أَصْبَحَتِ الحَرْبُ الخَوارِزْمِيَّةُ تُجَسِّدُ بانوراما الذَّكاءِ الاصْطِناعِيِّ القِتالِيّ، في تَنْفيذِ الضَّرَباتِ العَسْكَرِيَّةِ على مُخْتَلَفِ الجَوانِبِ الذَّكِيَّة، وَأَصْبَحَ التَّسابُقُ نَحْوَ التَّسْليحِ الذَّكِيِّ على أَشُدِّه، على غِرارِ سِباقِ التَّسَلُّحِ النَّوَوِيِّ في الْحَرْبِ البارِدَة. في حينِ أَضْحَتْ مِنْطَقَتُنا الشَّرْقِيَّةُ حَقْلًا لِلتَّجارِبِ العَسْكَرِيَّةِ الذَّكِيَّة.
الأجهزة الذكية يمكنها التعلُّم من تجاربها في الحرب
إِنَّ الذَّكاءَ الاصْطِناعِيّ، يَلْعَبُ الآنَ الدَّوْرَ الأَساسِيَّ في أَنْظِمَةِ القِيادَةِ العَسْكَرِيَّة، والاخْتِراقِ الأَمْنِيّ، والتَّحْليلِ المَعْلوماتِيّ. حَيْثُ تَبْرُزُ سُرْعَتُهُ الخاطِفَةُ وَدِقَّتُهُ المُتَناهِيَةُ في إِحْرازِ السَّبْقِ لِلسَّيْطَرَةِ على العَمَلِيّاتِ العَسْكَرِيَّة، وَتَفْعيلِ ما يَسْتَلْزِمُ الحَرْبَ السّيبْرانِيَّةَ مِنَ الحُصولِ على الْمَعْلومَةِ والْهُجومِ الْمُباغِت.
في غُضونِ ثَوانٍ قَليلَةٍ تُحَلَّلُ المَعْلوماتُ الاسْتِخْباراتِيَّة، والصُّوَر، والمَشاهِدُ المُتَحَرِّكَة، والإِشاراتُ العَسْكَرِيَّةُ المُخْتَلِفَة، وَتُحَدَّدُ الأَنْماطُ بِسُرْعَة، وَيُمْكِنُ لِلقُوّاتِ الأَكْثَرِ تَفَوُّقًا تِقْنِيًّا أَنْ تُحَقِّقَ عُنْصُرَ المُفاجَأَةِ لِلعَدُوّ، وَأَنْ تُنَفِّذَ الاغْتِيالاتِ الذَّكِيَّةَ في أَيِّ لَحْظَةٍ وَفي أَيِّ مَكانٍ. إِضافَةً إلى أَنَّ الأَجْهِزَةَ الذَّكِيَّةَ المُسْتَخْدَمَةَ مُزَوَّدَةٌ بِآلِيَّةِ التَّعَلُّمِ الذّاتِيّ، وَيُمْكِنُها التَّعَلُّمُ بِاسْتِمْرارٍ مِنَ المَعْلوماتِ وَتَجارِبِها في الحَرْبِ الدّائِرَة.
هُناكَ أَرْبَعَةُ أَطْرافٍ رَئيسِيَّةٍ في الحَرْبِ الشَّرْقِ أَوْسَطِيَّةِ الحالِيَّة: الوِلاياتُ المُتَّحِدَةُ وَإِسْرائيل، إِيران، روسْيا والصّين.
الوِلاياتُ المُتَّحِدَة، هِيَ صاحِبَةُ القِيادَةِ التِّقْنِيَّةِ مُتَمَثِّلَةً في أَنْظِمَتِها الذَّكِيَّةِ المُضَمَّنَةِ تَقْريبًا في جَميعِ أَجْهِزَتِها الحَرْبِيَّةِ. لَمْ تَعُدِ المُعَدّاتُ الحَرْبِيَّةُ التَّقْليدِيَّةُ مَقْبولَةً إِطْلاقًا في أَيِّ سينارْيو حَرْبِيٍّ أَميرْكِيّ... تُشيرُ وَكالَةُ "رويْتِرْز" وَوَسائِلُ إِعْلامٍ أُخْرى، إلى أَنَّ المُسَيَّراتِ الأَميرْكِيَّةَ تَعْمَلُ بِخَوارِزْمِيّاتِ مِلاحَةٍ ذاتِيَّة، وَتَقومُ بِمَهامَّ مُرَكَّزَةٍ في تَعَقُّبِ أَهْدافِها، وَتَجاوُزِ دِفاعاتِ العَدُوِّ الجَوِّيَّة، خاصَّةً مُسَيَّراتُ "لوكاس" (LUCAS) مُنْخَفِضَةُ التَّكْلِفَة، في حُدودِ 35 أَلْفَ دولارٍ لِلمُسَيَّرَةِ الْواحِدَة؛ وهِيَ تُسْتَخْدَمُ كَذَخيرَةٍ واحِدَة (انْتِحَارِيَّة) في سِياقَاتٍ قِتالِيَّةٍ حَديثَة. ما يَعْني إِمْكانِيَّةَ صِناعَةِ أَعْدادٍ ضَخْمَةٍ مِنْها، وَيَسْمَحُ بِإِرْسالِ أَسْرابٍ ذَكِيَّةٍ مُتَلاحِقَةٍ لاسْتِنْزافِ دِفاعاتِ العَدُوِّ وَإِصابَةِ الأَهْدافِ المُحَدَّدَة. بِالإِضافَةِ إلى المُسَيَّراتِ العَسْكَرِيَّةِ المُتَقَدِّمَةِ التي تُسْتَخْدَمُ لِلمُراقَبَة، والضَّرْب، بِكُلْفَةِ مَلايينِ الدّولاراتِ لِلمُسَيَّرَةِ الْواحِدَة.
