ما كان مصدر تكهنات وتحليلات على مدار الأسابيع الماضية، بات واقعًا ملموسًا بعدما قررت واشنطن وتل أبيب شنّ ضربات عسكرية موسعة على طهران رغمًا عن "الإيجابية" التي تحدث عنها وزير الخارجية عباس عراقجي وتبديد بعد الهواجس خلال الجلسة الثالثة من مفاوضات جنيف وكذلك كانت تصريحات نظيره العُماني بدر البوسعيدي. ولكن "المحظور" الذي حاولت العديد من الدول "إبعاد كأسه" وقع واليوم المنطقة برمتها أمام منعطف شديد الحساسية وينذر بإمكانية حصول فوضى وتصعيد عابر للحدود، خاصة بعدما أكد التلفزيون الإيراني مقتل المرشد الأعلى آية الله علي خامنئي بالغارات الإسرائيلية وذلك بعد ساعات من إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب، واصفًا ما جرى بأنه "ليس عدلًا للشعب الإيراني فحسب، بل لجميع الأميركيين العظماء".
وهذا الخبر "الصاعقة" الذي نزل على إيران وحلفائها في المنطقة، وحتى على خصومها، يؤكد أن الولايات المتحدة واسرائيل تسعيان إلى تغيير النظام وبالتالي رسم توزانات جديدة وقلب المشهد الحالي مع إمكانية توسع تداعيات ما يجري خارج حدود طهران، أي إلى العراق واليمن ولبنان، حيث الوكلاء الاقليميين للنظام الإيراني الذي ترّنح أمس نتيجة الضربات المكثفة، والتي خلفت وراءها إلى جانب خامنئي مقتل كبار القيادات وعلى رأسهم قائد الحرس الثوري محمد باكبور ومستشار مرشد الجمهورية الإيرانية علي شمخاني، في وقت أعلن متحدث بإسم جمعية الهلال الأحمر الإيراني أن حصيلة أمس بلغت نحو 200 قتيل و747 مصابًا. أما القناة 13، فقد نقلت عن الجيش الإسرائيلي قوله إن الشخصيات الإيرانية التي تم اغتيالها أيضًا هي: صلاح أسدي (رئيس قسم الاستخبارات في قيادة الطوارئ وكبير ضباط الاستخبارات في الأركان العليا للقوات الإيرانية)، محمد شيرازي (رئيس المكتب العسكري لقائد نظام علي خامنئي)، عزيز نذيرزاده (شغل منصب وزير الدفاع وتولى عدة مناصب رئيسية)، وحسين جابل عاملان (رئيس منظمة "سبند" المسؤولة عن تطوير التقنيات ووسائل القتال المتقدمة للنظام).
تزامنًا، أشار الناطق باسم الجيش الإسرائيلي إلى أن الطائرات نفذت الطلعة الجوية الكبرى في تاريخ تل أبيب وألقت 500 قنبلة على إيران، واستهدفت منصات إطلاق الصواريخ وأهدافًا للنظام الإيراني وأخرى عسكرية في أنحاء مختلفة من طهران، واصفًا التنسيق مع "الشريك الأميركي" بأنه غير مسبوق، مؤكدًا أن "العملية العسكرية مستمرة حتى تحقيق الأهداف وإزالة التهديدات". من جهته، توعّد وزير الحرب الأميركي بيت هيغسيث "بقتل كل من يهدد أو يقتل الأميركيين في أي مكان بالعالم"، مهددًا أيضًا بتدمير البحرية الإيرانية. وتعمل واشنطن وتل أبيب اليوم، وفق مخططاتهما، إلى تصفية كبار الشخصيات والقادة وتوجيه ضربات قاصمة للمنشأت النووية والبنى التحتية العسكرية وبالتالي تمهيد الطريق أمام إضعاف النظام وتمكين الشعب الايراني من اسقاطه داخليًا، وهذا ما تعكسه التصريحات التي أتت على لسان كل من ترامب ورئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتنياهو، ولكن ذلك لا يزال غير مضمون النتائج خاصة أن قبضة النظام تعتبر حديدية ومتغلغلة في كل مفاصل الحياة السياسية وهو ما حال دون إسقاط النظام رغم المظاهرات والاحتجاجات التي تمت على مدار سنوات طويلة وهدفت إلى التخفيف من سطوة الحرس الثوري ونظام خامنئي على الحكم.
