شَمَلَ هَذا "الإِعْدامُ" إِغْلاقَ حِساباتِ القاضي الفَرَنْسِيِّ عَبْرَ خَوارِزْمِيّاتِ المِنَصّاتِ العالَمِيَّة، كَوْنَ الشَّرِكاتِ الأَميرْكِيَّةِ الكُبْرى هِيَ المُتَحَكِّمَةُ فيها، وَالبَريدَ الإِلِكْترونِيَّ بِنَوْعَيْهِ الشَّخْصِيِّ وَالمِهْنِيّ، وَإِلغاءَ الحُجوزات، وَتَعْطيلَ بِطاقاتِ الدَّفْعِ مِثْلَ "فيزا" وَ"ماسْتِرْكارْد"، وَذَلِكَ بِسَبَبِ اعْتِمادِ النِّظامِ المَصْرِفِيِّ الأوروبِيِّ على شَرِكاتِ الدَّفْعِ الأَميرْكِيَّة، إِضافَةً إلى مَنْعِ القاضي مِنَ التَّعامُلِ مَعَ أَيِّ جِهَةٍ أَوْ شَرِكَةٍ تَتَعامَلُ مَعَ الوِلاياتِ المُتَّحِدَةِ الأَميرْكِيَّة.
أَثارَتْ هَذِهِ الواقِعَةُ الرَّأْيَ العامَّ العالَمِيَّ كَوْنَ مَنْ شَمَلَهُمُ الإِعْدامُ الرَّقْمِيُّ مُنْحَدِرينَ مِنْ دُوَلٍ عِدَّةٍ مِثْلَ كَنَدا وَبيرو وَبِنين وَأوغَنْدا وَسْلوفينْيا وَجورْجْيا، وَدَقَّتْ ناقوسَ الخَطَرِ حَوْلَ ما أَسْماهُ يُورْغِن هابِرْماسْ "اسْتِعْمارَ النِّظامِ لِعالَمِ الحَياة"، حَيْثُ يُجَسِّدُ "عالَمُ الحَياة" وِفْقَ مَنْظورِ هابِرْماسْ الفَضاءَ المَعيشِيَّ وَالشَّخْصِيَّ لِلإِنْسان، وَيَشْمَلُ تَفاصيلَ الحَياةِ الخاصَّةِ مِثْلَ العَلاقاتِ الِاجْتِماعِيَّةِ وَالسَّكَنِ وَتَلْبِيَةِ الحاجاتِ اليَوْمِيَّةِ وَالتَّنَقُّل، بَيْنَما يُجَسِّدُ "النِّظامُ" فَضاءَ المالِ وَالسّوقِ وَالسُّلْطَةِ البيروقْراطِيَّة، وَتُجَسِّدُ هَذا النِّظامَ اليَوْمَ كُبْرى شَرِكاتِ التِّكْنولوجْيا وَالمِنَصّاتِ الرَّقْمِيَّةِ العِمْلاقَةِ وَالنِّظامَ المَصْرِفِيَّ العالَمِيّ.