معطيات الحرب السيبرانية المُتصاعدة تشير إلى ظهور هجمات إلكترونية تكيُّفية
وَيَأْتي النَّموذَجُ الذَّكِيُّ "كْلود" (Claude) مُتَقَدِّمُ الذَّكاء، مِنْ إِنْتاجِ شَرِكَةِ "أَنْثْروبيك" (Anthropic)، والذي عَرَضْنا لَهُ في مَقالٍ سابِقٍ؛ لِيُدْمَجَ كَأَداةِ تَحْليلٍ في التِّقْنِيّاتِ الحَرْبِيَّةِ الأَميرْكِيَّة، بِحَسَبِ تَقارِيرَ حَديثَةٍ نَقَلَتْها صَحيفَةُ "وول ستْريت جورْنال" وَغَيْرُها. وَذَلِك، لِلاسْتِفادَةِ مِنْ إِمْكانِيَّاتِهِ القِرائِيَّةِ السَّريعَةِ جِدًّا لآلافِ الصَّفَحاتِ في ثَوانٍ، وَتَحْليلِ الصُّوَرِ والرُّسومِ البَيانِيَّةِ والرُّسوماتِ وَحَتّى النُّصوصِ المَكْتوبَةِ بِخَطِّ اليَد، يُحَوِّلُها رَقْمِيًّا، وَيُقَدِّمُ اسْتِجاباتٍ بِناءً على تَحْليلِ كَمِّيّاتٍ هائِلَةٍ مِنَ المَعْلومات. وَبِإِمْكانِهِ أَيْضًا تَعْيينُ الأَخْطاءِ المُحْتَمَلَة، وَتَحْديدُ الخُطُواتِ التالِيَةِ المُقْتَرَحَة، ما يُؤَدّي إلى اتِّخاذِ قَراراتٍ عَسْكَرِيَّةٍ حاسِمَة، وَتَقْديمِ مُحَاكاةِ سينارْيواتِ الضَّرْبِ المَطْلوبَة. وَبِطَبيعَةِ مِثْلِ هَذا الاسْتِخْدامِ العَسْكَرِيِّ الذَّكِيّ، لا يَعوزُهُ اسْتِخْدامُ نَماذِجَ رُؤْيَةٍ مُتَنَوِّعَةٍ لِتَحْليلِ صُوَرِ الأَقْمارِ الصِّناعِيَّة، وَفيدْيواتِ المُسَيَّرات، وَتَحَرُّكاتِ الوَحَداتِ العَسْكَرِيَّة. الشَّيْءُ الذي يَعْني إِنْجازَ المَهامِّ العَسْكَرِيَّةِ في ثَوانٍ قَليلَةٍ بَدَلَ السّاعاتِ الطَّويلَة.
الكِيانُ الصُّهْيونِيّ، وَهُوَ الذِّراعُ الأَقْوى لأَميرْكا في المِنْطَقَة، لَدَيْهِ القُدْرَةُ الاسْتِخْباراتِيَّةُ الرَّهيبَةُ التي تَعْتَمِدُ على إِمْكانِيَّاتِها الذَّكِيَّةِ الهائِلَة، خُصوصًا في تَحْليلِ البَياناتِ وَتَحْديدِ الأَهْدافِ بِسُرْعَة. وَخَيْرُ دَلِيلٍ على هَذا، ما قَامَتْ بِهِ إِسْرائيل، وَلَمْ تَزَل، مِنْ اغْتِيالاتٍ ذَكِيَّةٍ مُباغِتَة، في فِلَسْطينَ المُحْتَلَّةِ وَلُبْنانَ وَإيران...
