قَبْلَ أَنْ نُغادِرَ المَنْهَجَ الوَصْفِيَّ لِهَذا المَشْهَدِ الحَرْبِيِّ المُرَوِّعِ وَالمُنْفَلِتِ تَمامًا مِنْ أَيِّ مَنْطِقٍ شَرْعِيٍّ قانونِيٍّ أَوْ أَخْلاقِيٍّ، وَقَبْلَ الخُروجِ مِنَ الوَصْفِ إِلى مُحاوَلَةِ اسْتِخْلاصِ النَّتائِجِ المُسْتَقْبَلِيَّة، لا بُدَّ مِنْ إِشارَةٍ سَريعَةٍ إِلى حَقيقَتَيْنِ اثْنَتَيْنِ جَرى المَشْهَدُ الحَرْبِيُّ الشّاذُّ تَحْتَ ظِلالِهِما الثَّقيلَة:
الحقيقةُ الأولى: ذاكَ الاخْتِلالُ الفادِحُ وَالتَّشَوُّهُ الشَّديدُ في تَوازُناتِ القُوى عَلى السّاحَةِ الدَّوْلِيَّةِ الرّاهِنَة، وَقَدْ أَشَرْنا إِلَيْهِ تَفْصيلًا عِنْدَما حاوَلْنا في سُطورٍ سابِقَةٍ فَهْمَ "أَسْبابِ تَقاعُسِ روسْيا وَالصّينِ عَنْ إِسْنادِ إيران"، وَمِنْ ثَمَّ بَدَتِ الإِمْبِريالِيَّةُ الأَميرْكِيَّةُ بِقِيادَةِ دونالد ترامب مُسْتَقْوِيَةً وَمُسْتَفْرِدَةً تَمامًا، مَعَ الكِيانِ الصُّهْيونِيّ، بِمِنْطَقَتِنا.
اضطرّ ترامب إلى خوض المفاوضات بعدما فشلت حربه
أَمّا الحَقيقَةُ الثّانِيَة، فَهِيَ الطّابِعُ الهَزَلِيُّ المُفْرِطُ وَشَديدُ النُّدْرَةِ في التّاريخِ الإِنْسانِيّ، الذي أَسْبَغَهُ ترامب عَلى مَشْهَدِ شَلّالِ الدَّمِ المُتَدَفِّقِ خِلالَ هذِهِ الحَرْب، وَمِنْ آياتِهِ الكَثيرَة، أَنَّ الرَّئيسَ الأَميرْكِيَّ رافَقَ تَوَحُّشَهُ وَارْتِكاباتِهِ المُرَوِّعَةَ في الحَرْبِ بِسَيْلٍ هائِلٍ مِنَ التَّصْريحاتِ وَالتَّغْريداتِ الَّتي يُنافِسُ عَدَدُها المَهولُ شَلّالاتِ الأَكاذيبِ الَّتي تَحْتَوي عَلَيْها.
تَصْريحاتُ ترامب وَتُرَّهاتُه، الَّتي لَمْ يَكَدْ يَنْقَطِعْ بَثُّها ساعَةً واحِدَةً مُسْتَخْدِمًا كُلَّ وَسائِطِ الإِعْلامِ ابْتِداءً مِنْ مُسَلْسَلِ تَغْريداتِهِ عَلى مِنَصَّتِهِ الخاصَّةِ "تْروث سوشيال"، إِلى مُؤْتَمَراتٍ صِحافِيَّةٍ مُطَوَّلَةٍ جِدًّا يَعْقِدُها يَوْمِيًّا تَقْريبًا، وَتَصْريحاتٍ يُدْلِي بِها في كُلِّ ساعَةٍ (أَوْ أَقَلَّ) لِصِحافِيّينَ مِنْ كُلِّ نَوْعٍ وَاتِّجاه، يَتَّصِلُ هُوَ شَخْصِيًّا بِهِمْ في أَحْيانٍ كَثيرَة، سَواءٌ كانُوا يَعْمَلُونَ في صُحُفٍ أَوْ مَواقِعَ أَوْ قَنَواتٍ تِلْفِزْيونِيَّة، وَلا يَكُفُّ عَنْ إِهانَةِ بَعْضِهِمْ عَلَنًا وَبِبَذاءَةٍ مُرَوِّعَة!.. في كُلِّ هذِهِ التَّصْريحات، يَبُثُّ دونالْد ترامب فَيْضًا جَبّارًا مِنَ الأَكاذيبِ وَالمَواقِفِ وَالمَعْلوماتِ المُتَناقِضَة، ما أَعاقَ وَأَرْبَكَ تَمامًا كُلَّ مَنْ حاوَل، في العالَمِ كُلِّه، التَّصَدّي بِالتَّحْليلِ وَالقِراءَةِ المَوْضوعِيَّةِ لِمُجْرَياتِ الأَحْداثِ وَتَطَوُّراتِ الحَرْبِ ثُمَّ المُفاوَضاتِ الَّتي اضْطُرَّ ترامب إِلى خَوْضِها بَعْدَما فَشِلَتْ حَرْبُهُ العُدْوانِيَّةُ فَشَلًا ذَرِيعًا عَلى الرَّغْمِ مِنَ التَّضَخُّمِ الرَّهيبِ لِحَجْمِ القَتْلِ وَالدَّمار.
