اليَوْم، تَجِدُ الطَّبَقَةُ الوُسْطى نَفْسَها بَيْنَ شِقَّيْ رَحى؛ فَمِنْ جِهَةٍ تُعيدُ الحُروبُ التِّجارِيَّةُ وَالاضْطِراباتُ الاقْتِصادِيَّةُ العالَمِيَّةُ تَشْكيلَ بيئَةِ الأَعْمالِ وَمُسْتَوَياتِ الأَسْعارِ بِما يَرْفَعُ تَكْلِفَةَ المَعيشَةِ وَيَضْغَطُ على العُمْلاتِ المَحَلِّيَّة، وَمِنْ جِهَةٍ أُخْرى يُهَدِّدُ التَّوَسُّعُ المُتَسارِعُ في تَطْبيقَاتِ الذَّكاءِ الاصْطِناعِيِّ الوَظائِفَ المَعْرِفِيَّةَ التي شَكَّلَتْ لِعُقودٍ طَويلَةٍ المَلاذَ الآمِنَ لأَبْناءِ هذه الطَّبَقَة. وَبَيْنَ هذَيْنِ الضَّغْطَيْنِ تَتَآكَلُ القُدْرَةُ الشِّرائِيَّة، وَتَتَراجَعُ فُرَصُ الادِّخار، وَتَزْدادُ أَعْدادُ الأُسَرِ التي تَعيشُ على حافَّةِ الهَشاشَةِ الاقْتِصادِيَّة، بَعْدَ أَنْ كانَتْ تَتَمَتَّعُ بِقَدْرٍ مَعْقولٍ مِنَ الاسْتِقْرارِ وَالأَمانِ المَعيشِيّ.
المواطن العربي يدفع فاتورة الصراعات الجيوسياسية بين القوى الكبرى
في العالَمِ العَرَبِيّ، لا تُقاسُ الطَّبَقَةُ الوُسْطى فَقَطْ بِمُسْتَوى الدَّخْل، بَلْ بِقُدْرَتِها على الحِفاظِ على نَمَطِ حَياةٍ مُسْتَقِرٍّ نِسْبِيًّا؛ وَتَعْليمٍ جَيِّدٍ لِلأَبْناء، وَرِعايَةٍ صِحِّيَّةٍ مَقْبولَة، وَسَكَنٍ مُلائِم، وَقُدْرَةٍ مَحْدودَةٍ على الادِّخارِ أَوْ مُواجَهَةِ الطَّوارِئ. وَالمُشْكِلَةُ أَنَّ جُزْءًا كَبيرًا مِنْ هذِهِ الطَّبَقَة، خُصوصًا فِي الدُّوَلِ غَيْرِ النَّفْطِيَّة، يَعيشُ في مِنْطَقَةٍ هَشَّةٍ لِلْغايَة، بِحَيْثُ يُمْكِنُ لِمَوْجَةِ تَضَخُّمٍ واحِدَة، أَوِ انْخِفاضٍ كَبيرٍ في قيمَةِ العُمْلَةِ أَنْ يَدْفَعَهُ سَريعًا إلى ما دونَ خَطِّ الأَمانِ الاقْتِصادِيّ.
لَقَدْ أَدّى تَصاعُدُ الحُروبِ التِّجارِيَّةِ بَيْنَ الوِلاياتِ المُتَّحِدَةِ وَالصّين، ثُمَّ التَّوَتُّراتُ الأوروبِّيَّةُ - الرّوسِيَّة، إلى تَفْكيكٍ تَدْريجِيٍّ لِنَموذَجِ العَوْلَمَةِ الرَّخيصَةِ الذي اسْتَفادَتْ مِنْهُ الاقْتِصاداتُ النّامِيَةُ لِعُقود. فَارْتِفاعُ الرُّسومِ الجُمْرُكِيَّة، وَاضْطِرابُ سَلاسِلِ الإِمْداد، وَارْتِفاعُ تَكْلِفَةِ الشَّحْنِ وَالطّاقَةِ وَالتَّأْمين، كُلُّها عَوامِلُ انْعَكَسَتْ بِصورَةٍ مُباشِرَةٍ على أَسْعارِ الغِذاءِ وَالدَّواءِ وَالتِّكْنولوجْيا في الدُّوَلِ العَرَبِيَّةِ المُسْتَوْرِدَة. وَلَمْ يَعُدِ المُواطِنُ العَرَبِيُّ يَدْفَعُ فَقَطْ تَكْلِفَةَ ضَعْفِهِ الإِنْتاجِيِّ المَحَلِّيّ، بَلْ أَصْبَحَ يَدْفَعُ أَيْضًا فاتورَةَ الصِّراعاتِ الجِيوسِياسِيَّةِ بَيْنَ القُوى الكُبْرى.
