اتضح أن رئيس هيئة الأركان المشتركة الأمريكية كان على حق عندما حذر من مخاطر شن الحرب على إيران، والتورط طويل الأمد دون استعدادات كافية، فلم يمر سوى أيام على بدء الحملة العسكرية حتى بدأت القوات الأمريكية تواجه عدة مشكلات خطيرة، أهمها عدم توفر ذخائر كافية لمنظومات الدفاع الجوي، وتلقي القواعد العسكرية الأمريكية في المنطقة ضربات أحدثت أضرارا كبيرة في أجهزة التجسس والاتصالات ومنظومة القيادة، وكذلك صعوبات في الإمدادات لحاملة الطائرات لينكولن والمدمرات المرافقة.
وبعد أربعة أيام فقط من القتال أعلنت القوات خفض عدد الطلعات الجوية تحسبا لحرب طويلة. وكانت قد سقطت عدة طائرات حربية من طراز "إف 15" ومسيرات متطورة وأصيبت إحدى المدمرات، وتحدثت إيران عن إصابة مباشرة لحاملة الطائرات لينكولن بهجوم لطائرات مسيرة وسقوط مئات القتلى من القوات الأمريكية، بينما اعترفت أمريكا بخمس فقط. أما داخل إسرائيل فكانت ضربات الصواريخ الفرط صوتية أشد مما توقعت، رغم إعلان إيران أنها لم تستخدم إلا الصواريخ القديمة، وأنها ستبدأ في ضربات بصواريخ أكثر قوة وسرعة وفتكا، وجرى فتح الجبهة اللبنانية التي فاجأت إسرائيل أيضا، عندما ضرب حزب الله بقوة غير متوقعة، بينما كانت إسرائيل روجت أنها قضت على معظم قدراته.
كانت الضربة الأولى للقوات الأمريكية والإسرائيلية قد أطاحت بعدد من القادة، على رأسهم المرشد الإيراني علي خامنئي، لكن القوات الإيرانية تمكنت من بدء الرد بعد ساعة واحدة، ورغم التفوق الجوي والبحري الساحق للقوات الأمريكية فإن الصواريخ الإيرانية وطائراتها المسيرة كانت فعالة، وأجبرت حاملة الطائرات والمدمرات على الابتعاد، مما أفقدها الكثير من مزاياها. الضربة الإيرانية الأقوى كانت إغلاق مضيق هرمز، مما فاقم من أزمات الدول المطلة على الخليج، وتهديد أمن الطاقة في العالم، وارتفاع سعر النفط، وكان الإعلان الأمريكي عن تشكيل قوة دولية لمصاحبة السفن العابرة غير مناسب، لأنه يضع القوات البحرية المشاركة تحت نيران الصواريخ الساحلية والزوارق والألغام الإيرانية، مما قد يلحق بها خسائر كبيرة.
وجاءت خطوة مطالبة دول حليفة وصديقة بالاشتراك في الحرب لتوحي بعدم قدرة القوات الأمريكية والإسرائيلية وحدها على تحقيق الأهداف، وتفقد القوات الأمريكية والإسرائيلية الهيبة. بدأ الرئيس ترامب الضغط على دول أوروبية في المشاركة في الحرب، ووافقت كل من فرنسا وبريطانيا وألمانيا، لكن هذه الدول تعاني ضعف قدراتها العسكرية، ومخاطر تقدم القوات الروسية في أوكرانيا، التي تدعمها تلك الدول. أم مطالبة دول خليجية بأن تشارك في الحرب، وتدافع عن القواعد الأمريكية، التي كان من المفترض أن توفر لها الحماية فينذر بعواقب خطيرة، يمكن أن تؤدي إلى حرائق هائلة في مصافي وحقول النفط لوجود كميات كبيرة من الصواريخ الإيرانية قصيرة المدى على مقربة من منشآت وموانئ وآبار النفط والغاز.
فرصة القيام باجتياح بري صعبة، وتحتاج إلى حشود عسكرية كبيرة، ومناطق تجمع وجبهات تنطلق منها، وجميعها تحتاج إلى وقت وقدرات غير متوافرة، ولا يمكن الاعتماد على مجموعات كردية صغيرة العدد والتجهيز في عمليات برية، وكذلك لا تمتلك أذربيجان قوات كافية لمثل هذا الاجتياح بافتراض موافقتها. زاد من ارتباك القوات الأمريكية أن يكون اغتيال المرشد الإيراني قد أتى بمن يصدر فتوى بجواز إنتاج قنابل نووية، مما يزيد الأمر تعقيدا، وكذلك انضمام الحوثيين إلى الحرب بجانب إيران، وربما كوريا الشمالية إذا اتسعت المواجهات، بما ينذر بصدامات عالمية أشد خطورة. تأكدت الولايات المتحدة من صعوبة إيقاف إطلاق الصواريخ والمسيرات من المدن العسكرية في باطن الجبال المحيطة بإيران، والتي تحتاج أعدادا هائلة من قنابل ثقيلة لم يعد متوافرا إلا القليل جدا منها، ويحتاج إنتاجها إلى مدة طويلة وتكاليف كبيرة.
اللجوء إلى الضربات بقنابل نووية تكتيكية للحصول على انتصار سريع سيكون له تداعيات خطيرة للغاية، وغضب دولي وشعبي واسع، وربما تكون إيران قد امتلكت أو حصلت على سلاح نووي، مما يرفع من مستوى المخاطرة. هكذا أصبحت الولايات المتحدة بين خيارات صعبة، سببها عدم الاستعداد الكافي والحسابات الخاطئة، وأصبحت إما مضطرة إلى التراجع عن استمرار الحملة، وهو ما ينال من مكانة الولايات المتحدة وأهم أوراق القوة المتبقية، ويمنح إيران وباقي خصوم الولايات المتحدة المزيد من الثقة، بينما اهتزت ثقة حلفاء وأصدقاء أمريكا.
أما الاستمرار في الحرب وتحمل خسائر أكبر، خاصة عند نفاد مخزونات الذخائر الدقيقة وصواريخ الدفاع الجوي فستكون النتيجة أكثر سوءا. الوقت ليس في مصلحة الولايات المتحدة، سواء فيما يتعلق بخطوط الإمداد وعدم كفاية الذخيرة لحرب طويلة، وإغلاق مضيق هرمز بما يحمله من مخاطر على الاقتصاد العالمي وأزمات أشد لدول الخليج، ولهذا من المرجح أن تعود الولايات المتحدة لإيجاد سبيل نحو التفاوض، دون توقع تحسين شروط التفاوض.
(الأهرام المصرية)

