بصمات

الشَّكُّ ضِدَّ الطّاعَة!المُنْقِذُ مِنْ يَقينِ الضَّلال

كانَ أَبو حامِدٍ الغَزالِيّ حينَ كَتَبَ "المُنْقِذَ مِنَ الضَّلالِ" يُفَتِّشُ عَنْ شَيْءٍ أَبْعَدَ مِنَ العَقيدَةِ الجاهِزَةِ أَوِ الاطْمِئْنانِ المَوْروث. لَمْ يَبْدَأْ مِنَ الإيمان، بَلْ مِنَ الارْتِيابِ فيه. لَمْ يَثِقْ بِالحَواسِّ لأَنَّها تَخْدَع، وَلَمْ يَطْمَئِنَّ إلى العَقْلِ لأَنَّهُ قَدْ يَتَحَوَّلُ بِدَوْرِهِ إلى سِجْنٍ مُغْلَق. كانَ سُؤالُهُ قاسِيًا وَبَسيطًا في آن: كَيْفَ أَعْرِفُ أَنَّ ما أَظُنُّهُ حَقيقَةً لَيْسَ وَهْمًا مُسْتَقِرًّا فَقَط؟ هذِهِ الجُرْأَةُ الفِكْرِيَّةُ هِيَ ما نَفْتَقِدُهُ اليَوْمَ أَكْثَرَ مِنْ أَيِّ شَيْءٍ آخَر، لا لأَنَّنا نَعيشُ أَزْمَةَ مَعْلومات، بَلْ لأَنَّنا نَعيشُ فائِضًا مِنَ اليَقين!.

الشَّكُّ ضِدَّ الطّاعَة!
المُنْقِذُ مِنْ يَقينِ الضَّلال

المُشْكِلَةُ في واقِعِنا العَرَبِيِّ لَيْسَتْ أَنَّنا لا نَمْلِكُ إِجابات، بَلْ أنَّنا نَمْلِكُ إِجاباتٍ أَكْثَرَ مِمّا يَنْبَغي. كُلُّ شَيْءٍ مَحْسومٌ سَلَفًا: في التَّرْبِيَة، في السِّياسَة، في الدّين، في التّاريخ، وَحَتّى في اللُّغَة. الطِّفْلُ يَتَعَلَّمُ مُنْذُ سَنَواتِهِ الأولى أَنَّ الطّاعَةَ فَضيلَة، وَأَنَّ السُّؤالَ وَقاحَة، وَأَنَّ الشَّكَّ خَطَرٌ أَخْلاقِيٌّ لا ضَرورَةٌ مَعْرِفِيَّة. يَكْبُرُ داخِلَ نِظامٍ تَرْبَوِيٍّ لا يُعَلِّمُهُ كَيْفَ يُفَكِّر، بَلْ كَيْفَ يُعيدُ إِنْتاجَ ما قيلَ قَبْلَه. وَلِهَذا لا تُنْتِجُ مَدارِسُنا عُقولًا مُسْتَقِلَّة، بَلْ نُسَخًا مُتَشابِهَةً تَخافُ مِنَ الاخْتِلافِ كَما تَخافُ مِنَ الخَطيئَة.

حينَ شَكَّ الغَزالِيّ، كانَ يُحاوِلُ أَنْ يَهْدِمَ اليَقينَ الزّائِفَ لِكَيْ يَصِلَ إلى يَقينٍ أَعْمَق. أَمّا نَحْنُ فَقَدْ حَوَّلْنا اليَقينَ إلى مُؤَسَّسَةٍ اجْتِماعِيَّةٍ كامِلَة. السِّياسِيُّ يَقينِيّ، وَرَجُلُ الدّينِ يَقينِيّ، وَالمُثَقَّفُ يَقينِيّ، وَحَتّى المُواطِنُ البَسيطُ صارَ يُدافِعُ عَنْ أَفْكارِهِ بِوَصْفِها هُوِيّاتٍ لا بِوَصْفِها اجْتِهاداتٍ قابِلَةً لِلْمُراجَعَة. وَلِذَلِكَ تَتَحَوَّلُ أَيُّ مُناقَشَةٍ إلى مَعْرَكَةِ وُجود، لأَنَّ الشَّكَّ عِنْدَنا لَمْ يَعُدْ أَداةَ مَعْرِفَة، بَلْ صارَ يُفْهَمُ كَخِيانَةٍ أَوْ تَهْديد!.

