نادِرًا ما يَحْمِلُ عامٌ واحِدٌ كُلَّ هَذَا القَدْرِ مِنَ التَّحَوُّلاتِ العَميقَة، لَكِنَّ 1979 كانَ اسْتِثْناءً تاريخِيًّا.. عادَ "روحُ اللَّهِ" الخُمَيْنِيُّ إلى طَهْران، لِتَسْقُطَ إِحْدى أَهَمِّ رَكائِزِ النِّظامِ الأَمْنِيِّ الأَميرْكِيِّ في الخَليجِ بِسُقوطِ نِظامِ الشّاه، وَتَنْدَلِعَ أَزْمَةُ الرَّهائِنِ التي كَشَفَتْ حُدودَ النُّفوذِ الأَميرْكِيِّ في المِنْطَقَة. وَبَعْدَ أَقَلَّ مِنْ أَحَدَ عَشَرَ شَهْرًا، في 24 دِيسَمْبِر/كانونِ الأَوَّل، اجْتاحَتْ قُوّاتُ الاتِّحادِ السّوفْياتِيِّ أَفْغانِسْتان، لِتَفْتَحَ جَبْهَةً كُبْرى في قَلْبِ آسْيا، مَعَ تَوْقيعِ السّاداتِ مُعاهَدَةَ التَّطْبيعِ مَعَ إِسْرائيلَ لِتُعيدَ تَمَوْضُعَ مِصْرَ في الإِقْليم.
تِلْكَ الأَحْداثُ الجِسامُ التَقَتْ اسْتْراتيجِيًّا داخِلَ العَقْلِ الأَميرْكِيّ.
الثَّوْرَةُ الإِسْلامِيَّةُ وَإِنْ كانَتْ حَرَمَتْ واشِنْطُنَ مِنَ الشّاهِ حَليفِها الإِقْليمِيِّ الأَهَمّ، إِلّا أَنَّها مَنَحَتِ السِّياسَةَ الأَميرْكِيَّةَ العَدُوَّ المُناسِبَ في الوَقْتِ المُناسِب، خُصوصًا مَعَ انْطِلاقِ مُبادَرَةِ السّاداتِ الزِّلزالِيَّةِ لِلتَّطْبيعِ مَعَ إِسْرائيلَ والاجْتِياحِ السّوفْياتِيِّ لِبِلادِ الأَفْغان، وَتَنامي القُدُراتِ العَسْكَرِيَّةِ العِراقِيَّةِ في زَمَنِ صَدّام حُسَيْن.
أجاد النظام الإيراني لعب دور "العدو الوظيفي" طوال أكثر من أربعة عقود
سَقَطَ الشّاهُ وَتَقَدَّمَ السّادات... واسْتَبْدَلَتِ الإِدارَةُ الأَميرْكِيَّةُ رَجُلَ تَوازُناتٍ بِرَجُلِ تَوازُناتٍ أَكْثَرَ شَعْبِيَّةً وَنُفوذًا صَنَعَ لَها اخْتِراقًا مُذْهِلاً في المِنْطَقَةِ، مَنَحَ الأَميرْكيين القُدْرَةَ على إِعادَةِ تَخْطيطِ مِنْطَقَةِ الشَّرْقِ الأَوْسَط، تَحْتَ مُرْتَكَزاتٍ عِدَّةٍ تَبْدَأُ مِنْ أَمْنِ إِسْرائيلَ وَأَمْنِ الخَليجِ وَمَصادِرِ الطّاقَةِ وَتَخْدُمُ في الوَقْتِ نَفْسِهِ مُكافَحَةَ النُّفوذِ السّوفْياتِيّ.
مِنْ قَلْبِ أَزْمَةِ الرَّهائِنِ الأَميرْكِيّينَ في طَهْران، ظَهَرَ دَوْرُ "العَدُوِّ الوَظيفِيُّ" الذي أَجادَ النِّظامُ الإيرانِيُّ لَعِبَهُ طَوالَ أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعَةِ عُقود، مُنْذُ أَوَّلِ اسْتِخْدامِ الرَّهائِنِ للإِطاحَةِ بِجيمي كارْتِر وَبِناءِ هَذَا الدَّوْرِ مَعَ الجُمْهورِيِّينَ وَمَعَ دونالد ريغان وَجورْج بُوش الأَبِ لِاثْنَيْ عَشَرَ عامًا مِنْ عُمْرِ الجُمْهورِيَّةِ الإِسْلامِيَّةِ تَرَسَّخَتْ خِلالَها قَواعِدُها وَتَأَكَّدَ خِطابُها وَظَهَرَ مَشْروعُها في المِنْطَقَة.
