يحتاجُ لبنانُ أكثرََ منْ أيِّ وقتٍ مضَى إلى الوحدةِ الوطنيّةِ لتفويتِ الفرصةِ على المخططاتِ الإسرائيليّةِ، التي تُرسمُ للبلادِ في ظلِّ استمرارِ الحربِ وتداعياتِهَا الخطرةِ. لكنَ الوقائعَ توحي بغيرِ ذلكَ، خصوصًا أنَ قرارَ المفاوضاتِ المباشرةِ مع إسرائيلَ، الذي اتخذتهُ الدولةُ اللبنانيّةُ، لا يلقَى إجماعًا وطنيًا، وباتَ مادةَ سجالٍ يوميٍّ. وبدأَ هذا السجالُ بينَ رئيسِ الجمهوريةِ جوزاف عون و"حزبِ الله"، قبل أن ينتقلَ، أمسِ الأربعاءِ، إلى التراشقِ الكلاميِّ "العالي النبرةِ" مع رئيسِ مجلسِ النوابِ نبيه بري. إذ اتهمَ الأخيرُ عونَ، في بيانٍ أصدرَهُ، بالتصريحِ بـ"كلامٍ غيرِ دقيقٍ" عن الاتفاقِ المُبرمِ خلالَ شهرِ تشرينَ الثاني/نوفمبرَ 2024. في وقتٍ لا تبدو فيه طهرانُ بعيدةً عن المسارِ المُتخذِ، إذ اتصلَ وزيرُ خارجيتِهَا عباس عراقجي بالرئيسِ برّي، وأطلعَهُ على وقائعِ المحادثاتِ في العاصمةِ الباكستانيّةِ إسلامُ آبادَ، وموقعِ لبنانَ فيها. وتصرّ إيرانُ على ربطِ مسارِ الملفينِ، على الرغمِ من المحاولاتِ الحثيثةِ من أجلِ فصلهِمَا عن بعضهِمَا، ما تجلَّى عبرَ مفاوضاتِ واشنطنَ، التي قرّرَ لبنانُ خوضَهَا على قاعدةِ رفضِ التدخلاتِ الخارجيّةِ وإعادةِ القرارِ الداخلِيّ إلى المسؤولين فيه حصرًا دونَ غيرهِم.
إلا أنَ طهرانَ، التي اختبرَت طويلًا نفوذَهَا في لبنانَ وواظبَتْ لسنواتٍ على تعزيزِ قوّةِ "حزبِ الله" على حسابِ الدولةِ ومؤسساتِهَا وأنفقَتِ الكثيرَ في سبيلِ تسليحِهِ، لا يمكنُ أن تقبلَ ذلكَ بسهولةٍ. فهي استطاعَتْ، من خلالِ دورِها الإقليمِيّ، مقارعةَ دولٍ عدةٍ وتحويلَ الحربِ التي شُنَّت عليهَا إلى حربٍ متعددةِ الأطرافِ، إنْ صحَّ التعبيرُ، بعد تحريكِهَا الساحاتِ المواليةَ لهَا في بغدادَ وبيروتَ وصنعاءَ، ولو بوتيرةٍ أقلَّ. وعليه، يقفُ لبنانُ أمامَ معضلةٍ حقيقيّةٍ وجبهتينِ: أولاهُمَا عسكريّةٌ، تتمثلُ بتواصلِ العدوانِ الإسرائيليّ على الجنوبِ، وما يخلّفُهُ من خسائرَ بشريةٍ واقتصاديةٍ جسيمةٍ، وثانيتهُمَا سياسيّةٌ، بعدَ خروجِ الخلافاتِ من بينِ جدرانِ قصرِ بعبدا، لتصبحَ حديثَ الساعاتِ الماضيةِ. وهو أمرٌ يُنذرُ بقطيعةٍ بين عون وبري، وبخلافاتٍ ستُعقّدُ المشهدَ السياسيَّ برمتِهِ. وفي التفاصيلِ، اعتبرَ الرئيسُ اللبنانيُّ، في كلمةٍ لهُ أمامَ الهيئاتِ الاقتصاديةِ، أن المفاوضاتِ "فرصةٌ ينبغِي الاستفادةُ منهَا للعبورِ بلبنانِ إلى شاطئِ الأمانِ والسلامِ". وأكدَ أنه نسَّقَ وتشاورَ مع رئيسَي مجلسَي النوابِ والحكومةِ في كلِّ خطوةٍ اتّخذَهَا بشأنِ المفاوضاتِ مع إسرائيلَ. كما ردَّ على الانتقاداتِ بشأنِ الموافقةِ على منحِ تلّ أبيبَ حريةَ استكمالِ اعتداءاتِهَا على لبنانَ، عبر البيانِ الأميركيّ الذي صدرَ بعد المحادثاتِ الثلاثيّةِ في واشنطنَ بينَ لبنانَ وإسرائيلَ والولاياتِ المتحدةِ. فقالَ إنَ هذا الكلامَ وردَ في بيانٍ صدرَ عن الخارجيةِ الأميركيّةِ، وهو مطابقٌ لنصِّ اتفاقِ وقفِ إطلاقِ النارِ المُبرمِ في تشرينَ الثانِي/نوفمبر 2024 (الذي أنهَى ما يُقاربُ الشهرينِ من القتالِ على خلفيةِ إسنادِ غزّةَ)، ووافقَتْ عليهِ الأطرافُ جميعًا حينذاكَ.