أصبح خرّيج الجامعة في مواجهة مُنافس لا يطلب راتبًا ولا تأمينًا صحيًا ولا إجازات سنوية
وَيَذْهَبُ الاقْتِصادِيُّ الأَميرْكِيُّ "جوزيف سْتيغْلِتْز" (Joseph Stiglitz) إلى أَنَّ الحِمائِيَّةَ التِّجارِيَّةَ لا تَضْرِبُ الاقْتِصاداتِ المُتَقَدِّمَةَ بِالقَدْرِ نَفْسِهِ الذي تَضْرِبُ بِهِ الطَّبَقاتِ الوُسْطى وَالدُّنْيا فِي الدُّوَلِ النّامِيَة، لأَنَّ هذِهِ الدُّوَلَ تَعْتَمِدُ بِصورَةٍ أَكْبَرَ على الوارِداتِ وَعلى تَدَفُّقاتِ الاسْتِثْمارِ الخارِجِيّ، إِذْ تُعاني هَيْكَلِيًّا مِنْ ضَعْفِ الادِّخارِ المَحَلِّيّ. وَمَعَ كُلِّ مَوْجَةِ اضْطِرابٍ عالَمِيٍّ تَتَّجِهُ رُؤوسُ الأَمْوالِ إلى "المَلاذاتِ الآمِنَة"، فَتَضْعُفُ العُمْلاتُ المَحَلِّيَّةُ وَتَزْدادُ تَكْلِفَةُ الاسْتيراد، بَيْنَما يَبْقى دَخْلُ المُوَظَّفِ العَرَبِيِّ ثابِتًا أَوْ شِبْهَ ثابِتٍ أَمامَ تَضَخُّمٍ مُتَسارِعٍ يَلْتَهِمُ قُدْرَتَهُ الشِّرائِيَّة.
لَكِنَّ الخَطَرَ الأَكْبَرَ رُبَّما لا يَأْتي مِنَ الأَسْواقِ العالَمِيَّةِ وَحْدَها، بَلْ مِنَ التَّحَوُّلِ التِّكْنولوجِيِّ نَفْسِه. فَفي الماضي، كانَتِ الأَتْمَتَةُ تُهَدِّدُ العَمالَةَ اليَدَوِيَّةَ وَالوَظائِفَ مُنْخَفِضَةَ المَهارَة، أَمّا اليَوْمَ فَإِنَّ الذَّكاءَ الاصْطِناعِيَّ التَّوْليدِيَّ باتَ يَقْتَرِبُ مِنْ قَلْبِ الوَظائِفِ التي اعْتَمَدَتْ عَلَيْها الطَّبَقَةُ الوُسْطى لِعُقودٍ طَويلَة؛ مِنَ التَّرْجَمَةِ وَخِدْمَةِ العُمَلاءِ وَإِدْخالِ البَياناتِ إلى بَعْضِ الأَعْمالِ القانونِيَّةِ وَالمُحاسَبِيَّةِ وَالبَرْمَجِيَّةِ الأَوَّلِيَّة. وَهُنا يُصْبِحُ خِرّيجُ الجامِعَة، الذي اعْتَبَرَ شَهادَتَهُ يَوْمًا بَوَّابَةً آمِنَةً لِلصُّعودِ الاجْتِماعِيّ، فِي مُواجَهَةِ مُنافِسٍ لا يَطْلُبُ راتِبًا وَلا تَأْمينًا صِحِّيًّا وَلا إِجازاتٍ سَنَوِيَّة.