مَعَ الاجْتِياحِ السّوفْياتِيِّ لِأَفْغانِسْتانَ لَعِبَتِ المُخابَراتُ المَرْكَزِيَّةُ لُعْبَتَها الأَخْطَر، بِإِعادَةِ إِنْتاجِ مَفاهيمِ الصَّحْوَةِ الإِسْلامِيَّةِ وَتَوْجيهِ مارِدِ الجِهادِ الإِسْلامِيِّ تُجاهَ السّوفْياتِ بِمُعاوَنَةٍ عَرَبِيَّةٍ وَإِسْلامِيَّة... هَذا المارِدُ الذي تَغَذّى على تَطَرُّفٍ يَكْفيهِ لِكَراهِيَةِ العالَم، كانَ يَنْبَغِي احْتِواؤُهُ وَتَجْهيزُهُ لِمَرْحَلَةِ ما بَعْدَ الخَلاصِ مِنَ العَدُوِّ السّوفْياتِيّ، وَحَتّى لا تَظَلَّ رايَةُ الجِهادِ مَرْفوعَةً فَتَتَّجِهَ بَعْدَ أَفْغانِسْتانَ إلى القُدْسِ والمَصالِحِ الأَميرْكِيَّة.
كان لا بدّ من احتواء القوّة العراقية بقوّة مُوازية لديها خطاب أكثر حدّة ومُزايدة خطابية فيما يتعلّق بالقضية الفلسطينية
كانَ مُهِمًّا السَّماحُ لِتَطَرُّفٍ مَذْهَبِيٍّ مُوازٍ بِالصُّعودِ والتّأْثيرِ في قَلْبِ المِنْطَقَةِ وَمَدِّ نُفوذِهِ بَيْنَ العَواصِمِ العَرَبِيَّةِ والإِسْلامِيَّةِ فيما كانَ يُسَمّى بـِ"تَصْديرِ الثَّوْرَة"، حَتّى يَنالَ النَّصيبَ الأَكْبَرَ مِنَ العَداوَةِ والكَراهِيَةِ الجِهادِيَّة، وَيَنْجَحَ في تَفْريخِ طاقاتِ النَّموذَجِ المُتَطَرِّفِ الذي تَمَّ إِطْلاقُهُ وَكانَ مِنَ الصَّعْبِ إِسْكاتُهُ أَوْ إِعادَتُهُ مِنْ جَديدٍ إلى الهامِش.
هُنا تَأَسَّسَ صِراعٌ جَديدٌ قادِرٌ بِطائِفِيَّتِهِ على إِشْغالِ المِنْطَقَةِ واسْتِهْلاكِ طاقاتِها، سَيَتَطَوَّرُ مَعَ الوَقْتِ خُصوصًا بَعْدَ سُقوطِ بَغْدادَ لِيَبْدُوَ وَكَأَنَّهُ الصِّراعُ الرَّئيسِيُّ في العَقْلِ العَرَبِيِّ والإِسْلامِيّ.
وَمَعَ الصُّعودِ العِراقِيِّ وَتَزَعُّمِ بَغْدادَ ما كانَ يُسَمّى "جَبْهَةَ الرَّفْض"، كانَ لا بُدَّ مِنِ احْتِواءِ تِلْكَ القُوَّةِ بِقُوَّةٍ مُوازِيَةٍ لَدَيْها خِطابٌ أَكْثَرُ حِدَّةً وَمُزايَدَةً خِطابِيَّةً فيما يَتَعَلَّقُ بِالقُدْسِ والقَضِيَّةِ الفِلَسْطينِيَّةِ وَمُعاداةِ إِسْرائيل، وَمِنْ هُنا خَرَجَتْ سِياسَةُ "الاحْتِواءِ المُزْدَوَجِ" التي بَكى عَلَيْها دونالد تْرامْب في خِطابِهِ الأَخير، مُعْتَبِرًا أَنَّ تَدْميرَ العِراقِ فيما بَعْدُ أَخَلَّ بِالتَّوازُنِ الذي كانَ مَحْسوبًا في المِنْطَقَة.