لكنَ هذا الكلامَ لم يُعجبْ الرئيسَ بري، الذي قرّرَ، بعد فترةٍ من الصمتِ، توجيهَ انتقادٍ ناريٍّ إلى قصر بعبدا. فاعتبرَ أن الكلامَ الذي وردَ على لسانِ عونَ غيرُ دقيقٍ "إنْ لمْ نقلْ غيرَ ذلكَ، وكذلكَ بالنسبةِ إلى اتفاقِ عام 2024 وموضوعِ المفاوضاتِ". وبهذهِ العباراتِ يمكنُ اختصارُ الوضعِ الراهنِ بينَ تضاربٍ وتعارضٍ في الرئاساتِ الثلاثِ، ومواصلةِ "حزبِ الله" تصويبَهُ على رئاسةِ الجمهوريةِ والحكومةِ، ووضعِ مساعِيهَا وجهودِهَا في إطارِ "الخيانةِ"، بينما البلادُ والعبادُ تعيشُ أوضاعًا دقيقةً وصعبةً توحي بالأسوأِ في حالِ استمرارِ الوضعِ على مَا هُوَ عليهِ. فالميدانُ، الذي يُراهنُ عليهِ "حزبُ الله"، مشتعلٌ مع مجازرَ ترتكبُهَا إسرائيلُ في قرَى الجنوبِ، أسفرَتْ عن مقتلِ 42 شخصًا خلالَ الساعاتِ الأربعَ والعشرينَ الماضيةِ، ليرتفعَ عدّادُ الضحايَا إلى 2576 قتيلًا و7962 جريحًا منذُ بدءِ الحربِ في 2 آذار/مارسَ الماضِي. وتصعّدُ قواتُ الاحتلالِ مِن عملياتِهَا العسكريةِ على وقعِ التفجيراتِ الضخمةِ، التي تنفّذُهَا يوميًا، لمسحِ القرَى والبلداتِ وبناهَا التحتيّةِ، في خرقٍ متواصلٍ لاتفاقِ وقفِ النارِ. من جهتِهِ، أعلنَ "حزبُ الله" أن "المقاومةَ الإسلاميّةَ، استهدفَت، ليلًا، تجمّعًا لجنودِ جيشِ العدوِّ الإسرائيليِّ في موقعِ نمرِ الجملِ المستحدثِ، بسربٍ من المسيّراتِ الانقضاضيّةِ، وحقّقَتْ إصابةً مؤكّدةً".
ودخلَت الولاياتُ المتحدةُ على خطِّ المواجهاتِ، وبرزَ ذلكَ عبرَ تصريحاتِ رئيسِهَا دونالد ترامب، الذي طلبَ من نتنياهو، خلالَ اتصالِهِ الهاتفيِّ بِهِ، وفقَ ما أكدَتِ القناةُ 12 الإسرائيليّةَ، "كبحَ الهجماتِ على لبنانَ، وأن تكونَ موضعيّةً"، مشيرًا إلى أنّ واشنطنَ "تعملُ لمنعِ انهيارِ الهدنةِ في لبنانَ خلالَ الأسبوعينِ المقبلينِ وما بعدَهُمَا". وإذْ حثَّهُ على "عدمِ إسقاطِ المبانِي"، قالَ ترامب إنَ "لبنانَ كانَ مرّةً دولةً رائعةً، لكنَّ طهرانَ ووكيلَهَا دمّراهَا. وفي حالِ قضينَا على إيرانَ، فسنقضِي على حزبِ الله تلقائيًّا". ولاحقًا، ذكرَتِ القناةُ عينُها أنَ إسرائيلَ طلبَتْ من الإدارةِ الأميركيّةِ تحديدَ إطارٍ زمنيٍّ للمفاوضاتِ مع لبنانَ حتى منتصفِ أيار/مايو المقبلِ. في المقابلِ، تحدّثَت صحيفةُ "إسرائيلُ هيومَ" عن تقديراتٍ في إسرائيلَ، تشيرُ إلى إمكانيّةِ قبولِ اتّفاقٍ محدودٍ مع لبنانَ. وبحسبِ هذه التقديراتِ، قد تكتفِي إسرائيلُ باتّفاقٍ ينصُّ على "تفكيكِ حزبِ الله"، من دونِ أن يكونَ هناكَ "تطبيعٌ". لكنْ لا تزالُ تواجِهُ هذا الأمرَ عقباتٍ كثيرةً في ظلِّ تعّهدِ تلّ أبيب بمواصلةِ القتالِ، ما كرّرَهُ رئيسُ الأركانِ أيال زامير، من جنوبِ لبنانَ، إذ أصرَّ على أنَّهُ "لا وقفَ للقتالِ على الجبهةِ"، مؤكّدًا أنّ الجيشَ مستمرٌّ في عمليّاتِهِ على خطِّ المواجهةِ، لمنعِ استهدافِ مستوطناتِ الشمالِ.