ومع انتظار ما ستؤول اليه الأمور، تعيش دول الخليح هاجس الأمن والاقتصاد أيضًا، لاسيما أن طهران برّرت حقها بالدفاع عن نفسها بعدما شنّت ضربات شملت 6 دول عربية هي (قطر، والبحرين، والكويت، والسعودية، والإمارات، والأردن). وفي هذا السياق، أعلن المتحدث باسم "مقر خاتم الأنبياء" التابع للحرس الثوري الإيراني إبراهيم ذوالفقاري أن بلاده ردت على الهجوم عليها من خلال استهداف مراكز حيوية وأمنية وعسكرية مهمة داخل الأراضي الفلسطينية المحتلة، إلى جانب تنفيذ ضربات وصمها بـ"الصاعقة" طالت 14 قاعدة عسكرية أميركية رئيسية في المنطقة. هذا وتسببت هذه الضربات بخسائر مادية فادحة وسقوط عدد من القتلى والجرحى وإغلاق المجال الجوي وتوقف حركة الطيران، فيما ادانت هذه الدول الهجوم الإيراني على أراضيها، مؤكدة استمرار اتخاذ الخطوات اللازمة لحماية سلامة مواطنيها وأمنها وسيادتها. وحذّر الأمين العام لمجلس التعاون الخليجي جاسم البديوي من "العواقب الوخيمة" لهذا التصعيد غير المبرّر، مؤكدًا أن استهداف أراضي دول المجلس لا يمكن قبوله تحت أي مبرر أو ذريعة، وأنه يجب على إيران التوقف الفوري عن أية أعمال تصعيدية من شأنها أن تقوض الأمن والاستقرار الإقليمي.
والمخاطر الأمنية تترافق مع الاقتصادية، خاصة أن طهران لطالما رفعت ورقة مضيق هرمز، والذي يعتبر شريان حيوي واستراتيجي، إذ يمرّ نحو خُمس إجمالي استهلاك العالم من النفط من خلاله. في الأثناء، أفادت أربعة مصادر تجارية لوكالة "رويترز" أن بعض شركات النفط والتجارة الكبرى علقت شحنات النفط الخام والوقود عبر مضيق هرمز، في حين توقع "بنك باركليز"، ارتفاع خام برنت إلى نحو 80 دولارًا للبرميل في حالة حدوث اضطراب كبير في الإمدادات. وهذه المخاطر وغيرها ستحددها مدة العملية الأميركية – الاسرائيلية وقدرة بعض الدول على الدخول على خط المفاوضات والوساطات، التي يبدو أنها في مرحلة جمود وترّقب للرّد الإيراني ومدى اتساعه وإمكانية دخول اطراف أخرى على الخط. فبغداد ترصد المستجدات وسط مخاوف من جرّها إلى أتون الحرب من خلال استهداف إسرائيل أو أميركا الفصائل الموالية لإيران وإمكانية انخراط هذه الفصائل في الحرب للتخفيف عن كاهل النظام في طهران. واستنكرت السلطات العراقية الضربات الأميركية الإسرائيلية على "إيران المجاورة"، ولكنها نبهت من "المساس بسيادة العراق وأجوائه وأراضيه، أو توظيفها كممر أو منطلق للاعتداء على طهران". يُذكر أنه في الساعات الأولى، تعرضت مقرات تابعة لـ"الحشد الشعبي" في منطقة جرف الصخر شمال محافظة بابل، لهجمات جوية ما أسفر عن مقتل شخصين وإصابة 3 آخرين.