الدور الوظيفي الإيراني سمح بإعادة ترتيب أولويات المنطقة بعيدًا عن إسرائيل
بِهَذَا المَعْنى، لَمْ يَكُنْ 1979 مُجَرَّدَ عامِ اضْطِراب، بَل عامَ إِعادَةِ إِنْتاجٍ لِلعَدُوِّ داخِلَ الاسْتْراتيجِيَّةِ الأَميرْكِيَّة: خَصْمٌ ثَوْرِيٌّ في طَهْران، يُضافُ إلى الخَصْمِ السّوفْياتِيِّ في كابول. وَحينَ سَقَطَ الثَّاني عامَ 1991، تَبَنّى العَقْلُ الاسْتْراتيجِيُّ الأَميرْكِيُّ رُؤْيَةً مُزْدَوَجَةً: إيرانُ خَصْمٌ مُعْلَن، لَكِنَّها في الوَقْتِ نَفْسِهِ عُنْصُرٌ وَظيفِيٌّ يَخْدُمُ مَصالِحَ واشِنْطُن بِطَريقَةٍ غَيْرِ مُباشِرَة... فَمِنْ ناحِيَةٍ مَنَحَ هَذَا الدَّوْرُ الوَظيفِيُّ الإِيرانِيُّ تَبْريرَ الوُجودِ العَسْكَرِيِّ الدّائِمِ في الخَليج... وَتَحْتَ تَأْثيرِ الصِّراعِ مَعَ إيرانَ سِياسِيًّا وَإيدْيولوجِيًّا خَلَقَتْ واشِنْطُن حالَةَ خَوْفٍ مُسْتَمِرَّةٍ بَرَّرَتْ قَواعِدَ أَميرْكِيَّةً ثابِتَةً وَوُجودَ أَساطيلَ بَحْرِيَّةٍ وَجَوِّيَّةٍ في سَواحِلِ النَّفْط، فَضْلًا عَنْ تَعْزيزِ سوقِ السِّلاحِ حَيْثُ وَفَّرَ مِلْياراتِ الدّولاراتِ لِلشَّرِكاتِ الأَميرْكِيَّةِ التي باعَتْ مَنْظوماتٍ دِفاعِيَّةً مُتَقَدِّمَةً لِدُوَلِ الخَليج، في إِطارِ تَعْزيزِ المَخاوِفِ مِنْ إيران، والتي لَعِبَتْ فيها الأَخيرَةُ دَوْرًا واضِحًا في بِناءِ حالَةِ التَّوَجُّسِ وَعَدَمِ الثِّقَةِ مَعَ أَغْلَبِ المُحيطِ العَرَبِيّ.
لَكِنَّ الأَهَمَّ أَنَّ الدَّوْرَ الوَظيفِيَّ الإيرانِيَّ سَمَحَ بِإِعادَةِ تَرْتيبِ أَوْلَوِيّاتِ المِنْطَقَةِ بَعيدًا عَنْ إِسْرائيلَ التي لَمْ تَعُدِ التَّهْديدَ المُباشِرَ الذي يَتَحَسَّبُ لَهُ الخَلِيج... وَصَنَعَ وُجودُ إِيرانَ العَدائِيُّ تَهْديدًا مُشْتَرَكًا ساعَدَ على تَمْريرِ تَحالُفاتٍ جَديدَة، انْتَهَتْ إلى اتِّفاقِيّاتٍ مِثْلَ "اتِّفاقِيّاتِ أَبْراهام"، حَيْثُ أَصْبَحَتْ إيرانُ بُؤْرَةَ التَّهْديدِ الإِقْليمِيّ، مَعَ إِبْقاءِ المِنْطَقَةِ في حالَةِ فَوْضى مُدارَة: عَبْرَ صِراعاتٍ بِالوَكالَة، أَوْ عَبْرَ دَعْمِ حُلَفاءَ داخِلَ دُوَلِ الجِوار، مِنْ دونِ السَّماحِ بِانْتِصارِ إيرانَ الكامِلِ أَوْ انْهِيارِها، كَما حَدَثَ في العِراقِ وَأَفْغانِسْتانَ وَسورْيا.