رياح الحرب كشفت أنّ الوجود الأميركي في الخليج العربي كان مصدرًا لشرور وتهديدات ما كانت لتكون لولاه
يَعْني، عَلى سَبيلِ المِثال، صَرَّحَ الرَّئِيسُ الأَميرِكِيُّ عَلى مَدى شَهْرَيْنِ مِنَ المُفاوَضاتِ مِنْ أَجْلِ التَّوَصُّلِ إِلى وَرَقَةِ تَفاهُماتٍ تَكونُ جِسْرَ عُبورٍ إِلى مُفاوَضاتٍ بِشَأْنِ قَضايا الخِلافِ الرَّئيسِيَّة، أَكْثَرَ مِنْ خَمْسينَ مَرَّة، بأَنَّ هّذا التَّفاهُمَ عَلى الوَرَقَةِ قَدْ تَمَّ فِعْلًا، بَلْ إِنَّهُ كَثيرًا ما حَدَّدَ يَوْمًا أَوْ ساعَةً بِعَيْنِها لِلتَّوْقيعِ على الوَرَقَة، ثُمَّ سُرْعانَ ما كانَ يَتَراجَع (أَحْيانًا كَثيرَةً في اليَوْمِ نَفْسِه) وَيَعودُ لِيَشْتُمَ إيرانَ وَيَتَوَعَّدَها بِشَتّى أَنْواعِ الجَحيم!.
عَلى الرَّغْمِ مِنْ كُلِّ ما فات، لَيْسَ هُناكَ مِنْ مَهْرَبٍ لِمُحاوَلَةِ قِراءَةِ مَعالِمَ تَبْدو في اللَّحْظَةِ الرّاهِنَةِ غائِمَةً لَكِنَّها تَلوحُ مِنْ بَعيدٍ في الأُفُقِ وَتَرْسُمُ صورَةً اسْتراتيجِيَّةً لِمُسْتَقْبَلِ إِقْليمِنا وَأُمَّتِنا، رُبَّما بَعْضُ أَجْزاءِ هذِهِ الصّورَةِ يَظْهَرُ الآنَ مُشَوَّشًا لَكِنَّ باقيَ الأَجْزاءِ وَأَهَمَّها تَتَجَلّّى واضِحَةً لِكُلِّ صاحِبِ بَصيرَةٍ قَبْلَ البَصَر.
إِنَّ أَهَمَّ المَلامِحِ الاسْتراتيجِيَّةِ لِما سَيَتَجَلّى بَعْدَ أَنْ يَهْدَأَ غُبارُ الحَرْب، يُمْكِنُ رَصْدُهُ سَريعًا وَاخْتِصارُهُ في ثَلاثَةٍ مِنْها هِيَ تَحْديدًا:
أَوَّلًا: المَشْهَدُ الخَليجِيُّ الرّاهِن، حَيْثُ الوُجودُ الكَثيفُ وَالانْتِشارُ الذي يُحاكي الفِطْرَ لِقُوّاتٍ وَقَواعِدَ أَميرْكِيَّة، بِظَنِّ أَنَّ هَذا الوُجودَ هُوَ ضامِنٌ أَكيدٌ لِلْأَمْنِ وَالاسْتِقْرار، غَيْرَ أَنَّ الحَرْبَ عِنْدَما هَبَّتْ رِياحُها عَصَفَتْ بِكُلِّ هذِهِ الظُّنونِ وَكَشَفَتْ بِجَلاءٍ أَنَّ الوُجودَ الأَميرْكِيَّ أَتى بِالعَكْسِ تَمامًا، فَكانَ مَصْدَرًا لِشُرورٍ فادِحَةٍ وَتَهْديداتٍ خَطيرَةٍ ما كانَتْ لِتَكونَ لَوْلاه، وَعَلَيْهِ فَإِنَّ إِلْحاحَ هذِهِ الحَقيقَةِ السّاطِعَةِ سَيَبْدَأُ إِنْتاجَ مَفاعيلِها رُوَيْدًا رُوَيْدًا وَسَنَشْهَدُ، وَلَوْ بَعْدَ حينٍ، تَغْييرًا حَثيثًا وَرُبَّما بَطيئًا في هَذا الوَضْعِ المُشَوَّهِ اسْتِراتيجِيًّا، وَقَدْ يُرافِقُهُ نَوْعٌ مِنَ التغييرِ في عَقْلِيَّةِ أَوْ حَتّى في نَوْعِ بَعْضِ النُّخَبِ الحاكِمَةِ أَيْضًا.
