صحافة

"ستارت" والحرب النووية ونهاية "البداية"!

عماد الدين حسين

المشاركة

هل يمكن أن تتطور المواجهة بين أمريكا وإسرائيل وبين إيران إلى صراع دولي أوسع يقود إلى حرب نووية؟ غالبية التقديرات تشير إلى استبعاد ذلك، لكن وزير الخارجية الروسي، سيرغي لافروف حذر من أن تداعيات المواجهة يمكن أن تقود إلى انفلات نووي بسبب الخلاف الجوهري بين الطرفين حول الحق في التخصيب والبرامج النووية، وفي اليوم التالي حذرت موسكو من احتمالات وجود تهديدات جدية جراء قصف محطة بوشهر النووية الإيرانية.

لكن وإضافة إلى هذه المواجهة الراهنة في الخليج، فهناك قضية مهمة لم تأخذ حقها من تسليط الضوء وهي قيام أمريكا بعدم تجديد معاهدة الحد من الأسلحة الاستراتيجية "ستارت" مع روسيا، ما يجعلنا أمام نهاية "البداية"، أي "ستارت" من أساسها، ويفتح الباب أمام سباق نووي بلا حدود بين أكبر قوتين نوويتين. ورغم كل ما يقال عن العلاقات الدافئة بين الرئيس الأمريكى، دونالد ترامب، ونظيره الروسى فلاديمير بوتين، فإن جوهر العلاقة الفعلية يحكمها الصراع بشتى أنواعه.. وأغلب الظن أن ذلك سيستمر لفترات طويلة لكن بدرجات متفاوتة.

أمريكا لم توافق على تجديد العمل باتفاقية ستارت، وترامب وصفها بأنها سيئة، في حين أن بوتين اقترح أن تظل القيود التي تضمنتها الاتفاقية سارية حتى لو تم عدم تجديد الاتفاقية، لكن واشنطن لم ترد على طلب موسكو حتى الآن. واشنطن تتهم موسكو بالمساعدة في تعزيز قدرة بكين على زيادة حجم ترسانتها، وترى أن انتهاء "نيو ستارت" جاء "في وقت ملائم" لأن ذلك سيتيح لترامب السعي نحو هدفه النهائي المتمثل في اتفاق أفضل. بكين تنفي اتهامات واشنطن وتصفها بالأكاذيب.

وموسكو تنتظر رؤية الرد الأمريكي، لكنهم قالوا بوضوح: "لن نكون أول من يتخذ خطوات نحو التصعيد"، وترفض ضم الصين، وتتعجب من عدم ضم فرنسا وبريطانيا ولديهما الأسلحة نفسها ولكن بكميات أقل. وجهة النظر الروسية هي أن معاهدة ستارت تعرضت للانتهاك والتدمير في عهد الرئيس الأمريكي السابق، جو بايدن، في حين أن ترامب يرى أن موسكو هي التي انتهكتها قبل ذلك. ومن المهم الإشارة إلى أن معاهدة ستارت الجديدة هي آخر معاهدة كانت قائمة للحد من الأسلحة النووية الاستراتيجية بين أمريكا وروسيا، وقد تم توقيعها في عام 2010 ودخلت حيز التنفيذ عام 2011، وتم تمديدها حتى فبراير الماضي إلى أن أعلن ترامب عدم تجديدها.

أما الاتفاقية القديمة التي دخلت حيز التنفيذ عام 1994 بعد تفكك الاتحاد السوفييتى، فقد جاءت بعد عقود من سباق التسلح النووي الضخم خصوصاً بعد اتفاقيات سابقة مثل سولت 1 و2 التي بدأت عام 1972، في حين أن ستارت هي أول اتفاقية تلزم الطرفين بتخفيض فعلي للأعداد وليس فقط تجميدها.. حيث نصت على خفض الرؤوس النووية الاستراتيجية إلى 6000 آلاف رأس لكل طرف، وتقليص عدد وسائل الإطلاق مثل الصواريخ العابرة للقارات والغواصات والقاذفات، وكذلك فرض نظام تفتيش ميداني متبادل غير مسبوق، وتبادل بيانات مفصلة عن ترسانة كل طرف.

ونظراً لتفكك الاتحاد السوفييتي وتوزع الأسلحة النووية بين روسيا وأوكرانيا وبيلاروسيا وكازاخستان فقد تم توقيع بروتوكول عام 1992، وافقت بمقتضاه هذه الدول على نقل هذه الأسلحة إلى روسيا. وبعد توقيع اتفاقية ستارت عام 2010، تم تخفيض عدد الرؤوس النووية إلى 1550 رأساً منشوراً لكل طرف.

السؤال الرئيسي الذي يشغل الخبراء هو عواقب عدم تجديد الاتفاقية، أو التوصل لاتفاقية جديدة سواء أكانت ثنائية بين أمريكا وروسيا أم بين الدول الكبرى النووية. الخطر الأول هو إنهاء القيود القانونية على الرؤوس النووية، لأن المعاهدة تضع سقفاً لنحو 1550 رأساً نووياً منشوراً لكل طرف مع قيود على وسائل الإطلاق، وبالتالي يمكن نظرياً زيادة عدد الرؤوس أو منصات الإطلاق وعدم وجود حد قانوني ملزم، ما يرفع خطر سباق نووي جديد.

وثانياً: فقدان آليات التفتيش والرقابة لأن الاتفاقية الملغاة تتضمن زيارات التفتيش وتبادل البيانات المنتظمة والإخطار المسبق بالتحركات.. وثالثاً: تصاعد سباق التحديث النووي خصوصاً أن البلدين يطوران صواريخ وغواصات جديدة وصواريخ فرط صوتية. ورابعاً: ستكون هناك انعكاسات على أوروبا وحلف الناتو أهمها زيادة قلق القارة والحلف وعودة أشباح الحرب الباردة.. وخامساً تأثير كبير على نظام عدم الانتشار النووي وتشجيع قوى أخرى على تعزيز قدراتها النووية. وأخيراً ارتفاع مخاطر الحسابات الخاطئة وبالتالي التصعيد غير المقصود.

عدم تجديد ستارت لا يعني حرباً نووية بالضرورة، لكنه سيزيل آخر قيد قانوني مباشر على أكبر ترسانتين نوويتين ويفتح الباب لسباق تسلح خطير وزيادة هشاشة الاستقرار. أخيراً هناك احتمال أن يكون هدف ترامب من عدم تجديد "ستارت" الحصول على مزيد من الأثمان من روسيا والصين، قياساً على ما فعله في العديد من الأزمات والقضايا منذ وصوله للبيت الأبيض للمرة الثانية. مرة أخرى العالم يعيش أصعب لحظاته في العقود الأخيرة.

(البيان الإماراتية)

يتم التصفح الآن