْمَنَةِ لا يَقِلُّ خُطورَةً، تَتَبَنّاهُ دَوْلَةٌ تَتَصَرَّفُ بِاعْتِبارِها فَوْقَ القانونِ الدَّوْلِيِّ والمُساءَلَة.
إِسْرائيلُ التي تُواصِلُ ابْتِلاعَ الأَراضي، وَقَصْفَ دُوَلِ الجِوار، وَتَتَحَدَّثُ عَلَنًا عَنْ خَرائِطَ تَوْراتِيَّةٍ وَهَيْمَنَةٍ إِقْليمِيَّة، لا يُمْكِنُ أَنْ تَكونَ "حَليفًا طَبيعِيًّا" يُمْكِنُ دَمْجُهُ تِلقائِيًّا في المِنْطَقَةِ مِنْ دونِ مُعالَجَةِ جَوْهَرِ المُشْكِلَة.
الخَلَلُ الِاسْتراتيجِيُّ الأَكْبَرُ في الأَمْنِ العَرَبِيِّ نَشَأَ أَصْلًا مِنْ غِيابِ أَيِّ قُدْرَةٍ على كَبْحِ إِسْرائيلَ أَوْ إِلزامِها بِقَواعِدِ النِّظَامِ الدَّوْلِيّ، وَهَذا العَجْزُ أَمامَ إِسْرائيلَ هُوَ ما صَنَعَ الأُسْطورَةَ الإيرانِيَّةَ وَفَتَحَ لَها الفَراغاتِ لِتَمْلَأَها وَمَنَحَها وَوُكَلائِها شَرْعِيَّةَ حَمْلِ راياتِ "المُقاوَمَة".
الأمن الإقليمي مُرتبط بالقضية الفلسطينية في أوّله وآخره
مِنْ هُنا تَبْدو الرُّؤْيَةُ السُّعودِيَّةُ المُعْلَنَةُ أَكْثَرَ عُمْقًا مِنْ مُجَرَّدِ مُقايَضَةٍ سِياسِيَّة، فَرَبْطُ التَّطْبيعِ بِالدَّوْلَةِ الفِلَسْطينِيَّةِ لَيْسَ فَقَطْ دِفاعًا عَنِ الحُقوقِ الفِلَسْطينِيَّة، وَإِنَّما أَيْضًا مُحاوَلَةٌ لِوَضْعِ أَساسٍ مُخْتَلِفٍ لِلِاسْتِقْرارِ الإِقْليمِيِّ يَرْتَكِزُ على نِظامٍ مُتَوازِنٍ يَفْرِضُ على الجَميعِ حُدودًا واضِحَة: لا مَشْروعٌَ إيرانِيٌّ عابِرٌ لِلحُدودِ العَرَبِيَّة، وَلا هَيْمَنَةٌ إِسْرائيلِيَّةٌ مُتَجاوِزَةٌ لِلسِّياداتِ العَرَبِيَّة.
العَرَبُ اليَوْمَ مُطالَبونَ بِإِسْنادِ المَمْلَكَةِ العَرَبِيَّةِ السُّعودِيَّةِ في مَواقِفِها مِنْ أَجْلِ صَفْقَةٍ شامِلَةٍ وَعادِلَة، وَلَيْسَتْ "قِسْمَةَ ضيزى" كَما يُرَوِّجُ ترامب، مع إِدْراكِ أَنَّ الأَمْنَ الإِقْليمِيَّ مُرْتَبِطٌ بِالقَضِيَّةِ الفِلَسْطينِيَّةِ في أَوَّلِهِ وَآخِرِه، فَأَيُّ اتِّفاقاتٍ مَهْما كانَتْ مَكاسِبُها لَنْ تَضْمَنَ أَمْنًا يُحْرَمُ مِنْهُ الفِلَسْطينِيّون، والسّابِعُ مِنْ أُكْتوبَر شَاهِدٌ حَيّ، يَسْري ذَلِكَ على ما مَضى مِنِ اتِّفاقاتٍ وَما يُرَوَّجُ لَهُ سَواءٌ مع المَمْلَكَةِ أَوْ في لُبْنان، وَأَيُّ مُحاوَلَةٍ لِكَبْحِ إيرانَ وَحْدَها بِأَيِّ صَفْقَة، لا اسْتِدامَةَ لَها بَيْنَما الدَّوْلَةُ الفِلَسْطينِيَّةُ عالِقَةٌ بَيْنَ أَحْلامِ نِتِنْياهو التَّوْراتِيَّة، والعَجْزِ العَرَبِيِّ المُعاصِرِ الذي يَتَجَلّى في اسْتِخْدامِ ترامب مُفْرَداتٍ مِثْلَ "يَنْبَغي، يَجِب، عَلَيْكُمْ بِشَكْلٍ إِلزامِيّ، وَفَوْرًا" في مُخاطَبَةِ العَرَب!.
(خاص "عروبة 22")