ما الذي تَغَيَّرَ اليَوْم... يَجْعَلُ التَّدَخُّلَ العَسْكَرِيَّ الأَميرْكِيَّ المُباشِرَ في إيرانَ حَتْمِيًّا... وَسْطَ سيناريواتٍ لِتَغْييرِ النِّظامِ أَوْ تَعْديلِ سُلوكِهِ مِنْ داخِلِهِ عَبْرَ "ساداتٍ إِيرانِيّ" يَدورُ بِالعَجَلَةِ في الِاتِّجاهِ المُعاكِس؟!.
هَل هُوَ إِعْلانٌ عَنْ نِهايَةِ مَرْحَلَةِ العَدُوِّ الوَظيفِيِّ المُفيد... أَمْ بَحْثٌ عَنْ تَطْويرٍ لِهَذا التَّوْصيفِ بِحَيْثُ تَكونُ الإِفادَةُ مُعْلَنَةً والنِّظامُ (الجَديدُ – القَديمُ) تَحْتَ المِظَلَّةِ الأَميرْكِيَّة، وَرُبَّما جُزْءٌ مِنْ مِحْوَرٍ جَديدٍ يَتَشَكَّلُ مِنَ الهِنْدِ شَرْقًا وَحَتَّى إِسْرائيلَ غَرْبًا يَسْتَهْدِفُ عَزْلَ التَّكَتُّلاتِ السُّنِّيَّةِ الكُبْرى عَنْ بَعْضِها (باكِسْتان - تُرْكْيا - السُّعودِيَّة - مِصْر) وَإِعادَةَ سِياسَةِ الاحْتِواءِ المُزْدَوَجِ بَيْنَ المِحْوَرَيْنِ النّاشِئَيْنِ لِتَكونَ أَساسَ النِّظامِ الأَمْنِيِّ الأَميرْكِيِّ الجَديدِ في الشَّرْقِ الأَوْسَطِ والذي يَسْمَحُ لَها بِالتَّفَرُّغِ لِأَقْصى شَرْقِ آسْيا حَيْثُ التَّهْديدُ الصّينِيّ.
حين تتغيّر هندسة الأمن الإقليمي يُعاد تصميم العنصر البنيوي في هذه الهندسة أو يُستبدَل أو يُسحَب من المعادلة
ما تَغَيَّرَ أَنَّ إِسْرائيلَ أَعادَتْ تَمَوْضُعَها في المِنْطَقَةِ كَمَصْدَرِ تَهْديدٍ مُباشِرٍ مَعَ ما ارْتَكَبَتْهُ مِنْ إِبادَةٍ في غَزَّةَ وَما أَظْهَرَتْهُ مِنْ أَطْماعٍ لِإِخْضاعِ عَواصِمِ المِنْطَقَةِ سَواءً عَبْرَ اسْتِباحَةِ السِّياداتِ أَوْ عَبْرَ تَصْريحاتٍ صادِمَةٍ تُعَبِّرُ عَنِ العَقْلِ الصُّهْيونِيِّ المُتَطَرِّفِ الذي يَحْكُمُ الكِيانَ العِبْرِيّ.
كَما أَظْهَرَتْ دُوَلُ المِنْطَقَةِ قُدْرَةً على الِانْفِتاحِ والحِوارِ مَعَ الطَّرَفِ الإِيرانِيِّ جَعَلَ التَّوَتُّرَ السّابِقَ خُصوصًا بَيْنَ السُّعودِيَّةِ وَإيرانَ في حَدِّهِ الأَدْنى مَعَ صُعودِ وَلِيِّ العَهْدِ السُّعودِيِّ مُحَمَّد بِنْ سَلْمان وَمَشْروعِهِ لِلمَمْلَكَةِ وَمَصالِحِها وَدَوائِرِ أَمْنِها القَوْمِيّ.
رُبَّما تَكونُ الخُلاصَةُ أَنَّ النِّظامَ الإِيرانِيَّ وَحَسَبَ العَقْلِ الأَميرْكِيِّ انْتَهَتْ وَظيفَتُهُ كَعُنْصُرٍ بُنْيَوِيٍّ في هَنْدَسَةِ الأَمْنِ الإِقْلِيمِيّ.
وَحِينَ تَتَغَيَّرُ الهَنْدَسَة، إِمّا أَنْ يُعادَ تَصْميمُ العُنْصُر، أَوْ يُسْتَبْدَل... أَوْ يُسْحَبَ مِنَ المُعادَلَة!.
(خاص "عروبة 22")

