تعتبر الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران التي بدأت في 28 فبراير 2026 نموذجًا جيدًا يمكن القيام بتحليل مدى انطباق تعدد وتنوع الوسائل السلمية لتسوية المنازعات وجدواها وفعاليتها ومصداقيتها عليها، حتى وإن كنا نقر أنه حتى اللحظة الراهنة فلا دليل على أن الرهان على الطرق السلمية لتسوية المنازعات هو الرهان الوحيد أو الرئيسي لأطراف الحرب حتى الآن، أو على الأقل لبعض هذه الأطراف، إلا أنه من الثابت أنه منذ ما قبل اندلاع حرب الاثنى عشر يومًا في يونيو 2025 حتى اليوم، فإن عددًا من الوسائل السلمية لتسوية المنازعات قد تم تجربتها وخوضها، على فترات وفي مراحل مختلفة، وإن كان، حتى الآن، لم تؤتِ أي منها نتائج إيجابية أو مثمرة أو تؤدي إلى تسوية للموضوعات محل النزاع بين الطرفين الأمريكي والإيراني، وذلك على النحو الذي يؤدي في نهاية الأمر إلى إيجاد حلول نهائية لهذا النزاع.
وإذا عدنا إلى ميثاق الأمم المتحدة نجد أنه نص في أكثر من مادة وأكثر من فقرة من نصوصه على العمل من أجل الحيلولة دون اندلاع النزاعات وتسوية أسبابها عبر الطرق السلمية أو حل تلك النزاعات بعد اندلاعها عبر الوسائل السلمية. فقد ورد ذلك في الفقرة الثالثة من المادة الثانية من الميثاق التي ألزمت الدول بحل نزاعاتها سلميا، بالإضافة إلى ما عددته المادة 33 من الميثاق من أمثلة على الوسائل السلمية لتسوية المنازعات، مثل الوساطة والتفاوض. ومن الجدير بالذكر أن كلًا من الوساطة والتفاوض تم اللجوء إليهما أكثر من مرة منذ ما قبل حرب يونيو 2025 حتى الآن، لكن دون نجاح نهائي في تسوية القضايا محل النزاع بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران.
وفي حالتي حرب يونيو 2025 وحرب فبراير 2026، تكرر نفس السيناريو، وهو أن الحرب اندلعت في وقت كانت تجري فيه مفاوضات بين الجانبين الأمريكي والإيراني، وفي الحالتين كان ذلك يتم عبر وساطة نشيطة وفعالة من جانب سلطنة عمان، وهي الدولة صاحبة العلاقات المتميزة مع كل من طرفي النزاع. وفي الحالتين، كانت الحرب تندلع بعد فترة وجيزة للغاية، بل ربما نقول بعد ساعات قليلة، من إعلان الجانب العمان، على لسان وزير خارجيته الدكتور بدر بن حمد البوسعيدي، حدوث تقدم ملموس في العملية التفاوضية السلمية، مؤكدًا جدوى المسار التفاوضي، لكن محتفظًا بواقعية التقييم ومصداقيته من خلال تجنب الذهاب إلى حد القول بأن المفاوضات نجحت في معالجة كل الموضوعات محل النزاع.
ففي حرب يونيو 2025، بدا إجهاض تقدم العملية التفاوضية من خلال شن إسرائيل الحرب على إيران، ومن ثم الإطاحة بالخيار التفاوضي آنذاك، في وقت كان من المقرر فيه عقد اجتماع تال في روما على مستوى وزيري الخارجية بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران، لكنه لم يتم بسبب الحرب مع تعدد التفسيرات، حيث كان بعضها يذهب إلى القول بأن إسرائيل شنت الحرب لتحول دون توصل النزاع الأمريكي الإيراني إلى تسوية سلمية للمسائل محل النزاع عبر المفاوضات وعبر الوساطة العمانية، رغبة منها في الرهان على الخيار العسكري، بينما ذهبت وجهة نظر أخرى إلى القول بأن شن إسرائيل للحرب على إيران عقب ساعات قليلة من إعلان الوسيط العماني عن حدوث تقدم في المفاوضات جاء عبر تنسيق تام بين الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل، وهي رؤية تعززت بشكل كبير بعد اندلاع الحرب الثانية في فبراير 2026.
