يَتَحَتَّمُ عَلَيْنا مُواجَهَةُ العَطَبِ الأَخْلاقِيِّ النّاجِمِ عَنِ الوَلاءِ الأَعْمى الذي يُؤَدّي إِلى ضُمورِ الذِّهْنِيَّةِ النّاقِدَةِ فَيُلْغي الإِقامَةَ في بَراحِ التَّعَقُّل. إِنَّ "الحَقَّ لا يُضادُّ الحَقَّ" كَما قالَ ابْنُ رُشْدٍ فَيْلَسوفُ العَقْلِ الحُرِّ مُنْذُ أَلْفِ عام، لِذا قُلْنا إِنَّ الوَلاءَ الفِكْرِيَّ لِلآخَرِ يُضادُّ الحَقّ، لِأَنَّهُ يَحْجُبُ إِمْكانَ العَيْشِ الهَنيءِ في تَجْريبِ الحَقِّ وَتَأْويلِ مَفاعيلِه، فَيَسْتَبْدِلُ مَساحاتِ النَّقْدِ بِبُؤَرِ الهَيْمَنَة.
إِنَّ أَوْهامَ القُوَّةِ الفائِضَةِ لا تَظْهَرُ في بيئَةٍ اجْتِماعِيَّةٍ مَتينَة، لِذا تَسْعى هذِهِ الأَوْهامُ إِلى أَنْ تُصْبِحَ أَداةَ تَفْكيكٍ لِكُلِّ ما هُوَ مُوَحَّد، فَتَحْتَلُّ الأَفْكارُ صاحِبَها لِتَقْصُرَ طُموحاتِهِ على تَحْقيقِ الذّاتِ عَنْوَةً، إِذْ يَغْدو الانْكِماشُ الجَماعاتِيُّ هُوَ الحالَةَ الوَحيدَةَ الَّتي تَرْتَعُ فيها هَواجِسُ التَّطْبيقِ اللّامُتَناهِي لِلأَفْكارِ عِنْدَ أَصْحابِ الذِّهْنِيَّةِ الوَلائِيَّة. هذِهِ الذِّهْنِيَّةُ فيها مِنْ عَناصِرِ التَّلَذُّذِ بِالعَيْشِ البَرِّيّ، اللّامَدَنِيّ، ما يَدْفَعُها إِلى اسْتِباحَةِ قِيَمِ الاجْتِماعِ الرّاهِنِ وَالاِسْتِخْفافِ بِالزَّمَنِ الحاضِر. وَهُنا يَحْدُثُ الشَّرْخُ الأُنْطولوجِيُّ الإِيتيقِيُّ في مَسالِكِ العَيْشِ الواحِد، إِذْ يُصْبِحُ الكائِنُ الوَلائِيُّ مُهَيْمِنًا عَلَى الحَدَثِ الحاضِرِ مِنْ دونِ أَنْ يَنْتَمِيَ إِلَيْه، لِأَنَّ وَلاءَهُ لِأَفْكارٍ مُكْتَمِلَةٍ مِنْ خارِجِ واقِعِهِ الحَيّ، أَوْ حَتّى مِنْ خارِجِ مُمْكِناتِه. إِنَّهُ عَبْدُ الآخَرِ زَمانًا وَمَكانًا وَأَشْخاصًا، لا يَقْدِرُ عَلى إِبْداعِ كَيْنُونَتِهِ المُواكِبَة.
الولاء الأعمى هو قَتْلٌ مُتعمّد للمسافة النقدية
وَالخَيْطُ الَّذي يَفْصِلُ بَيْنَ الانْتِماءِ الإِبْداعِيِّ وَالطّاعَةِ العَمْياء دَقيقٌ جِدًّا، على مُسْتَوى الحُضورِ الحُرِّ لِلأَفْكار. فَالوَلاءُ هُنا لَيْسَ إِلّا انْوِجادًا قَصْدِيًّا يُرَسِّخُ الالتِزامَ وَالمَسْؤولِيَّةَ المُشْتَرَكَة، إِذْ لا يُمْكِنُ قِيامُ جَماعَةٍ بِلا حَدٍّ أَدْنى مِنَ الوَلاءِ الوِجْدانِيِّ الَّذي يَضْمَنُ دَوامَ الثِّقَةِ في جَدْوى تَأْسيسِ مُؤَسَّساتِ المُجْتَمَعِ المَدَنِيِّ كَالأُسْرَةِ وَالدَّوْلَةِ وَالأَحْزابِ وَالجَمْعِيّاتِ الثَّقافِيَّةِ وَالتَّنْمَوِيَّةِ وَغَيْرِها الَّتي تَقومُ كُلُّها عَلى تَعْزيزِ قِيَمِ الانْتِماءِ الإِبْداعِيِّ في الوَطَن.