نحن بحاجة إلى الشكّ في أنظمتنا التربوية وفي خطابنا السياسي وفي اقتصادنا الرّيعي وفي خطابنا الثقافي

مِنْ هُنا يُمْكِنُ فَهْمُ جانِبٍ مِنَ التَّشَرْذُمِ العَرَبِيِّ المُعاصِر. صَحيحٌ أَنَّ الاسْتِعْمار، وَالمَشْروعَ الصُّهْيونِيّ، وَالتَّدَخُّلاتِ الخارِجِيَّة، كُلَّها عَوامِلُ حَقيقِيَّةٌ وَعَنيفَةٌ في تَفْتيتِ المِنْطَقَة، لَكِنَّ هذِهِ العَوامِلَ لَمْ تَكُنْ لِتَنْجَحَ بِهَذا العُمْقِ لَوْ لَمْ تَجِدْ بُنْيَةً داخِلِيَّةً قابِلَةً لِلتَّشَقُّق. لا يُمْكِنُ لِمُجْتَمَعٍ يَمْتَلِكُ قُدْرَةً نَقْدِيَّةً حَقيقِيَّةً أَنْ يُدارَ بِالْكامِلِ عَبْرَ العَصَبِيَّاتِ وَالطَّوائِفِ وَالشِّعاراتِ الجاهِزَة. المُشْكِلَةُ أَنَّ العَقْلَ العَرَبِيَّ، في الكَثيرِ مِنْ تَجَلِّياتِه، لَمْ يُدَرَّبْ عَلى مُراجَعَةِ نَفْسِه، بَلْ عَلى حِمايَةِ يَقينِيَّاتِهِ مَهْما كانَتْ نَتائِجُها كارِثِيَّة.

لِهَذا يَبْدو الشَّكُّ اليَوْمَ ضَرورَةً سوسْيولوجِيَّةً لا تَرَفًا فَلْسَفِيًّا. نَحْنُ بِحاجَةٍ إلى الشَّكِّ في أَنْظِمَتِنا التَّرْبَوِيَّةِ التي تُخَرِّجُ حافِظينَ لا باحِثين، وَفي خِطابِنا السِّياسِيِّ الذي يُكَرِّرُ مُفْرَداتِ "المُقاوَمَة" أَوِ "السِّيادَة" أَوِ "الوَطَنِيَّة" بَيْنَما يَعْجَزُ عَنْ بِناءِ دَوْلَةٍ عادِلَة، وَفي اقْتِصادِنا الرِّيعِيِّ الذي يَسْتَهْلِكُ أَكْثَرَ مِمّا يُنْتِج، وَفِي خِطابِنا الثَّقافِيِّ الذي يُقَدِّسُ الماضِيَ أَكْثَرَ مِمَّا يَفْهَمُه. لَسْنا مُطالَبينَ بِهَدْمِ التُّراث، بَلْ بِتَحْريرِهِ مِنْ سُلْطَةِ التَّقْديسِ المُطْلَق. فَالتُّراثُ حينَ يَتَحَوَّلُ إلى كُتْلَةِ يَقينٍ جامِدَة، يُصْبِحُ عِبْئًا على الوَعْيِ لا مَصْدَرَ إِلْهامٍ لَه.

الأَخْطَرُ أَنَّ اليَقينَ تَسَلَّلَ حَتّى إلى اللُّغَة. لُغَتُنا اليَوْمِيَّةُ مُشْبَعَةٌ بِالتَّعابيرِ القَطْعِيَّة: "لا شَكّ"، "مِنَ المُؤَكَّد"، "الحَقيقَةُ المُطْلَقَة"، "لا جِدال". وَكَأَنَّ الكَلامَ نَفْسَهُ صارَ يَرْفُضُ الاحْتِمال. بَيْنَما المُجْتَمَعاتُ الحَيَّةُ تَتَكَلَّمُ بِلُغَةٍ مَفْتوحَة: رُبَّما، ماذا لَو، هَلْ يُمْكِن، كَيْفَ نُعيدُ النَّظَر؟ اللُّغَةُ لَيْسَتْ مُجَرَّدَ وَسيلَةِ تَعْبير، بَلْ هِيَ شَكْلُ التَّفْكيرِ نَفْسِه. وَحينَ تُصْبِحُ اللُّغَةُ يَقينِيَّة، يُصْبِحُ العَقْلُ بِدَوْرِهِ أَقَلَّ قُدْرَةً على التَّخَيُّلِ وَالنَّقْدِ وَالمُراجَعَة.