وجرَتِ المحادثةُ بينَ نتنياهو وترامبَ بعد َرفضِ الأخيرِ المقترحَ الإيرانيّ، الذي قدّمهُ وزيرُ الخارجيّةِ عباس عراقجي مؤخرًا عبرَ الوسيطِ الباكستانيّ، ويقضِي بإعلانِ اتّفاقٍ لوقفِ إطلاقِ النارِ، والتوصّلِ إلى حلٍّ في مضيقِ هُرمزَ، قبل معالجةِ الملفِّ النوويِّ الإيرانيِّ. لكنَ واشنطنَ ترفضُ "تجزئةَ" الملفاتِ، وتصرُّ على إبرامِ تسويةٍ كاملةٍ، بينما تحاولُ طهرانَ فكَّ الحصارِ المفروضِ عليهَا، وكسبَ المزيدِ من الوقتِ لتحصيلِ "المكاسبِ". وفي هذا الإطارِ، نقلَ موقعُ "أكسيوسَ" عن 3 مصادرَ مطلّعةٍ، أن القيادةَ المركزيةَ الأميركيّةَ "سنتكوم" أعدَّتْ خطةً لشنِّ موجةِ ضرباتٍ "قصيرةٍ وقويةٍ" على إيرانَ، في محاولةٍ لكسرِ الجمودِ في المفاوضاتِ. وبعدَ هذه الضرباتِ، التي يُرجحُ أن تشملَ أهدافًا من البنيةِ التحتيةِ، ستضغطُ الولاياتُ المتحدةُ على النظامِ الإيرانيِّ للعودةِ إلى طاولةِ المفوضاتِ وإبداءِ مزيدٍ من المرونةِ. وبحسبِ المصادر عينِهَا، يرَى ترامبُ حاليًا أن استمرارَ الحصارِ علَى الموانئِ الإيرانيّةِ يُشكّلُ مصدرَ الضغطِ الأساسيِّ لهُ، لكنهُ قد يفكّرُ في تنفيذِ عملٍ عسكريٍّ إذا لم تتراجعْ إيرانُ. وتراهنُ الولاياتُ المتحدةُ على عاملِ الوقتِ وخسائرِ النظامِ الإيرانيِّ، التي تَزيدُ من الاضطراباتِ الداخليّةِ والاحتقانِ الشعبيِّ. يُشارُ، في هذا الصدّدِ، إلى أنَّ العملةَ الوطنيّةَ الإيرانيّةَ سجلَت أمسَ الأربعاءَ، أدنَى مستوىً لهَا، إذ بلغَ سعرُ التداولِ في السوقِ السوداءِ نحوَ 1.80 مليونَ ريالٍ مقابلَ الدولارِ.