أما في حالة حرب فبراير 2026، فقد جاء إجهاض تقدم المسار التفاوضي بين طهران وواشنطن صريحًا من جانب أحد طرفيه، وهي الولايات المتحدة الأمريكية، لأنها شاركت بشكل مباشر وواضح وصريح مع الجانب الإسرائيلي في شن الحرب على إيران، وأيضًا هذه المرة بعد ساعات قليلة من تصريحات لوزير الخارجية العماني بتحقيق تقدم في المفاوضات، مما جعل الشعور بالمرارة والأسف مضاعفًا من جانب الوسيط العماني، الذي لم يخف في الحالتين دهشته من التخلي المفاجئ عن خيار التسوية السلمية للنزاع لصالح تبني خيار شن العمليات العسكرية.
وفي الحالتين، أي في يونيو 2025 وفي فبراير 2026، كان شن الحرب يعني من الناحية العملية، وبالمخالفة لما ورد في ميثاق الأمم المتحدة ولما استقر عليه الرأي الغالب في القانون الدولي، أنه لم يتم استنفاذ الوسائل السلمية لتسوية المنازعات في حالة النزاع الأمريكي الإيراني، ولكن الأمر ذهب إلى مدى أبعد من جانب المحللين والمراقبين لهذا الشأن، حيث فرض السؤال نفسه عما إذا كانت هناك جدية من الجانب الأمريكي أصلًا في المرتين عند اتخاذ قرار الدخول في عملية تفاوضية لتسوية النزاع مع إيران عبر وسيط ثالث، هو سلطنة عمان في هاتين الحالتين، أم أن الأمر برمته كان مجرد مناورة وعملية تمويه من الجانب الأمريكي لتشتيت انتباه الجانب الإيراني وجذب تفكيره بعيدًا عن احتمال توجيه ضربة عسكرية له وانشغاله بالإعداد للعملية التفاوضية والانغماس فيها.
والواقع أنه في الحالتين فإن الجانب العماني استوفى كل متطلبات الطرف المنوط به القيام بدور الوساطة. فكما ذكرنا في مقدمة هذا المقال، فالجانب العمان احتفظ بعلاقات متميزة مع الجانبين الإيراني والأمريكي، بل إنه من المفارقات أن كلًا من إيران، ف عهد نظام الشاه محمد رضا بهلوي، والولايات المتحدة الأمريكية قدمتا الدعم المؤثر والفعال الذي ساعد الجيش العماني، بمشاركة قوات إيرانية في ذلك الوقت، في القضاء على الثورة التي كانت مندلعة في إقليم ظفار العماني حتى منتصف عقد السبعينيات من القرن العشرين. وعقب انتصار الثورة الإيرانية في فبراير 1979 وما تبعها من إقامة نظام سياسي على أسس نظرية "ولاية الفقيهي لآية الله الخميني، نجحت سلطنة عمان في الاحتفاظ بعلاقات متميزة مع نظام الجمهورية الإسلامية، بينما استمرت بالطبع علاقاتها القوية مع الولايات المتحدة الأمريكية، وهو الأمر الذي سمح لها بأن تحظى بثقة الطرفين، ومن ثم تكون الوسيط في مفاوضات ما قبل حرب يونيو 2025، ومرة أخرى في مفاوضات ما قبل حرب فبراير 2026.
ولم تكن هذه هي المرة الأولى التي تلعب فيها سلطنة عمان دور الوساطة بين إيران والولايات المتحدة الأمريكية بعد انتصار ثورة فبراير 1979 في إيران، فعندما قامت المجموعة التي أطلقت على نفسها تسمية "الطلاب السائرون على نهج الإمام" باقتحام السفارة الأمريكية في طهران واحتجاز الرهائن الأمريكيين بها في نوفمبر 1979، واندلعت أول أزمة كبرى بين واشنطن وطهران بعد انتصار الثورة الإيرانية، دخلت سلطنة عمان على خط الوساطة لحل هذه الأزمة، ونجحت الجهود العمانية في التوصل إلى اتفاق نهائي بين الجانبين الأمريكي والإيراني أفضى إلى الإفراج عن الرهائن الأمريكيين وعودتهم إلى بلادهم، وذلك في يناير من عام 1981، وقبل أيام قليلة من تولي الرئيس الأمريكي الجمهوري آنذاك الراحل رونالد ريجان مقاليد منصبه في البيت الأبيض.