الحرب الحالية هي حرب هجينة عسكرية سيبرانية إعلامية اقتصادية تقنية
إيرانُ هِيَ الأُخْرى، تُعَوِّلُ على مُسَيَّراتِها الذَّكِيَّةِ وَقُدْراتِها السّيبْرانِيَّة، وَتَتَراوَحُ ما بَيْنَ الفَشَلِ والنَّجاح. غَيْرَ أَنَّ ما تُشيرُ إِلَيْهِ مُعْطَياتُ الحَرْبِ السّيبْرانِيَّةِ المُتَصاعِدَةِ هُوَ ظُهورُ الهَجَماتِ الإِلِكْترونِيَّةِ التَّكَيُّفِيَّة، التي تَتَناسَبُ مَعَ تَغَيُّراتِ بيئَةِ الاسْتِخْدامِ الْحاسوبِيِّ وَإِمْكانِيَّاتِ الأَمْنِ السّيبْرانِيِّ المُسْتَخْدَمَةِ مِنْ قِبَلِ العَدُوّ، وَتَغَيُّراتِ التَّكْتيكاتِ الأَمْنِيَّةِ الرَّقْمية، حَتّى يُمْكِنَ لِلأَنْظِمَةِ المُهاجِمَةِ إِحْداثُ أَعْطالٍ في الأَجْهِزَةِ المُسْتَهْدَفَة، أَوِ التَّشْويشُ على أَنْظِمَةِ المِلاحَة (GPS)، واخْتِراقُ الشَّبَكاتِ الدِّفاعِيَّة، وَتَضْليلُ الرّاداراتِ وَشَلُّ كَفاءاتِها.
بَيْنَما تَظَلُّ كُلٌّ مِنْ روسْيا والصّين، تَحْتَفِظُ بِأَسْلِحَتِها الذّاتِيَّةِ الذَّكِيَّة، وَقَريبَةً جِدًّا مِنْ مَشاهِدِ المَعارِكِ مِنْ دونِ أَيِّ فِعْلٍ يُذْكَرُ ظاهِرِيًّا، وَلَكِنَّ ثِقْلَها المَعْنَوِيَّ وَحُضورَها السِّياسِيَّ يُنْذِرُ بِتَوَقُّعاتِ ثِقْلِها العَسْكَرِيّ.
إِنَّ الحَرْبَ الحالِيَّةَ هِيَ حَرْبٌ هَجينَة (عَسْكَرِيَّة، سيبْرانِيَّة، إِعْلامِيَّة، اقْتِصادِيَّة، تِقْنِيَّة)؛ تَجِدُ فيها كُلُّ الأَطْرافِ ساحَةً لاخْتِبارِ قُدُراتِها الذَّكِيَّة. فَلا يُسْتَبْعَدُ مَثَلًا، أَنْ تُساعِدَ روسْيا إِيرانَ بِتَزْويدِها بِتِقْنِيّاتِ تَشْويشٍ إِلِكْترونِيّ، وَتَبادُلِ مَعْلوماتٍ اسْتِخْباراتِيَّة. تَمامًا، مِثْلَما تَدْعَمُها إِعْلامِيًّا في قَنَواتِها المُخْتَلِفَة، وَتُعَزِّزُ خِطابَها في المُواجَهَة.
التفَوُّق الخوارزمي الذي يسعى إليه الجميع وصل أخيرًا لأن يكون مسرحًا مشهودًا في ساحاتنا العربية والشرقية
أَمّا الصّينُ فَهِيَ مِنْ أَكْبَرِ مُسْتَوْرِدي النَّفْطِ الإيرانِيِّ والخَليجِيّ، وَمِنْ ثَمَّ فَسَتَضْغَطُ لِوَقْفِ الحَرْبِ بِشَكْلٍ أَوْ بِآخَر، وَسَتَسْتَخْدِمُ حَقَّ الفيتو في مَجْلِسِ الأَمْنِ. وَلا يُسْتَبْعَدُ مُساعَدَتُها لإيرانَ عَسْكَرِيًّا، واسْتِخْباراتِيًّا، وَحَتَّى تِجارِيًّا.
تَتَرَكَّزُ المَسْأَلَةُ الآن، في مَنْ يَمْتَلِكُ العُقولَ الاصْطِناعِيَّةَ الأَكْثَرَ ذَكاءً! والأَقْدَرَ على تَنْفيذِ القَراراتِ الذَّكِيَّة، واغْتِنامِ اللَّحَظاتِ الحاسِمَة. مَنْ لَدَيْهِ القُدْرَةُ على التَّجْريبِ الأَسْبَقِ لِسِلاحِهِ الذَّكِيِّ وَيَكْسَبُ الجَوْلَةَ الحَرْبِيَّة؟ إِنَّهُ التَّفَوُّقُ الخَوارِزْمِيُّ الذي يَسْعَى إِلَيْهِ الجَميع، والذي كانَ وَما زالَ يَعْمَلُ مِنْ أَجْلِهِ أَصْحابُ العُقولِ المُجَنَّدَةِ في هَذا الخُصوصِ مُنْذُ عُقود؛ وَتُنْفَقُ لأَجْلِهِ مِلْياراتُ الدّولارات، حَتّى وَصَلَ أَخيرًا لأنْ يَكونَ مَسْرَحًا مَشْهودًا في ساحاتِنا العَرَبِيَّةِ والشَّرْقِيَّة، الأَقَلِّ حَظًّا بِكَثيرٍ في هَذا الشَّأْن.
أَمّا المَسْأَلَةُ الأَخْلاقِيَّةُ في التَّفَوُّقِ الخَوارِزْمِيِّ الحَرْبِيّ، فَلَها نَظَرٌ آخَر.
(خاص "عروبة 22")