أَمّا حينَ يُصْبِحُ الوَلاءُ أَعْلى مِنَ الحَقيقَة، عِنْدَئِذٍ يَبْدَأُ الانْحِراف، إِذْ يَتَحَوَّلُ الفَرْدُ مِنْ كائِنٍ يُفَكِّرُ إِلى عُنْصُرٍ يُبَرِّر، إِنَّهُ المُواطِنُ التّابِع. وما يَفوتُ الكائِنُ الوَلائِيّ، وَهُوَ يُقَدِّمُ مَراسيمَ الطّاعَةِ بِفَرْضِ الهَيْمَنَةِ على الآخَر، هُوَ أَنَّ فَرْضَ التَّصَوُّراتِ لَنْ يُجاوِزَ احْتِلالَ المَشْهَدِيّات، وَلَنْ يُبَدِّلَ ظاهِراتِيَّةَ الحُدوثِ الفِعْلِيِّ لِلواقِع. فَإِذا شَتَمْتُ الواقِعَ أَوِ ادَّعَيْتُ مَعْرِفَةَ المُسْتَقْبَلِ لِأَنّي أَنْتَظِرُ حَدَثًا أُؤْمِنُ مِنْ خِلالِ عَقيدَتي الدّينِيَّةِ بِأَنَّهُ سَيَحْدُث، أَوْ إِذا اعْتَبَرْتُ أَنَّ عَقيدَةً إيدْيولوجِيَّةً سِياسِيَّةً حِزْبِيَّةً أُؤْمِنُ بِها حَتْمًا سَتَنْتَصِرُ وَتَقْلِبُ الواقِع... إِلَخ، فَإِنَّ هذا الاِعْتِبارَ الشَّخْصِيَّ لا يُمْكِنُهُ إِبْدالُ الواقِع، لِأَنَّهُ تَفْكيرٌ مَحْدودٌ داخِلَ أَنْظِمَةٍ مُغْلَقَة، لا يُؤَسِّسُ سِوى كَيْنُونَةِ الطّاعَة، بَيْنَما الفِكْرُ الحَقيقِيُّ هُوَ ذاكَ النَّقْدُ الجامِحُ الذي لا يَقْبَلُ أَنْ يَعيشَ ضَحِيَّةَ الواقِع، بَلْ يُعارِكُ الحَوادِثَ بِما هِيَ ظاهِراتٌ حَيَّة، يَسْتَلْزِمُ مِنَ المَوْجودينَ فيها أَنْ يَكونوا بِمُسْتَوى حُضورِهِمُ الحَدَثِيّ، كائِناتٍ تَعي إِمْكانَ الفَهْمِ الحُرِّ لِما يَجْري بِتَأْويلِ عَناصِرِ الحَدَثِ وَتَفْسيرِهِ مِنْ داخِلِه، لا مِنْ خارِجِه.
مَن يفقد استقلاله الفكري يصبح كائنًا يتلذّذ بالاستبداد
نَحْنُ لَمْ نَخْسَرِ الحَرْبَ لِأَنَّ اللَّهَ غاضِبٌ عَلَيْنا، أَوْ لِأَنَّنا لا نَعْرِفُ الدّينَ حَقَّ المَعْرِفَة، بَلْ لِأَنَّ هُناكَ مُقَوِّماتٍ لِفَهْمِ سَيْرورَةِ النَّصْرِ وَالتَّحَرُّرِ لَمْ نَجْتَهِدْ في تَفْسيرِ مَظاهِرِها لأَجْلِ تَأْويلِ مُمْكِناتِها في الواقِع.
