صحافة

"حرب نتنياهو": عقدة "اليوم التالي" في إيران أيضاً

عبد الوهاب بدرخان

المشاركة

كثيرٌ من عناصر الحرب الحالية لا يبدو مدروساً بعمق، تحديداً لدى الجانب الأميركي، ولذلك ظهر استياء وحرج خلال رسم خطط المرحلة الثانية. وإذ تقرر اللجوء إلى الأسلحة الأكثر فتكاً لاختبار مفاعيلها، فقد تأكد أن الحرب تُدار وفقاً للعقيدة العسكرية الإسرائيلية، وتزايد وصفها بلا تردد بأنها "حرب نتنياهو"، طالما أنها تتخذ ملامح "الحرب على غزّة" التي لم تُحسم بعد ولم يتمكّن الإسرائيليون طوال عامين من تحقيق "النصر" الكامل فيها.

لا بدّ من أن الرئيس الأميركي يعلم/ أو قيل له إن إيران ليست غزّة ولا فنزويلا، ولا يرضيه طبعاً أن تُوصف حربه بغير "حرب ترامب"، لكنه وأركان ادارته يفضلون في هذه المرحلة عزوَ كل الهفوات أو "الضربات القذرة" إلى الحليف الإسرائيلي، ومنها على الأخص اغتيال المرشد الإيراني وسبعة وأربعين من قادته بغارةٍ واحدة. ومع ذلك ارتكبت المقاتلات الأميركية مجزرة تلميذات مدرسة ميناب (جنوب إيران). في نهاية الأسبوع الأول للحرب خرج الرئيس الإيراني لإعلان "قرارات" القيادة الموقتة، وأولها "الاعتذار" من دول الخليج بعد استهدافها بالصواريخ والمسيّرات، ثم تعهّد عدم مهاجمتها فـ"لا عداوة لدينا معها"، مبرراً الهجمات بأن القوات المسلحة (يقصد "الحرس الثوري") "تصرفت بشكل مستقل، بعد فقد قادتنا وقائدنا".

وما لبث المتحدث باسم الجيش الإيراني أن أكد موقف الرئيس "عدم استهداف دول الجوار التي لا تُستخدَم أراضيها ضدنا". وعدا أن الاعتذار جاء متأخراً جداً، ومن جهة لا يُعرف مدى فاعلية سلطته، فإنه بُعَيد إعلانه سُجّل سقوط صواريخ في عدد من هذه الدول، وشكّل تحذيراً من "الحرس" بأن التزامه غير مضمون. ورغم أن الاعتذار عنى أن المستوى الأعلى في السلطة أدرك فداحة الخطأ الاستراتيجي باستهداف دول الجوار، إلا أنه قد لا يكفي لطيّ الصفحة. وفي أي حال، كانت دول الخليج أوضحت علناً موقفها المبدئي الرافض للحرب، وللتدخّل فيها.

وفي الأسبوع الأول للحرب بدت واشنطن، على عكس إسرائيل، مهمومةً بهواجس إطالة المواجهة وتوقعات "اليوم التالي". لا يستطيع ترامب، مهما وثق بإنجازات القوّة، أن يتعامل مع دولةٍ كإيران بطريقة تعامل نتنياهو مع غزّة من دون سقف زمني للحرب أو تصوّرٍ لما بعدها، رغم أن التدمير الأميركي يمكن أن يستمر مدة طويلة (من 4 الى 6 أسابيع)، كما يؤكّد له جنرالات البنتاغون لأن لديهم الإمكانات العسكرية اللازمة.

بدأ ترامب يدرك صعوبة الحصول على "الاستسلام غير المشروط" الذي يطمح إليه، وأيضاً استحالة أن يتمكّن من "المشاركة شخصياً" في "اختيار قادة (إيرانيين جدد) جيّدين". بل أن تقرير "مجلس الاستخبارات الوطنية" (خلاصة تحليلات الأجهزة الـ 18) وضعه أمام واقعٍ قد يقنعه بضرورة البحث سريعاً عن "مخرج تفاوضي"، وذلك بالاكتفاء بما سيتم تدميره من قدرات إيرانية في المرحلة الثانية، ومن ثمّ تحديد نهاية "معقولة" للحرب وترك التداعيات تتفاعل داخل إيران، بالتزامن مع دفع الأقلية الكردية (وربما الآذرية والبلوشية لاحقاً) إلى الميدان. هل يمثّل ذلك افتراقاً عن نتنياهو؟ لا طبعاً، فـ"الموساد" و"سي آي إي" ينسّقان في عسكرة تلك الأقليات، لأن هذه تشكّل الخيار الأفضل والبديل من توريط القوات الأميركية بالتوغّل داخل إيران.

خسر ترامب احتمال تكرار نموذج "مغامرة فنزويلا" في إيران، فليس للمرشد الراحل "نائبٌ" يحلّ محله ليلعب دور دولسي رودريغيز في موقع الرئيس نيكولاس مادورو. ولن يتمكّن ترامب من وضع يده على النفط الإيراني لبيعه وتعويض أكلاف حرب. كما أن الرأي العام لديه، حتى داخل بيئة "ماغا" المؤيدة له، يزداد انقساماً كل يوم حول ما إذا كانت هذه الحرب على إيران لمصلحة "أميركا أولاً" أم لمصلحة "إسرائيل أولاً". ثم أن ارتفاع أسعار النفط يبدو مؤشراً مقلقاً لواشنطن لأن تداعياته الوشيكة (زيادة التضخّم، تعسّر الامدادات...) قد تتفاقم إذا طالت الحرب، سواء داخل أميركا (عشية الانتخابات النصفية) أم على المستوى العالمي (تحميل أميركا- وإسرائيل- تبعة الاضطرابات الاقتصادية).

على رغم أن الحرب تمدّدت إلى لبنان (ولا يزال وارداً تمدّدها يمنياً أو عراقياً)، إلا أنه لا يغيّر شيئاً في مجرى الحرب على إيران، بل كان خطأً استراتيجياً آخر لـ"الحرس الثوري" أتاح لإسرائيل فرصةً حرّةً (بلا ضغوط أو تدخّلات) لتنفيذ خطّة الحرب الموسّعة ضد "حزب إيران/ حزب الله" واجتياح مزيدٍ من الأراضي اللبنانية، كأنها "منفصلة" عن الحرب على إيران.

إذا قرر ترامب بنهاية الأسبوع الثاني، وبعد استخدامه الأسلحة الأكبر، أن يوقف الحرب، فإنه سيقدم على ذلك بدافع مصلحة أميركية فحسب، ومتى تيقّن أن الداخل الإيراني سيكمل الحرب بالنيابة عنه وعن نتنياهو، سواء لسحق أي تمرّد داخلي مسلّح أم لمواجهة مشاكل العقوبات التي زادتها الحرب سوءاً. قد يبدو التعجّل بطلب الاستسلام علناً هو ما جاء بنتائج عكسية، فالنظام سيوغل في التطرّف.        

(النهار اللبنانية)

يتم التصفح الآن