الحقيقة التي كشفت الحرب عنها أقوى من محاولات تجاهلها
ثانِيًا: الحاجَةُ إِلى تَغَيُّرِ المَشْهَدِ الاسْتراتيجِيِّ القائِمِ حالِيًّا في باقي أَصْقاعِ الأُمَّةِ العَرَبِيَّة، فَهُوَ لَيْسَ أَفْضَلَ حالًا مِمّا هُوَ حاصِلٌ في الخَلِيجِ العَرَبِيّ، بَلْ رُبَّما الحالَةُ في أَقْطارٍ أُخْرَى، بَعْضُها كَبيرٌ وَمُهِمٌّ جِدًّا (مِصْرُ تَحْديدًا) بَدَتْ أَسْوَأَ كَثيرًا، إِذْ أَظْهَرَتِ الحَرْبُ وَالعَرْبَدَةُ الوَحْشِيَّةُ الإِسْرائِيلِيَّةُ ـ الأَميرِكِيَّة، مَدى هَشاشَةِ الوَضْعِ الذي سِيقَتْ وَجُرَّتْ مِصْرُ إِلَيْهِ جَرًّا، سَواءٌ مِنْ حَيْثُ حُضورُها وَقُدْرَتُها عَلى التَّأْثيرِ القَوِيِّ في ما يَجْري في أُمَّتِها وَمَجالِها الحَيَوِيّ، أَوْ مِنْ حَيْثُ البُؤْسُ المُتَعاظِمُ لِأَوْضاعِها الدّاخِلِيَّة، لِذَلِكَ، فَإِنَّ قُوَّةَ الحَقيقَةِ الَّتي كَشَفَتِ الحَرْبُ عَنْها، تَبْدو أَقْوَى وَأَشَدَّ مِنْ أَنْ تَتِمَّ بِنَجاحٍ مُحاوَلاتُ تَجاهُلِها، وَإِنْ طالَ الزَّمَنُ قَلِيلًا.
ثالِثًا: أما المُسْتَقْبَلُ الاسْتراتيجِيُّ لِلْكِيانِ الصُّهْيونِيِّ طِبْقًا لِما كَشَفَ عَنْهُ مُسَلْسَلُ جَرائِمِهِ المُرَوِّعَةِ وَتَخَطّيها كُلَّ الحُدودِ في الجُنونِ الوَحْشِيّ، فَتَكْفي هُنا الإِشارَةُ إِلى ما قالَهُ سابقًا المُؤَرِّخُ اليَهودِيُّ الإِسْرائيلِيُّ إيلان بابيه أَحَدُ أَهَمِّ رُوّادِ تَيّارِ "المُؤَرِّخونَ الجُدُد" في إِسْرائيلَ الَّتي غادَرَها مَطْرودًا مَعَ زُمَلائِهِ أَعْضاءِ هَذا التَّيّارِ في العامِ 2006، بَعْدَما نَشَروا أَبْحاثًا تاريخِيَّةً فَكَّكَتْ وَدَحَضَتْ بِقُوَّةٍ أُسُسَ الرِّوايَةِ الصُّهْيونِيَّةِ الَّتي قامَ عَلَيْها هَذا الكِيانُ العُنْصُرِيّ، فَفي مَقالٍ كَرَّسَهُ بابيه لِلتَّعْليقِ على حَرْبِ الإِبادَةِ في غَزَّة، كَتَبَ عِبارَةً بَليغَةً اعْتَبَرَها خُلاصَةً لِمُقارَنَةٍ تَحْليلِيَّةٍ دَقيقَةٍ بَيْنَ نِظامِ الفَصْلِ العُنْصُرِيِّ المَدْحورِ في جَنوبِ أَفْريقْيا وَالنِّظامِ الصُّهْيونِيِّ في فِلَسْطين، تَقولُ العِبارَة: "كُلَّما زادَتْ جَرائِمُ النِّظامِ الصُّهْيونِيِّ كُلَّما اقْتَرَبَتْ نِهايَتُه".
(خاص "عروبة 22")

