الأمن القومي العربي

"الأَمينُ العام" لا يَحْتاجُ إلى طائِرَة وَلا تَلْزَمُهُ دَبّابَة!

تَذَكَّرْتُ بابا الفاتيكان، في زَمَنِ الحَرْبِ العالَمِيَّةِ الثّانِيَة، وَأَنا أَقْرأ لِلسَّيِّدِ أَحْمَدَ أَبو الغَيْط، أَمينِ عامِّ جامِعَةِ الدُّوَلِ العَرَبِيَّة، أَنَّهُ لا يَمْلِكُ طائِراتٍ وَلا دَبّاباتٍ في الجامِعَة. وَتَذَكَّرْتُ البابا إِيّاهُ أَيْضًا، وَأَنا أَقْرَأُ أَيْضًا لِلبابا الحالِيِّ لاوون الرّابِعَ عَشَر، حَديثَهُ عَنْ أَنَّ المَسيحَ عَلَيْهِ السَّلامُ جاءَ لِيُخَلِّصَنا مِنَ الأَصْنامِ وَالآثام، وَكَذَلِكَ مِنَ الذين يَسْعَوْنَ إلى النَّصْرِ بِالقَضاءِ على الآخَرين. وَمِنْ قَبْلُ كانَ بِيتْرو بارولين، وَزيرُ خارِجِيَّةِ الفاتيكان، قَدْ أَطْلَقَ تَحْذيرًا مِنْ خُطورَةِ انْهِيارِ القانونِ الدَّوْلِيّ، وَالِاعْتِقادِ بِأَنَّ السَّلامَ لا يَتَحَقَّقُ إِلّا بِالقَضاءِ على العَدُوّ!.

كانَ البابا في زَمَنِ الحَرْبِ العالَمِيَّةِ الثَّانِيَةِ قَدْ قالَ ما لَمْ يُعْجِبِ الزَّعيمَ السّوفياتِيَّ جوزيف سْتالين، الذي لَمّا بَلَغَهُ ما قالَ البابا راحَ يَسْخَرُ مِنْهُ وَيَقول: كَمْ دَبّابَةً لَدى البابا؟... وَكانَ القَصْدُ أَنَّ لَدى سْتالين ما يَسْتَطيعُ أَنْ يُنَفِّذَ بِهِ ما يَقولُه، وَأَنْ يَنْقُلَهُ مِنْ حَيِّزِ الكَلامِ إلى مُرَبَّعِ الفِعْل، وَلَكِنَّ بابا الفاتيكانِ في المُقابِلِ لا يَمْلِكُ شَيْئًا مِنْ هَذا، وَلِذَلِك، فَإِنَّ عَلَيْهِ أَنْ يُوَفِّرَ ما يَتَحَدَّثُ بِهِ أَوْ يَتَكَلَّمُ فيه، وَهُوَ يَتَناوَلُ شَأْنَ الحَرْبِ التي كانَتْ لا تَزالُ مُشْتَعِلَةً وَقْتَها.

شَيْءٌ مِمّا قالَهُ بابا الحَرْبِ العالَمِيَّةِ الثّانِيَة، عادَ البابا لاوون الرّابِعُ عَشَرَ لِيَقولَه، ثُمَّ عادَ وَزيرُ خارِجِيَّةِ الفاتيكانِ لِيَقولَهُ بِصيغَةٍ مُخْتَلِفَة، وَكانَ الِاثْنانِ يَتَحَدَّثانِ في مُناسَبَتَيْنِ مُخْتَلِفَتَيْن، بَيْنَما حَديثُهُما يَتَوَجَّهُ إلى مَكانٍ واحِدٍ هُوَ البَيْتُ الأَبْيَض، وَشَخْصٍ واحِدٍ هُوَ الرَّئيسُ دونالد ترامب ساكِنُ هَذا البَيْت.