وَيُحَذِّرُ الاقْتِصادِيُّ التُّرْكِيُّ - الأَميرْكِيُّ الحائِزُ على "نوبِلْ" دارونْ عاصِمْ أوغْلو (Daron Acemoglu) مِنْ أَنَّ التِّكْنولوجْيا حينَ تُتْرَكُ بِالكامِلِ لِمَنْطِقِ الشَّرِكاتِ الكُبْرى تُؤَدّي إلى ما يُسَمّيهِ "تَفْريغَ الوَسَط"، أَيْ تَآكُلَ الوَظائِفِ المُتَوَسِّطَةِ التي تُمَثِّلُ عَصَبَ الطَّبَقَةِ الوُسْطى، مُقابِلَ تَرَكُّزِ الثَّرْوَةِ في أَيْدي قِلَّةٍ تَمْلِكُ التِّكْنولوجْيا وَرَأْسَ المال. وَالنَّتيجَةُ لَيْسَتْ فَقَطِ ارْتِفاعَ البِطالَة، بَلْ نُشوءَ اقْتِصادٍ شَديدِ الاسْتِقْطاب؛ قِلَّةٌ شَديدَةُ الثَّراءِ مُرْتَبِطَةٌ بِالعَوْلَمَةِ وَالتِّكْنولوجْيا، وَأَغْلَبِيَّةٌ واسِعَةٌ تَعْمَلُ في وَظائِفَ هَشَّةٍ مُنْخَفِضَةِ الأَجْرِ تَفْتَقِرُ إلى الاسْتِقْرارِ وَالأَمان.
مواجهة التحوُّلات تتطلّب إعادة نظر جذرية في السياسات الاقتصادية والتعليمية
هَذا التَّحَوُّلُ يَبْدو أَكْثَرَ خُطورَةً في العالَمِ العَرَبِيِّ لأَنَّ أَسْواقَ العَمَلِ فيهِ تُعاني أَصْلًا مِنِ اخْتِلالاتٍ هَيْكَلِيَّةٍ عَميقَة؛ بِطالَةٍ مُرْتَفِعَةٍ بَيْنَ الشَّباب، وَاعْتِمادٍ مُفْرِطٍ على القِطاعِ الحُكومِيّ، وَضَعْفِ الإِنْتاجِيَّة، وَتَراجُعِ جَوْدَةِ التَّعْليم. وَمَعَ دُخولِ الذَّكاءِ الاصْطِناعِيِّ إلى قَلْبِ الأَنْشِطَةِ الخِدْمِيَّةِ وَالإِدارِيَّة، فَإِنَّ مَلايينَ الوَظائِفِ التَّقْليدِيَّةِ مُرَشَّحَةٌ إِمّا لِلِاخْتِفاءِ أَوْ لِلتَّراجُعِ الكَبيرِ في قيمَتِها الاقْتِصادِيَّة.
وَهَكَذا نَجِدُ أَنْفُسَنا أَمامَ ظاهِرَةِ "الهُبوطِ الطَّبَقِيّ"، حَيْثُ لا تَعودُ المُشْكِلَةُ في الفَقْرِ التَّقْليدِيِّ وَحْدَه، بَلْ في انْزِلاقِ قِطاعاتٍ واسِعَةٍ مِنَ الطَّبَقَةِ الوُسْطى تَدْريجِيًّا نَحْوَ الهَشاشَةِ الاقْتِصادِيَّة. فَالأُسَرُ التي كانَتْ قادِرَةً قَبْلَ سَنَواتٍ قَليلَةٍ على تَحَمُّلِ تَكْلِفَةِ التَّعْليمِ الخاصِّ أَوِ العِلاجِ أَوْ شِراءِ مَسْكَنٍ أَصْبَحَتْ بِالكادِ تُدَبِّرُ احْتِياجاتِها الأَساسِيَّة، بَيْنَما يَتَراجَعُ الأَمَلُ في المُسْتَقْبَلِ لِصالِحِ شُعورٍ دائِمٍ بِعَدَمِ اليَقين.