الحضارات تتقدّم بالقدرة على مراجعة الذات

لَكِنَّ الشَّكَّ الذي نَحْتاجُهُ لَيْسَ عَدَمِيَّةً فارِغَة، وَلَيْسَ إِنْكارًا لِكُلِّ شَيْء. إِنَّهُ شَكٌّ مُنْتِج، يَفْتَحُ الأَسْئِلَةَ بَدَلَ أَنْ يُغْلِقَها. الشَّكُّ الذي يَجْعَلُ الإِنْسانَ يُعيدُ النَّظَرَ فِي المُسَلَّماتِ التي تَحْكُمُ سُلوكَهُ السِّياسِيَّ وَالاجْتِماعِيَّ وَالدّينِيّ. أَنْ نَسْأَل: لِماذا فَشِلَتْ مَشاريعُنا؟ لِماذا تَتَحَوَّلُ السُّلْطَةُ عِنْدَنا إلى غَلَبَةٍ لا إلى إِدارَة؟ لِماذا نَخافُ مِنَ الحُرِّيَّةِ على الرَّغْمِ مِنْ مُطالَبَتِنا الدّائِمَةِ بِها؟ لِماذا نَسْتَهْلِكُ خِطابَ الحَداثَةِ بَيْنَما نَبْقى أَسْرى بُنًى تَقْليدِيَّةٍ في العائِلَةِ وَالحِزْبِ وَالطّائِفَة؟.

الشَّكُّ الحَقيقِيُّ يَحْتاجُ إلى شَجاعَة، لأَنَّ الإِنْسانَ حينَ يَشُكُّ يَفْقِدُ مُؤَقَّتًا راحَتَهُ النَّفْسِيَّة. اليَقينُ مُريح، حَتّى لَوْ كانَ زائِفًا، أَمّا السُّؤالُ فَيُرْبِك. وَلِهَذا تَميلُ المُجْتَمَعاتُ المَأْزومَةُ إلى إِنْتاجِ المَزيدِ مِنَ العَقائِدِ المُغْلَقَة، لأَنَّها تَمْنَحُ شُعورًا بِالأَمانِ وَسْطَ الفَوْضى. لَكِنَّ الحَضاراتِ لا تَتَقَدَّمُ بِالطُّمَأْنينَةِ الفِكْرِيَّة، بَلْ بِالقُدْرَةِ على مُراجَعَةِ الذّات. كُلُّ نَهْضَةٍ كُبْرى بَدَأَتْ بِسُؤالٍ هَزَّ البُنْيَةَ القَديمَةَ لِلْمَعْرِفَة.

الخطر في عقل يتحوّل من مُنتج للأسئلة إلى مُستقبِل مُطيع للإجابات الجاهزة

رُبَّما لا نَحْتاجُ اليَوْمَ إلى أَنْ نَصِلَ مَعَ الغَزالِيِّ إلى التَّصَوُّفِ أَوْ إلى يَقينٍ نِهائِيّ، يَكْفي أَنْ نَسْتَعيدَ مِنْهُ لَحْظَةَ الشَّكِّ الأولى، تِلْكَ اللَّحْظَةَ التي وَقَفَ فِيها الإِنْسانُ أَمامَ مَعارِفِهِ كُلِّها وَسَأَل: ماذا لَوْ كانَتْ بَعْضُ هذِهِ الحَقائِقِ مُجَرَّدَ أَوْهامٍ وَرِثْناها وَتَوَقَّفْنا عَنْ اخْتِبارِها؟ عِنْدَها فَقَطْ يُمْكِنُ لِلْعَقْلِ أَنْ يَبْدَأَ مِنْ جَديد، لا بِوَصْفِهِ حافِظًا لِلْماضي، بَلْ صانِعًا لاحْتِمالاتٍ أُخْرَى لِلْمُسْتَقْبَل.

اليَوْم، لَمْ تَعُدِ اليَقينِيّاتُ تُوَرَّثُ فَقَطْ عَبْرَ المَدْرَسَةِ أَوِ الخِطابِ الدّينِيِّ وَالسِّياسِيّ، بَلْ عَبْرَ الخَوارِزْمِيّاتِ أَيْضًا. فَالذَّكاءُ الاصْطِناعِيُّ يَمْنَحُنا أَجْوِبَةً فَوْرِيَّةً حَتّى قَبْلَ أَنْ يَكْتَمِلَ السُّؤالُ داخِلَنا، وَكَأَنَّ المَعْرِفَةَ تَحَوَّلَتْ إلى اسْتِهْلاكٍ سَريعٍ لا إلى قَلَقٍ فِكْرِيّ. الخَطَرُ لَيْسَ في الآلَة، بَلْ في عَقْلٍ يَفْقِدُ تَدْريجِيًّا شَهْوَةَ الارْتِياب، وَيَتَحَوَّلُ مِنْ مُنْتِجٍ لِلأَسْئِلَةِ إلى مُسْتَقْبِلٍ مُطيعٍ لِلإِجاباتِ الجاهِزَة!.

(خاص "عروبة 22")

يتم التصفح الآن