واقعة "الإعدام الرقمي" تشير إلى "استعمار مُطلق وعنيف"
"عالَمُ الحَياةِ" مِنْ جِهَةٍ وَ"النِّظامُ" مِنْ جِهَةٍ أُخْرى، وُجِدا مُنْذُ ظُهورِ الِاجْتِماعِ الإِنْسانِيّ، وَالِانْتِقالِ إلى حَالَةِ المَدَنِيَّةِ وَالدَّوْلَة، لَكِنَّ الفارِقَ أَنَّهُ في الماضي كانَ "النِّظامُ" مَعْزولًا عَنْ "عالَمِ الحَياة"، حَيْثُ لَمْ يَكُنْ بِإِمْكانِ الحُكومَةِ مَثَلًا حَتّى لَوْ غَضِبَتْ مِنْ فَرْدٍ ما يَعيشُ في كَنَفِها، أَنْ تُسَيْطِرَ على عالَمِهِ المَعيشِ أَوِ اليَوْمِيّ، إِذْ يَظَلُّ قادِرًا على إِدارَةِ وَتَدْبيرِ حَياتِهِ اليَوْمِيَّةِ بِشَكْلٍ عادِيّ، كَأَنْ يَتَواصَلَ مَعَ عائِلَتِهِ وَمَعارِفِه، وَيَشْتَرِي وَيَسْتَأْجِرُ بَيْتًا وَيَسْتَقِلُّ أَيَّ وَسيلَةِ نَقْلٍ يَخْتارُها. أَمّا اليَوْمَ مَعَ وَاقِعَةِ "الإِعْدامِ الرَّقْمِيِّ" لِلقُضاة، فَهِيَ تُشيرُ إلى "اسْتِعْمارٍ مُطْلَقٍ وَعَنيفٍ" لِعالَمِ الحَياةِ وَالتَّحَكُّمِ فيهِ مِنْ طَرَفِ "النِّظام"، كَنَتيجَةٍ مَنْطِقِيَّةٍ لِتَغَلْغُلِ التِّكْنولوجْيا الرَّقْمِيَّةِ في تَفاصيلِ الحَياةِ اليَوْمِيَّةِ لِلأَفْرادِ وَالجَماعاتِ وَالأَنْظِمَةِ وَالحُكومات، وَالِاعْتِمادِ عَلَيْها بِشَكْلٍ شِبْهِ مُطْلَق، حَيْثُ يَتِمُّ تَدْميرُ عالَمِ الحَياة - في أَيِّ نُقْطَةٍ جُغْرافِيَّةٍ مِنْ هَذا العالَم - وَتَقْييدُ قُدْرَةِ الأَفْرادِ على مُمارَسَةِ حَياتِهِمُ اليَوْمِيَّة - رُكوبُ قِطارٍ مَثَلًا (كَما جاءَ في إِفادَةِ غِيُّو) بِلَمْسَةِ زِرّ.
وَهُوَ ما يُؤَشِّرُ إلى ظُهورِ نِظامٍ اسْتِعْمارِيٍّ عالَمِيٍّ جَديد، بِلا مَرْكَزٍ جُغْرافِيٍّ مُحَدَّد، وَلا تَحْكُمُهُ دَوْلَةٌ واحِدَةٌ بِالمَعْنى التَّقْليدِيّ، بَل يَتَجَلّى كَشَبَكَةٍ عالَمِيَّةٍ تَتَداخَلُ فيها الدُّوَلُ الكُبْرى، وَالمُؤَسَّساتُ الدَّوْلِيَّةُ وَالشَّرِكاتُ الِاحْتِكارِيَّةُ العابِرَةُ لِلقارّات، حَيْثُ تَسْقُطُ أَهَمِّيَّةُ الحُدودِ الجُغْرافِيَّة، وَسِيادَةُ الدُّوَلِ وَالحُكومات، وَتُنَفَّذُ العُقوبَاتُ مِنْ طَرَفِ الشَّبَكَةِ العالَمِيَّةِ لِفَرْضِ الضَّبْطِ وَالحِفاظِ على النِّظام، كَما يُهَنْدِسُهُ الرَّأسَمالُ المِنَصّاتِيّ، وَشَرِكاتُ التِّكْنولوجْيا، حَيْثُ الضَّبْطُ لَمْ يَعُدْ مُرْتَبِطًا فَقَطْ بِإِرْسالِ قُوّاتٍ خاصَّةٍ أَوْ جَيْشٍ نِظامِيٍّ لِاعْتِقالِ فَرْدٍ أَوْ جَماعَةٍ عارَضَتْ قَوَاعِدَ الشَّبَكَة، بَدَلًا مِنْ ذَلِكَ يُمْكِنُ أَنْ تَقومَ فَقَطْ بِعَزْلِهِ تَمامًا عَنِ الشَّبَكَة، فَتُغْلِقَ الحِسابَاتِ بَدَلَ أَنْ تَسيلَ الدِّماء، وَيُطْرَدَ المُتَمَرِّدونَ على النِّظامِ إلى خارِجِ الشَّبَكَة، كَأَجْسادٍ حُرَّةٍ مِنَ النّاحِيَةِ المادِّيَّة، لَكِنْ مُقَيَّدينَ تَمامًا كَكائِناتٍ اجْتِماعِيَّةٍ/اقْتِصادِيَّةٍ وَرَقْمِيَّة، وَفي هَذِهِ الحالَةِ يُقَدَّمُ "الإِعْدامُ الرَّقْمِيُّ" كَمُمارَسَةٍ عارِيَةٍ لِـ"السُّلْطَةِ الحَيَوِيَّةِ" التي تَحَدَّثَ عَنْها ميشال فوكو عَبْرَ تَحَكُّمِ الشَّبَكَةِ في البيئَةِ الحَيَوِيَّةِ لِلفَرْد، وَفَرْدِ سُلطَتِها (أَيِ الشَّبَكَةِ) على الأَجْسادِ وَالرَّغَباتِ وَالسُّلوكِ اليَوْمِيِّ لِلأَفْراد.