إِنَّ أَخْطَرَ ما في هَذا التَّحَوُّلِ أَنَّهُ لا يُهَدِّدُ الاقْتِصادَ وَحْدَه، بَلْ يُهَدِّدُ فِكْرَةَ الاسْتِقْرارِ الاجْتِماعِيِّ ذاتَها. فَالطَّبَقَةُ الوُسْطى تاريخِيًّا لَيْسَتْ فَقَطْ طَبَقَةً مُسْتَهْلِكَة، بَلْ طَبَقَةٌ حامِلَةٌ لِلْقِيَمِ المَدَنِيَّةِ وَالاعْتِدالِ السِّياسِيِّ وَالطُّموحِ المِهْنِيّ. وَعِنْدَما تَتَآكَلُ هَذِهِ الطَّبَقَةُ يَتَّسِعُ المَجالُ أَمامَ الاسْتِقْطابِ الاجْتِماعِيِّ وَالاقْتِصادِيّ، وَتَتَراجَعُ الثِّقَةُ في المُؤَسَّساتِ وَفي قُدْرَةِ الدَّوْلَةِ على تَوْفيرِ الحَدِّ الأَدْنى مِنَ العَدالَةِ وَالفُرَص.
المطلوب هو الاستثمار في المهارات التي يصعب على الآلة تقليدها
وَلِهَذا فَإِنَّ مُواجَهَةَ هَذِهِ التَّحَوُّلاتِ تَتَطَلَّبُ إِعادَةَ نَظَرٍ جِذْرِيَّةً في السِّياساتِ الاقْتِصادِيَّةِ وَالتَّعْليمِيَّة. فَلا يُمْكِنُ الاسْتِمْرارُ في نُظُمٍ تَعْليمِيَّةٍ تُخَرِّجُ مُوَظَّفينَ لِوَظائِفَ قَدْ تَخْتَفي خِلالَ سَنَواتٍ قَليلَة، كَما لا يُمْكِنُ الاعْتِمادُ إلى الأَبَدِ على الاسْتيرادِ المُفْرِطِ في عالَمٍ يَتَّجِهُ نَحْوَ الحِمائِيَّةِ وَالانْقِسامِ الاقْتِصادِيّ. المَطْلوبُ هُوَ الاسْتِثْمارُ في المَهاراتِ التي يَصْعُبُ على الآلَةِ تَقْليدُها؛ التَّفْكيرُ النَّقْدِيّ، وَالإِبْداع، وَالقُدْرَةُ على التَّحْليلِ وَالتَّواصُلِ الإِنْسانِيّ، إلى جانِبِ بِناءِ شَبَكاتِ أَمانٍ اجْتِماعِيٍّ أَكْثَرَ مَرونَةً وَعَدالَة، وَتَشْجيعِ الإِنْتاجِ المَحَلِّيِّ وَالاقْتِصادِ الحَقيقِيّ.
إِنَّ الحِفاظَ على الطَّبَقَةِ الوُسْطَى العَرَبِيَّةِ أَصْبَحَ ضَرُورَةً اسْتِراتِيجِيَّة، فَالْمُجْتَمَعاتُ التي تَفْقِدُ طَبَقَتَها الوُسْطَى تَفْقِدُ تَدْرِيجِيًّا تَوازُنَها الاقْتِصادِيَّ وَالاجْتِماعِيّ، وَتُصْبِحُ أَكْثَرَ عُرْضَةً لِلْهَشاشَةِ وَالاضْطِرابِ فِي عالَمٍ لَمْ يَعُدْ يَرْحَمُ الضُّعَفاءَ وَلا المُتَأَخِّرِينَ عَنْ رَكْبِ التَّحَوُّل.
(خاص "عروبة 22")

