صحافة

الإقليم العربي وتحديات الداخل والمحيط

إدريس لكريني

المشاركة
الإقليم العربي وتحديات الداخل والمحيط

يشهد العالم تبدلات عالمية متسارعة في الوقت الراهن، تقترن بتصاعد الأزمات السياسية، والمعضلات الاقتصادية والأمنية، إضافة إلى توالي المخاطر الناشئة العابرة للحدود والمتصلة بالتكنولوجيا الحديثة وتغير المناخ وتمدد الإرهاب، زيادة على تبدلات النظام الدولي الراهن. ويبدو أن نظريات العلاقات الدولية التقليدية والسبل الكلاسيكية لتدبير الأزمات والنزاعات (نظام الأمم المتحدة) لم تعد قادرة على مواكبة هذه المتغيرات المعقدة، التي تغير فيها مفهوما القوة والأمن..

وفي خضم هذا المناخ الدولي المعقد بتحولاته الجيوسياسية العميقة، يتجدد طرح مجموعة من الأسئلة حول طبيعة المخاطر التي تواجه المنطقة العربية، وكذا السبل الاستراتيجية الكفيلة بمواجهتها. فأمام التحولات البنيوية التي يشهدها العالم ارتباطاً بتغير موازين القوى، في ظل الطموحات الروسية والصينية لإرساء نظام دولي تعددي، وبروز تحالفات وتموقعات دولية وإقليمية جديدة، (تنافس اقتصادي واستراتيجي واستقطاب عالمي) بعد الحرب في أوكرانيا، وتصاعد الخلافات الأوروبية – الأمريكية بصدد عدد من الملفات الإقليمية والدولية، كالحرب في أوكرانيا، وتطورات القضية الفلسطينية، والأمن الأوروبي..، علاوة على تراجع الخطابات القومية على حساب الأولويات الاقتصادية والأمنية، وتأثر الاقتصاد العالمي (أسعار الطاقة والمواد الأولية) بالنزاعات العسكرية الجارية (الحرب في أوكرانيا والنزاع في اليمن..)، بالإضافة إلى تصاعد حدّة التنافس على الممرات البحرية والثروات الباطنية.

رغم كل هذه التطورات، لم تستوعب مجمل دول المنطقة ما يجري، فما زال النظام الإقليمي العربي متردياً، رغم تغير مركز الثقل العربي من دول تقليدية تحت ضغط الأزمات السياسية والأمنية المتلاحقة، إلى دول أخرى تحظى بإمكانيات مالية واقتصادية وطاقية وباستقرار سياسي وتحرك دبلوماسية مكثف وفاعل. وأمام تدهور أداء جامعة الدول العربية، واستثمار الوضع من قبل قوى إقليمية أخرى كتركيا وإيران وإسرائيل، أضحى الإقليم العربي من ضمن أكثر المناطق المعنية بارتفاع نسبة المخاطر بكل أصنافها.

فعلى مستوى التهديدات الأمنية والجيوسياسية، وزيادة على النزاعات الحدودية القائمة بين عدد من الدول العربية، تفاقم الصراع الإسرائيلي – الفلسطيني بصورة أثّرت بشكل كبير في أمن واستقرار المنطقة، حيث طالت الحرب على غزة دولاً عربية كلبنان وسوريا واليمن والعراق، فيما يضع التوتر القائم حالياً بشأن الهجوم الأمريكي - الإسرائيلي على إيران والهجمات الإيرانية على دول الخليج المنطقة أمام وضع صعب.

أما فيما يتصل بالمخاطر الاقتصادية والاجتماعية والبيئية، فهناك تهديدات تواجه أمن الممرات البحرية كـ"باب المندب" و"مضيق هرمز"، فيما تعاني دول عربية إشكالات تتهدد أمنها الغذائي والطاقي، ومن تفاقم المديونية والفقر.. وعلاقة بالكوارث والمخاطر العابرة للحدود، والتغيرات المناخية، تعتبر المنطقة معنية بتلوث البيئة وتصاعد الكوارث الطبيعية كالجفاف والفيضانات والزلازل والتصحر، كما تشهد بعض البلدان كاليمن وسوريا والسودان والصومال وليبيا انتشاراً للجماعات المسلحة، وللهجرة القسرية نتيجة لعوامل طاردة مرتبطة بالحروب الأهلية وتفشي المعضلات الاجتماعية والاقتصادية..

إن تعقد المخاطر التي تواجه المنطقة، يفرض إرساء سبل متطورة واستراتيجية، في إطار من التعاون والتنسيق، مع تعزيز التعاون الاقتصادي والطاقي. فارتباطاً بتدبير الأزمات وتعزيز الأمن الإقليمي، يتوقف الأمر على الموازنة بين الأمن القومي والأمن الإقليمي، وتوظيف الآليات السلمية التقليدية والبديلة لحلّ النزاعات.

أما فيما يتعلق بالمخاطر العابرة للحدود، فالأمر يتطلب اعتماد سبل شاملة ومستدامة لمكافحة الإرهاب وحماية البيئة، وإعطاء أولوية قصوى لتدبير المخاطر عبر اعتماد خطط استراتيجية مشتركة، وتشجيع الاستثمار في التكنولوجيا الحديثة والذكاء الاصطناعي، وتوظيفهما في مجال تدبير المخاطر، واستحضار البعدين الاجتماعي والاقتصادي ضمن الاستراتيجيات الأمنية (مدخل التنمية)، واستثمار الآليات المستدامة لمواجهة المخاطر كتقوية المؤسسات وتعزيز التنمية.

(الخليج الإماراتية)

يتم التصفح الآن