والتخوف العراقي ينسحب على الوضع في لبنان بظل عدم معرفة الخطوات التي سيتخذها "حزب الله" الذي أصدر بيانًا أمس أعلن فيه التضامن الكامل مع إيران، داعيًا دول وشعوب المنطقة إلى الوقوف في وجه هذا المخطط العدواني وإدراك خطورته، معتبرًا أيضًا أن "عواقبه الوخيمة ستطول الجميع". وكان الأمين العام للحزب نعيم قاسم ألغى كلمته نظرًا للتطورات المتسارعة، فيما باشرت الحكومة اللبنانية اتصالاتها لإبعاد شبح الحرب وتوريطه في الصراعات والحروب الجارية. وضمن هذا السياق، حذّر رئيس مجلس الوزراء نواف سلام من جرّ بلاده إلى "مغامرات تهدّد أمنها ووحدتها"، مناشدًا جميع اللبنانيين بالتحلي "بالحكمة والوطنية واضعين مصلحة لبنان واللبنانيين فوق أي حساب". بينما أعلن رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون، أنه تلقى عبر السفير الأميركي في بيروت ميشال عيسى، رسالة من إدارته تؤكد أن الجانب الإسرائيلي ليس في وارد القيام بأي تصعيد ضد لبنان، ما دامت لا توجد أعمال عدائية من الجهة اللبنانية. بدورها، حثّت الولايات المتحدة، أمس، مواطنيها على مغادرة لبنان فورًا، كما دعت إلى عدم السفر إليه في الوقت الراهن. ومن "حزب الله" وموقفه إلى الحوثيين، الذي حمّل بيانهم استنكارًا ولكن دون التهديد والوعيد بالتدخل، إذ دعا زعيم "أنصار الله" عبد الملك الحوثي العالم الإسلامي إلى اتخاذ موقف موحد وصادق بالتضامن الكامل مع الشعب الإيراني والجمهورية الإسلامية، مطالبًا بتفعيل كل أشكال الضغط السياسي والإعلامي لإيقاف ما وصفه بـ"العدوان" الأميركي - الإسرائيلي.
هذا المشهد العام المتغير مع مسار الأوضاع، يطرح أكثر من علامة سؤال حول من سيخلّف المرشد خامنئي في الحكم، وامكانية أن تلعب المعارضة الايرانية دورًا، ومدى قدرة الشارع على امتصاص هكذا تحولات جذرية خصوصًا أن التجارب أثبتت أن الحلول العسكرية ستولد المزيد من الخضات الداخلية وسنوات طويلة من أجل حصول تعافي. في غضون ذلك، لم تكن الدول الغربية بعيدة عن سلسلة الأحداث وتداعياتها، وسط انقسام في الرأي حول التقييم والنتائج المبتغاة، ففيما أكّد رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر مشاركة قوات بلاده في جهود دفاعية مع الولايات المتحدة، دعت باريس على لسان رئيسها إيمانويل ماكرون إلى عقد اجتماع عاجل لمجلس الأمن الدولي محذرة من تبعات اندلاع حرب واسعة، مؤكدة ضرورة دخول إيران في مفاوضات جادة وإنهاء برامجها النووية والصاروخية. من جانبها، انتقدت روسيا كلَا من الولايات المتحدة وإسرائيل ووصفت هجومهما بـ"الخطير وغير المسؤول"، لافتة إلى أنه قد يدفع منطقة الشرق الأوسط بأكملها نحو "الهاوية". فيما سارعت الصين، الحليف الاستراتيجي الأخر لطهران، إلى المطالبة بـ"وقف فوري" للعنف، مشددة على ضرورة "احترام سيادة إيران الوطنية وأمنها وسلامة أراضيها".
وغابت الأخبار العربية الأخرى عن صدارة الأحداث، ولاسيما ما يدور في غزة والضفة الغربية، مع توسع العمليات العسكرية الاسرائيلية وزيادة وتيرة الاستيطان ووحشية المستوطنين. فيما بادر الاحتلال إلى القيام بالمزيد من الاجراءات "العقابية التعسفية" من خلال منع إقامة صلاتيْ العشاء والتراويح في المسجد الأقصى، وذلك بحجة حالة الطوارئ التي أُعلنت لحظة تنفيذ الهجوم الأميركي الإسرائيلي على إيران. وتعيش الضفة أيامًا عصيبة تنذر بالأسوأ بظل التحالف الأميركي – الاسرائيلي الوثيق وغياب التحركات اللازمة للحفاظ على ما تبقى من فكرة حل الدولتين وإمكانية قيام دولة فلسطينية. فيما على المقلب الأخر، لا تزال غزة تحت وطأة الدخول "المقنّن" للمساعدات الانسانية والانتهاكات اليومية للهدنة الهشة وسط المزيد من الوعيد الاسرائيلي بإعادة الحرب – التي لم تتوقف – في حال عدم تسليم "حماس" سلاحها بالكامل، وهو ما يزال موضوع بحث وتشاور بين الحركة والوسطاء دون وجود رؤية واضحة بعد.