وبالتالي فكان لدى عمان الرصيد الكافي الذي يؤهلها للقيام بدور الوساطة بين الطرفين الأمريكي والإيراني قبل حربي يونيو 2025 وفبراير 2026. وخلال حرب يونيو 2025، كانت روسيا قد عرضت الوساطة لوقف الحرب، ثم عاد الرئيس الروسي بوتين خلال الحرب الحالية وعرض على الرئيس الأمريكي الوساطة كما نقلت بعض وسائل الإعلام أنه عرض احتفاظ روسيا باليورانيوم الإيراني المخصب كحل للخلاف الأمريكي الإيراني حول هذه الجزئية، ولكن في المرتين لم يعلن الطرف الأمريكي لا عن قبول الوساطة ولا عن رفضها، بل إن الحديث عن احتفاظ روسيا باليورانيوم الإيراني المخصب كجزء من تسوية نهائية قد تجدد في الأيام القليلة الماضية.
كذلك لعبت دولة قطر دورًا في الوساطة ف المرحلة النهائية وصولًا إلى وقف إطلاق النار في حرب الاثني عشر يومًا في يونيو 2025. كما يجب ألا نتناسى دعوات ونداءات صدرت عن غالبية الدول الأعضاء في مجلس الأمن وغالبية الدول المنتمية للاتحاد الأوروبي ولجامعة الدول العربية ولمنظمة التعاون الإسلامي وغيرهم من الدول إلى التسوية السلمية للنزاع، سواء كان ذلك ف حرب يونيو 2025 أو الحرب التي بدأت في 28 فبراير 2026.
وبعد ما يقرب من ستة أسابيع على اندلاع حرب 28 فبراير 2026، وبعد مبادرات جهود مشتركة واجتماعات تشاورية من جانب عدد من البلدان الإسلامية الرئيسية، خاصة مصر والسعودية وباكستان وتركيا، برزت إلى السطح الوساطة الباكستانية التي ارتبطت بإعلان وقف مؤقت لإطلاق النار، وهي وساطة كانت باكستان أيضًا مؤهلة للقيام بها في ظل علاقات وثيقة تربطها باثنين من أطراف الحرب وهما الولايات المتحدة الأمريكية وإيران، واستضافت إسلام أباد بالفعل جولة أولى من مفاوضات أمريكية إيرانية، أعقبت جلستين منفصلتين لرئيس الوزراء الباكستاني وعدد من أعضاء حكومته مع كل من الجانبين الأمريكي والإيراني، إلا أنه مرة ثالثة، وبالرغم من إعلان الوسيط الباكستاني عن حدوث تقدم في المفاوضات إزاء بعض الموضوعات محل النزاع، فإن الجولة الأولى سرعان ما توقفت، ومنذ أيام قليلة تم الحديث عن جولة ثانية كان من المفترض أن تنعقد الثلاثاء 21 أبريل في إسلام أباد أيضًا، إلا أن الجانب الإيراني أعلن أن رفع الحصار البحري الأمريكي المفروض منذ انهيار الجولة الأولى من مفاوضات إسلام اباد على السفن المتجهة من وإلى الموانئ الإيرانية يعد شرطًا لعقد الجولة الثانية من المفاوضات في إسلام أباد، مبدائيا من جهة رفض التفاوض "تحت التهديد"، ومبرزًا من جهة أخرى أن الحصار البحري مخالف للقانون الدولي، والأخير موقف ردده أيضًا عدد من قادة بلدان العالم الأخرى وكذلك عدد من المسئولين في بعض المنظمات الدولية والإقليمية ذات الصلة.
وسوف تجيب الأيام المقبلة عما إذا كان استئناف المسار التفاوضي السلمي عبر بوابة الوساطة الباكستانية سيكون ممكنًا وجديًا، أم أن تمديد وقف إطلاق النار المؤقت سوف ينهار ويتم استئناف واسع للعمليات العسكرية، بكل ما يحمله ذلك من مخاطر، ليس فقط لأطراف الصراع، بل للعالم بأسره، على الأصعدة الاستراتيجية والاقتصادية والأمنية، أم أن هذا التمديد لوقف إطلاق النار سوف يعطي فرصة لتذليل العقبات وتليين مواقف أطراف الصراع بما يقود لاحقًا إلى استئناف اتباع الوسائل السلمية لحل وتسوية من المأمول أن تكون نهائية للموضوعات محل النزاع.
(الشروق المصرية)