وبرزَ، أمسِ الأربعاءِ، الاتصالُ الذي أجراهُ الرئيسُ الروسيُ فلاديمير بوتين بنظيرِهِ الأميركيِّ، وترّكزَتِ المحادثاتُ خلالَهُ، بشكلٍ رئيسيٍّ، على تطوراتِ الحربِ في الشرقِ الأوسطِ. وضمنَ هذا السيّاقِ، أوضحَ مستشارُ بوتين، الدبلوماسيُّ يوري أوشاكوف، أن الاتصالَ، الذي استمرَّ أكثرَ من 90 دقيقةً، كان "صريحًا عمليًا". وأكدَ أنَ "الرئيسين أوليَا اهتمامًا خاصًا بالوضعِ المتعلقِ بإيرانَ وبالخليجِ"، فيما وصفَ ترامبُ المكالمةَ بأنَها "جيدةٌ جدًا"، مشيرًا إلى أنَ بوتينَ عرضَ على واشنطنَ المساعدةَ في مسألةِ اليورانيومِ المخصبِ لدى إيرانَ، وهو عقبةٌ رئيسيّةٌ أمامَ إنهاءِ الحربِ. ويأتي هذا الاتصالُ بعد زيارةِ عراقجي إلى موسكو، ضمنَ الجولةِ التي شَمِلَتْ أيضًا باكستانَ وسلطنةَ عُمانَ، بما يؤكدُ أن طهرانَ أطلعَتْ روسيا على آخرِ التطوراتِ، خصوصًا أنَ الأخيرةَ سبقَ أن عرضَت، بهدفِ حلِّ النزاعِ العسكريِّ، نقلَ اليورانيومِ الإيرانيِّ المخصبِ إلى أراضِيهَا، لكن واشنطنَ رفضَتْ لأنَهَا تسعَى إلى نقلِهِ إلى الأراضي الأميركيّةِ. وبالتالي، تسعَى العديدُ منَ الدولِ إلى ردمِ الهوةِ وتقريبِ وجهاتِ النظرِ المتناقضةِ، لكنَّ حتى الساعةِ، تستمرُ سيطرةُ الضبابية والغموض، خصوصًا أن جميعَ المقترحاتِ السابقةِ باءَتْ بالفشلِ، ما يزيدُ من انعكاساتِ الأزمةِ مع استمرارِ استخدامِ مضيقِ هُرمزَ كـ"ورقةِ ضغطٍ وابتزازٍ".
في غضونِ ذلكَ، أظهرَت بياناتُ الشحنِ أن ستَّ سفنٍ على الأقلِ عبرَتِ المضيقَ خلالَ الساعاتِ الأربعِ والعشرينَ الماضيةِ، بينمَا أفادَت وكالةُ "رويترز" بأن متوسطَ حركةِ الملاحةِ البحريةِ بلغَ نحوَ سبعِ سفنٍ يوميًا خلال الأيامِ القليلةِ الماضيةِ. ويعكسُ ذلكَ تراجعًا كبيرًا عن الحركةِ المعتادةِ، التي كانَتْ تُراوحُ بينَ 125 و140 عبورًا يوميًا قبلَ بدءِ الحربِ على إيرانَ. ويواصلُ النظامُ الإيرانيُّ فرضَ القيودِ على المضيقِ، مع التلويحِ بضرورةِ دفعِ رسومٍ للعبورِ الآمنِ، مَا أدانتهُ وزارةُ الخزانةُ الأميركيّة. إذ قالَت إنَ "شركاتِ الشحنِ التي تدفعُ أيَّ مبالغَ لإيرانَ مقابلَ المرورِ ستتعرضُ لعقوباتٍ، حتَى لو كانَت هذه الشركاتُ غيرَ أميركيّةٍ". بدورِهَا، نقلَتْ قناةُ "برس تي في" الإيرانيةُ عن مصدرٍ أمنيٍ قولَهُ إنَ استمرارَ "القرصنةِ البحريةِ الأميركيّةِ" سيُواجَهُ قريبًا بعملٍ عسكريٍ غيرِ مسبوقٍ. واعتبرَ أنَ "للصبرِ حدودًا"، وأنَ "الرّدَ القاسيَ ضروريٌ إذا استمرَّت واشنطنُ في حصارِهَا البحريِّ غيرِ القانونيِّ لمضيقِ هُرمزَ". وتضعُ إيرانُ ضغوطَ واشنطنَ عليهَا وتشديدَ الحصارِ وإمكانيةِ إطالةِ أمدِهِ، في إطارِ "المواجهةِ الشاملةِ". إذ أشارَ رئيسُ البرلمانِ وكبيرُ المفاوضين محمد باقر قاليباف إلى أن "العدوَ سعَى إلى تحويلِ طهرانَ إلى نموذجٍ شبيهٍ بفنزويلا، وفشلَ في تحقيقِ هدفِهِ". وقالَ قاليبافُ إن "العدوَ حاولَ تفعيلَ الانفصاليينَ غربَ إيرانَ، لكنَهُ فشلَ بفضلِ جهودِ القواتِ العسكريةِ والأمنيّةِ، كما أنه سعَى في بدايةِ الحربِ إلى إسقاطِ النظامِ خلالَ 3 أيامٍ عبرَ اغتيالِ قائدِ الثورةِ والقادةِ العسكريينَ، لكنَهُ مُنيَ بالفشلِ أيضًا".