الأجيال الرقمية يستخدمون لغة الشبكة ومنطقها لكنهم يُعيدون توجيه طاقتها الإبداعية
لَكِنْ هَذا النِّظامَ لَيْسَ قَدَرًا حَتْمِيًّا على الشُّعوبِ وَالأَجْيالِ الرَّقْمِيَّةِ الحالِيَّةِ وَالقادِمَةِ تَحَمُلُ تَبِعاتِهِ وَالِاسْتِجابَةُ لِاسْتِعْبادِه، بَل إِنَّ "النِّظامَ"، بِتَطْويرِهِ لِلشَّبَكاتِ الرَّقْمِيَّةِ وَالمالِيَّة، يَكونُ قَدْ أَطْلَقَ الرَّصاصَةَ الأَخيرَةَ على قَدَمِه، وَحَفَرَ قَبْرًا بِيَدِه، لِأَنَّهُ خَلَقَ عَنْ غَيْرِ قَصْدٍ البُنْيَةَ التَّحْتِيَّةَ التي سَتَسْتَخْدِمُها الأَجْيالُ القادِمَةُ لِلإِطاحَةِ بِه، وَتَحْويلِ التِّكْنولوجْيا الرَّقْمِيَّةِ مِنْ أَداةِ قَهْرٍ وَاسْتِعْبادٍ إلى أَدَواتِ تَحَرُّرٍ وَانْفِتاح، حَيْثُ الأَجْيالُ الرَّقْمِيَّةُ اليَوْمَ مِنْ مُبَرْمِجينَ وَهاكِرْز وَمُناضِلينَ لا يَقِفونَ سَلْبًا داخِلَ الشَّبَكَة، بَل يَسْتَخْدِمونَ لُغَتَها وَمَنْطِقَها، لَكِنَّهُمْ يُعيدونَ تَوْجيهَ طاقَتِها الإِبْداعِيَّة، بِطَريقَةٍ تَجْعَلُ قَرارًا مِثْلَ "الإِعْدامِ الرَّقْمِيِّ" أَوْ "الطَّرْدِ الشَّبَكِيّ"، مُجَرَّدَ لَحْظَةٍ تُنْتِجُ سَريعًا ما يَتَجاوَزُها، عَبْرَ فَتْحِ قَنَواتٍ وَمِنَصّاتِ تَواصُلٍ حُرَّةٍ وَلامَرْكَزِيَّةٍ يَصْعُبُ على النِّظامِ الوُصولُ إِلَيْها أَوِ التَّحَكُّمُ فيها، وَمَعْنى ذَلِكَ أَنَّ "عالَمَ الحَياةِ" الذي تُجَسِّدُهُ الأَجْيالُ الرَّقْمِيَّةُ القادِمَة، حَتْمًا سَيُعيدُ ابْتِكارَ عالَمِ حَياتِهِ وَذاتِهِ بَعيدًا عَنْ أَسْوارِ الشَّبَكَةِ وَقُيودِها.
(خاص "عروبة 22")