الجامعة العربية يمكنها أن تتّخذ من المواقف ما هو أقوى من قتال الدبابات والطائرات

وَما قالَهُ البابا وَمَعَهُ وَزيرُ الخارِجِيَّةِ لَمْ يَمُرَّ بِلا أَثَر، وَإِنَّما صارَ حَديثًا لِلإِعْلامِ على مُسْتَوى العالَم، وَتَناثَرَتْ أَخْبارٌ هُنا وَهُناكَ عَنْ تَوَتُّرٍ يَسودُ العَلاقَةَ بَيْنَ الوِلاياتِ المُتَّحِدَةِ الأَميرْكِيَّةِ وَالفاتيكان، أَوْ بِالأَدَقِّ بَيْنَ الرَّئيسِ ترامب وَالبابا الذي لا يُبارِكُ السِّياسَةَ الأَميرْكِيَّةَ حَوْلَ العالَم، وَفي مِنْطَقَةِ الشَّرْقِ الأَوْسَطِ في القَلْبِ مِنَ العالَم، وَلا يُقِرُّ لِلإِدارَةِ الأَميرْكِيَّةِ بِشَيْءٍ مِمّا تُمارِسُهُ وَتَفْعَلُه، مُنْذُ أَنْ عادَ ترامب إلى البَيْتِ الأَبْيَضِ قَبْلَ أَكْثَرَ مِنْ سَنَة.

هَذا المَوْقِفُ البابَوِيُّ القَوِيُّ ضِدَّ السِّياسَةِ الأَميرْكِيَّةِ التي تَعْتَمِدُها إِدارَةُ ترامب، وَالتي تُثيرُ العَداواتِ في شَتّى أَرْجاء الأَرْض، لَمْ يَكُنْ مُريحًا لِلإِدارَة، وَلا لِلرَّئيسِ الجالِسِ على رَأْسِها، وَإِنَّما كانَ وَلا يَزالُ يُؤَرِّقُ الرَّئيسَ وَالإِدارَةَ مَعًا، وَهَذا ما نَسْتَطيعُ أَنْ نَلْمَحَهُ بَيْنَ السُّطورِ فيما يَخْرُجُ عَنِ الطَّرَفَيْنِ الأَميرْكِيِّ وَالفاتيكانِيِّ مِنْ رَدٍّ ثُمَّ رَدِّ فِعْل.

وَعلى الرَّغْمِ مِنْ أَهَمِّيَّةِ المَوْقِفِ البابَوِيّ، وَأَهَمِّيَّةِ صَداهُ في داخِلِ الإِدارَةِ الأَميرْكِيَّة، التي كانَتْ تَتَصَوَّرُ أَنَّ كَوْنَ البابا أَميرْكِيًّا سَيَجْعَلُهُ يَبْتَعِدُ عَنْ إِحْراجِها، إِلّا أَنَّ ما يَخُصُّنا أَكْثَرَ في المَوْضوع، هُوَ ما صَدَرَ عَنِ الأَمينِ العامِّ لِلجامِعَةِ العَرَبِيَّةِ بِالتَّوازِي مَعَ ما صَدَرَ عَنِ البابا وَوَزيرِ الخارِجِيَّة.

يَخُصُّنا حَديثُ الأَمينِ العامِّ عَنْ أَنَّهُ لا يَمْلِكُ دَبّاباتٍ وَلا طائِرات، فَحَديثُهُ جاءَ رَدًّا على الذين تَساءَلوا عَنْ غِيابِ مَوْقِفٍ قَوِيٍّ لِلجامِعَةِ إِزاءَ ما يَحْدُثُ في المِنْطَقَة. وَلا فَرْقَ فيما يَحْدُثُ بَيْنَ العَرْبَدَةِ الإِسْرائيلِيَّةِ في مُحيطِها وَفي غَيْرِ مُحيطِها، وَبَيْنَ الحَرْبِ الإِيرانِيَّةِ التي أَطْلَقَها الرَّئيسُ الأَميرْكِيُّ في الثّامِنِ وَالعِشْرينَ مِنَ الشَّهْرِ ما قَبْلَ الماضي.

