صحافة

سوريا على مفترق التحولات الإقليمية

يحيى بركسية

المشاركة
سوريا على مفترق التحولات الإقليمية

تقف سوريا على أعتاب مرحلة مختلفة من تاريخها، فبعد سنوات طويلة كانت فيها ساحة مفتوحة لتصارع المشاريع الإقليمية والتدخلات الخارجية، تحاول دمشق اليوم إعادة تعريف موقعها في المنطقة، لا بوصفها طرفاً في الحرب الدائرة، بل دولة تسعى لاستعادة توازنها وبناء مستقبلها. سوريا اليوم ليست كما كانت قبل أشهر فقط، إذ انتهت الهيمنة الروسية والإيرانية السياسية والعسكرية على أراضيها، وغادرت الميليشيات، لتبدأ دمشق مرحلة جديدة تحاول فيها العودة إلى محيطها العربي واستعادة دورها الطبيعي في المنطقة، إلى جانب ترتيب بيتها الداخلي بعد سنوات طويلة من الفوضى والتبعية للمشروع والتدخلات الخارجية.

إسقاط نظام الأسد على يد الثوار السوريين فتح نافذة أمل نادرة للحياة في البلاد، لكنه في الوقت نفسه وضعها أمام تحديات كبيرة، لأن الفرص التي تولد من رحم الحروب غالباً ما تأتي في بيئة إقليمية مضطربة وغير مستقرة. في الحرب المفتوحة منذ أيام بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، تقف سوريا خارج دائرة المواجهة المباشرة، غير أن تجارب الشرق الأوسط تؤكد أن تأثير الحروب نادراً ما يبقى محصوراً في أطرافها الأصلية، فالارتدادات السياسية والاقتصادية والأمنية سرعان ما تمتد إلى الدول المجاورة وإن بشكل غير مباشر، ولذلك تراقب دمشق ما يجري حولها بحذر شديد، مدركة أن ما يحدث في المنطقة سيترك بصمته على مستقبلها، سواء أرادت ذلك أم لا.

مع ذلك، لا تخلو هذه المرحلة من فرص محتملة، فخروج إيران من المشهد السياسي والعسكري في سوريا أزال أحد أهم مصادر التوتر وعدم الاستقرار، كما أنه غيّر معادلة النفوذ الإقليمي داخل الساحة السورية، بعد سنوات كانت فيها دمشق جزءاً من شبكة الصراع، مما فتح المجال أمام الحكومة الجديدة لالتقاط أنفاسها والبدء في ترتيب البيت الداخلي. الأمر نفسه ينطبق جزئياً على العلاقة مع إسرائيل التي نفّذت عشرات الضربات الجوية في سوريا خلال حكم نظام الأسد مستهدفة مواقع عسكرية وشبكات نقل الأسلحة إلى حزب الله في لبنان. ومع اختفاء هذا الوجود حالياً يفترض –نظرياً- أن تتراجع دوافع إسرائيل لمثل هذه العمليات. كما أن الحل الجزئي لأزمة السويداء التي برز فيها حضور إسرائيلي غير مباشر، قد يسهم في فتح مساحة أكبر لسوريا تركّز فيها جهودها على إعادة بناء مؤسسات الدولة وتعزيز سيادتها.

لكن هذه الفرص لا تأتي من دون مخاطر، فالاضطرابات الجيوسياسية في الشرق الأوسط غالباً ما تمتد آثارها إلى الاقتصاد والمجتمع، وليس إلى السياسة فقط. وسوريا التي لا تزال في بداية طريق إعادة بناء مؤسسات الدولة واستعادة الحياة الطبيعية، قد تجد نفسها عرضة لتداعيات غير مباشرة إذا تصاعدت التوترات الإقليمية. ومن بين التداعيات المحتملة ارتفاع أسعار النفط والغاز والسلع الأساسية نتيجة اضطراب الأسواق، وتراجع حركة الاستثمار في ظل حالة عدم اليقين الإقليمي، إضافة إلى الضغوط المتزايدة على الخدمات العامة، وهي تحديات قد تواجهها دمشق حتى لو بقيت البلاد بعيدة عن ساحة المواجهة المباشرة.

ولا يمكن تجاهل لبنان في هذا المشهد، فالحرب المتصاعدة بين إسرائيل وحزب الله يصل تأثيرها إلى سوريا، فالتداخل الجغرافي والاقتصادي بين البلدين يجعل دمشق تتأثر مباشرة بأي تصعيد، سواء عبر تدفق السكان أو الضغوط على حركة التجارة أو تصاعد التوترات الأمنية على الحدود. أما العراق، فيمثل بدوره عاملاً مهماً في معادلة الاستقرار الإقليمي، فالميليشيات هناك تمتلك القدرة على التأثير في الأمن الإقليمي، وأي تصعيد قد يمتد إلى الحدود السورية الشرقية، ولهذا فإن دمشق مضطرة لمراقبة التطورات عن كثب، لأن أي توتر هناك قد يفرض عليها اتخاذ إجراءات أمنية عاجلة لحماية أمنها.

ومع احتدام هذه الحرب تبرز أسئلة عن شكل الغد في الشرق الأوسط، وهو ما قد يؤدي إلى إعادة رسم التوازنات في المنطقة، وفي مثل هذه اللحظات المفصلية، يصبح مستقبل سوريا مرتبطاً بمدى قدرتها على التحرك بمرونة سياسية واستغلال التحولات الجارية لصالحها. أما العلاقة مع إسرائيل فستبقى مسألة معقدة وحساسة، فملفات الجولان والاعتبارات الأمنية المتبادلة ستظل عناصر مؤثرة في أي مسار للعلاقات بين الطرفين، وهو ما يفرض على دمشق إدارة هذا الملف بحذر شديد.

اليوم تقف سوريا أمام لحظة تاريخية مختلفة، فبعد سنوات من الحرب والتدخلات الخارجية، تلوح أمامها فرصة حقيقية لإعادة بناء نفسها وتحديد موقعها. وبين الفرص والمخاطر، يبقى التحدي الأكبر هو قدرة السوريين على تحويل هذه التحولات الإقليمية من مصدر قلق إلى فرصة تاريخية لبناء دولة مستقرة وقادرة على أن تكون جزءاً فاعلاً في مستقبل المنطقة، لا مجرد ساحة لصراعاتها.

(الوطن السعودية)

يتم التصفح الآن