وهنا إليكم ابرز ما ورد في الصحف العربية الصادرة اليوم، والتي من الطبيعي أن تكون الأحداث الايرانية في صميمها:
تحت عنوان "حرب مجنونة وصفحة مؤلمة"، كتبت صحيفة "الخليج" الإماراتية "من المؤلم أن تنزلق منطقتنا إلى دائرة التصعيد مجددًا.. المواجهة الأميركية الإيرانية الجارية، تمثل خيبة أمل إقليمية ولحظة تاريخية حرجة ستترك تداعيات استثنائية تتداخل فيها المصالح الجيوسياسية المعقدة مع المخاوف الأمنية، وتؤثر سلبًا في مستقبل الأجيال المقبلة". وقالت "رغم أن هذه المواجهة بدأت قوية واتسعت لتشمل كل دول المنطقة تقريبًا، فإن القدرة على وقفها فورًا ممكنة ومطلوبة في هذه المرحلة الصعبة لتفادي الانزلاق إلى حرب استنزاف لا يريدها أحد. فكلما اتسعت ستستقطب أطرافًا لا تخطر ببال الحروب أصلًا. وربما من أجل تفادي كل هذه السيناريوهات السوداء، تعمل الدبلوماسية الإقليمية، في هذه اللحظات، بأقصى سرعتها لكبح تدهور الأوضاع ومنع توسع رقعة الصراع".
صحيفة "الأهرام" المصرية، بدورها، رأت أن "الشرق الأوسط يتجه إلى مرحلة مختلفة من التصعيد العسكري بين واشنطن وتل أبيب من جانب وطهران من جانب أخر"، مشددة على أن "التصعيد العسكري أو إسقاط النظام الإيراني لن يحقق الاستقرار في الإقليم بل يدفع في اتجاه عدم الاستقرار الممتد، وهو ما ينسجم مع موقف مصر الثابت الداعم للجهود الدبلوماسية لتسوية القضايا الدولية، ومواصلة المسار التفاوضي وتجنيب التصعيد بالمنطقة وتسوية الخلافات المعلقة في المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران حول الملف النووي، والتوصل إلى حلول وسط بعيدًا عن الحلول العسكرية وتداعياتها الوخيمة التي لن ينجو منها أحد"، على حدّ قولها.
في الإطار عينه، اعتبرت صحيفة "الغد" الأردنية أنه "في الظاهر، تبدو المنطقة وكأنها تعيش ذروة اشتعالها: ضربات متبادلة، رسائل نارية، قواعد عسكرية مستهدفة، وحدود مفتوحة على الاحتمال. لكن القراءة الجيواستراتيجية الأعمق تكشف أن ما نشهده ليس الحرب الكبرى بعد، بل مرحلة إعادة تموضع قسري تمهّد لحرب مختلفة كليًا عن السنوات الماضية"، مضيفة " الضربات الأمريكية – الإسرائيلية على إيران ليست مجرد ردع تكتيكي، بل جزء من عملية أوسع لإعادة ضبط قواعد الاشتباك قبل تثبيت معادلة إقليمية جديدة. إسرائيل لا تتحرك منفردة، والولايات المتحدة لا تخوض معاركها كما فعلت في العقدين الماضيين؛ بل نحن أمام تحالف تجاوز اليوم مرحلة اختبار حدود الرد الإيراني إلى مرحلة الحسم قبل إعادة تشكيل المنطقة وتوزيع النفوذ".
ومن وجهة نظر صحيفة "عُمان" العُمانية، فإن "الحرب التي تشنها أميركا على إيران لن تقف عند حد إيقاف البرنامج النووي وتحجيم قدرات الصواريخ البالستية، فهي -إنْ تحقق لها هذا- ستواصل الضغط لبناء إيران ليبرالية، وحينها قد تسمح لها أنْ تبني مفاعلها النووي، وتكون قوة ضاربة في المنطقة، كما كان حالها زمن الشاه"، موضحة أن "انتصار أميركا أو خسارتها في هذه الحرب يضعها بين طريقين: إمَّا الإصرار على نهجها، وهذا يؤدي إلى مزيد مِن الرفض العالمي لها، وإما الإفساح للتعددية الحضارية، وفي كلا الحالين إيذان بأفول نجم اليبرالية، وهو أفول لا يكسف فجأةً، وإنَّما نقص متوالٍ".
(رصد "عروبة 22")