إِنَّ الوَلاءَ الأَعْمى لِفِكْرَةٍ لا أَرْضَ لَها في الواقِعِ يُؤَدّي حَتْمًا إِلى الخُروجِ مِنْ دائِرَةِ التَّأْثيرِ الحَقيقِيِّ في التَّغْيير، لِأَنَّهُ قَتْلٌ مُتَعَمَّدٌ لِلْمَسافَةِ النَّقْدِيَّةِ الَّتي لا يُمْكِنُ أَنْ تولَدَ إِلّا في الحاضِر. بِهذا الوَلاءِ الفِكْرِيِّ يَتَعَطَّلُ الفَرْدُ مِنْ أَنْ يَسْأَلَ عَنْ صِحَّةِ أَفْكارِه، وَيَكْتَفي بِانْفِعالٍ أَخْلاقِيٍّ قِوامُهُ "هَلْ هذا يَخْدِمُ جَماعَتي؟". إِنَّها أَخْلاقُ الطّاعَةِ وَالعَقْلِ التَّبْريرِيِّ الَّتي تُطِلُّ عَلَى الواقِعِ مِنْ فَوْقِ أَرْضِيَّتِه، وَتَرى كُلَّ نَقْدٍ خِيانَة. هُنا نَعيشُ مَشاهِدَ التَّساقُطِ التَّدْريجِيِّ لِلإِنْسانِ أَمامَ ذاتِه، إِنَّ الإِنْسانَ عِنْدَنا صارَ يَشْهَدُ مَوْتَهُ وَهُوَ راضٍ. فَبَعْدَ أَنْ فَقَدَ بِوَلاءاتِهِ القاتِلَةِ اسْتِقْلالَهُ الفِكْرِيَّ اسْتَمْرَأ تَآكُلَ حُضورِهِ الأُنْطولوجِيِّ الفَرْدِيِّ الإِبْداعِيِّ في هذا العالَم. إِنَّهُ الآنَ كائِنٌ يَتَلَذَّذُ بِالاِسْتِبْداد، وَلا يَرى فيهِ قُوَّةَ تَسَلُّطٍ عَلى وُجودِه، بَلْ يَعْتَبِرُ أَنَّ خِدْمَتَهُ هِيَ الحَياةُ عَيْنُها.
الجميع يُدافع عن معسكره الولائي الذي يُدرك ضحالة مُقوّماته
ها هُوَ يَشْهَدُ مَصْرَعَ ذاتِهِ طَريقًا لِلسَّعادَة، بِاسْمِ الحُبِّ وَالاِنْتِماءِ وَالوَفاء. هذا الوَلاءُ المُغْلَقُ يُؤَدّي إِلى انْهِيارِ أَبْسَطِ مُقَوِّماتِ الفِعْلِ التَّواصُلِيِّ وَهُوَ المَجالُ العامّ. إِذْ عِنْدَما تَتَقَدَّمُ الوَلاءاتُ الجُزْئِيَّةُ عَلى فِكْرَةِ المُجْتَمَعِ نَفْسِها، يَنْقَسِمُ النّاسُ إِلى جَماعاتٍ مُتَقابِلَة، كُلُّ جَماعَةٍ تَمْتَلِكُ "حَقيقَتَها الخاصَّة"، وَتَضَعُ الاِصْطِفافَ غايَة، ما يُؤَدّي إِلى ضُمورِ الحِوار، أَيْ نَفادِ مُمْكِناتِ المَعْرِفَةِ المُشْتَرَكَة، فَتَغْدو الشِّعاراتُ هِيَ الضّامِنَ لِمَسافاتِ التَّباعُدِ بَيْنَ النّاس. لا أَحَدَ يُصْغي، بَلِ الجَميعُ يُدافِعُ عَنْ مُعَسْكَرِهِ الوَلائِيِّ الَّذي يُدْرِكُ ضَحالَةَ مُقَوِّماتِهِ وَهَشاشَةَ حُضورِه، لَكِنَّهُ يُصِرُّ عَلى بَقاءِ هَيْكَلِه.
هذا التَّعَنُّتُ الإيدْيولوجِيُّ لا يُلائِمُهُ سِوَى تَفَكُّكِ المَجالِ العامّ، وَطَنٌ أَوْ أُمَّةٌ أَوْ عالَم، وَهذا لا يَعْني بِالضَّرورَةِ أَنْ يَبْقى في حالِ عَداوَةٍ مَعَ الآخَرِ الشَّريكِ في الوَطَن، لَكِنْ أَنْ يَعيشَ وَلاءَهُ داخِلَ شَرانِقِ الاِنْتِماءِ الضَّيِّق، مِنْ دونِ اعْتِبارٍ لِلآفاقِ المَفْتوحَةِ دَومًا أَمامَ الاِشْتِغالِ النَّقْدِيِّ البَنّاءِ لِسِياسَةِ العَيْشِ الرّاهِن، هذا الفِعْلُ الإِرادِيُّ العِلْمِيُّ في آن، الذي يُتيحُ فُرْصَةَ اللِّقاءِ الجَديدِ بِالواقِع، انْطِلاقًا مِنْ حاجَةٍ إِلى قَوْلِ شَيْءٍ بِمُسْتَوى التَّأْثيرِ في العالَم!.
(خاص "عروبة 22")