لَمْ يَكُنِ الأَمينُ العامُّ يَقولُ جَديدًا وَهُوَ يُشيرُ إلى أَنَّهُ لا يَمْلِكُ كَذا وَلا كَذا، فَكُلُّ مُواطِنٍ عَرَبِيٍّ تَعْنيهِ الجامِعَةُ يَعْرِفُ ذَلِك، وَلَكِنَّ ما فاتَ الأَمينَ العامَّ أَنَّ الجامِعَةَ لَيْسَ مَطْلوبًا مِنْها أَنْ تُقاتِلَ بِطائِرَةٍ وَلا بِدَبّابَة، وَإِنَّما يُمْكِنُها أَنْ تَتَّخِذَ مِنَ المَواقِفِ ما هُوَ أَقْوى مِنْ قِتالِ الدَّبّاباتِ وَالطّائِرات، وَأَمامَنا مَوْقِفُ الفاتيكانِ تُجاهَ السِّياسَةِ الأَميرْكِيَّةِ يَشْرَحُ ذَلِكَ وَيُوَضِّحُه.

بقاء الجامعة مُكبّلة ليس من صالح كلّ دولة عربية

نَعْرِفُ طَبْعًا أَنَّ الأَمْرَ لَيْسَ كُلَّهُ في يَدِ الأَمينِ العام، وَأَنَّهُ إِذَا تَكَلَّمَ أَوْ اتَّخَذَ مَوْقِفًا فَهُوَ يَفْعَلُ ذَلِكَ بِاسْمِ 22 حُكومَة، وَلا بُدَّ بِالتّالي أَنْ تَكونَ كُلُّها مُوافِقَةً على ما يَقولُه، وَإِلّا فَإِنَّ الحُكومَةَ غَيْرَ المُوافِقَةِ سَتَخْرُجُ وَتُحْرِجُهُ وَتَقولُ إِنَّها لا تُقِرُّ ما يَقول! وَهَذِهِ هِيَ المُعْضِلَةُ التي كَثيرًا ما أَشَرْتُ إِلَيْها، كُلَّما كانَ الحَديثُ عَنْ جامِعَةِ الدُّوَلِ العَرَبِيَّة، أَوْ عَمّا عَلَيْها أَنْ تَتَّخِذَهُ مِنَ مَوَاقِف، ثُمَّ تَقولُهُ وَهِيَ تَتَّخِذُ هَذِهِ المَواقِف.

وَإِذَا كانَتِ الجامِعَةُ سَتَسْتَقْبِلُ أَمينَها العامَّ الجَديد، الوَزيرَ نَبيل فَهْمي، في الأَوَّلِ مِنْ يولْيو/تَمّوز المُقْبِل، فَسَوْفَ يَكونُ على الرَّجُلِ أَنْ يُفَكِّكَ هَذِهِ المُعْضِلَةَ مِنْ أَوَّلِ يَوْم، وَسَوْفَ يَكونُ عَلَيْهِ أَنْ يَعْرِضَ الأَمْرَ على الدُّوَلِ الأَعْضاء، وَأَنْ يَلْفِتَ انْتِباهَ كُلِّ حُكومَةٍ في كُلِّ دَوْلَةٍ عُضْو، أَنَّ بَقاءَ الجامِعَةِ مُكَبَّلَةً هَكَذا لَيْسَ مِنْ صالِحِ كُلِّ دَوْلَةٍ عَرَبِيَّة، وَأَنَّ بَدْءَ عَمَلِهِ كَأَمينٍ عامٍّ جَديدٍ لا بُدَّ أَنْ يَكونَ بِتَخْليصِ الجامِعَةِ مِمّا يُكَبِّلُها في اتِّخاذِ المَواقِفِ القَوِيَّة.

(خاص "عروبة 22")

يتم التصفح الآن