وتريدُ إيرانُ، التي تصرُّ على "استراتيجيّةِ الصمودِ"، نوعًا من الاعترافِ الأميركيِّ بحقِهَا في تخصيبِ اليورانيومِ، لـ"أغراضٍ سلميةٍ ومدنيةٍ" على حدِّ تعبيرِهَا. فهي تمتلكُ مخزونًا يبلغُ نحوَ 440 كيلوغرامًا من اليورانيومِ المخصبِ بنسبةِ نقاءٍ 60 في المئة، وهي درجةٌ يمكن استخدامُها في صنعِ عددٍ من الأسلحةِ النوويةِ، إذا خضعَ لمزيدٍ من التخصيبِ. إلى ذلكَ، رجّحَ رئيسُ الوكالةِ الدوليةِ للطاقةِ الذريةِ رافائيل غروسي، وجودَ معظمِ اليورانيومِ في مجمّعِ أصفهانَ، كاشفًا عن امتلاكِ صورِ أقمارٍ صناعيةٍ، تُظهرُ آثارَ أحدَثِ الغاراتِ الجويةِ الأميركيّةِ الإسرائيليّةِ على إيرانَ، لافتًا إلى أنَهَا لا تزالُ تتلقَّى معلوماتٍ بشأنِ هذه المسألةِ. وإذ عبّرَ عن ضرورةِ تفتيشِ المنشآتِ النوويةِ الإيرانيّةِ في نطنزَ وفوردو، أوضحَ أن الوكالةَ ناقشَت معَ روسيا ودولٍ أخرَى إمكانيةَ إرسالِ اليورانيومِ عالي التخصيبِ إلى خارجِ البلادِ، مضيفا أنَ "الأمرَ المهمَ هوَ أن تغادرَ هذه المادةُ إيرانَ"، أو أن يجريَ مزجُهَا لتقليلِ تخصيبِهَا. في موازاةِ ذلكَ، تسيرُ المباحثاتُ ضمنَ حلقةٍ مفرغةٍ لغيابِ الأرضيةِ المشتركةِ وتمسّكِ كلَّ طرفٍ بشروطِهِ "العاليةِ السقفِ"، بينما يبدُو أنَ واشنطنَ اتخذَت قرارَهَا بـ"حصارٍ طويلِ الأمدِ". إذْ إنَ تكلفةَ الصراعِ مع إيرانَ، وفقَ ما كشفَ عنهُ مسؤولٌ كبيرٌ في وزارةِ الحربِ الأميركيّةِ (البنتاغون)، ناهزَتِ الـ25 مليارَ دولارٍ حتَى الآنَ، بمَا يُعَدُ أولَّ تقديرٍ رسميٍ لتكاليفِ الحربِ. ودافعَ وزيرُ الدفاعِ الأميركيِّ بيت هيغسيث أمامَ الكونغرسِ عن الخياراتِ المتبعةِ، قائلاً إنَ "الحربَ على إيرانَ ليست مستنقعًا". كما هاجمَ الأعضاءَ الديمقراطيينَ، واصفًا إياهم بـ"المتهورينَ والمتخاذلينَ" لانتقادهِم هذا الصراعَ الذي لا يحظَى بتأييدٍ كافٍ، على حدِّ تعبيرِهِ.
في سياقٍ آخرَ، تستعدُ مدينةُ القدسِ والمسجدُ الأقصَى المباركُ خلالَ الشهرِ الحالي لأيامٍ وُصفَت بأنَهَا ستكونُ "الأصعبَ والأقسَى". إذ تبرزُ دعواتٌ إسرائيليّةٌ مُكثّفةٌ إلى تنفيذِ اقتحاماتٍ غيرِ مسبوقةٍ، بالتزامنِ مع أعيادٍ ومناسباتٍ يهوديةٍ عدة، فيما تتزايدُ هجماتُ المستوطنينَ على أنحاءٍ متفرقةٍ من الضفةِ الغربيةِ المحتلةِ. وتُسهمُ ممارساتُ إسرائيلَ الإجراميةُ والوحشيةُ في ارتفاعِ مستوَى العداءِ لهَا عالميًا وإقليميًا، إذ أُصيبَ شخصانِ بعمليةِ طعنٍ نفّذَهَا رجلٌ، أمسِ الأربعاءَ، في حيٍّ يقطنُهُ يهودٌ شماليَّ لندنَ، وفقَ ما قالَتِ الشرطةُ البريطانيّةُ، في حينِ وصفَ رئيسُ الوزراءِ كير ستارمر الهجومَ بأنَهُ "معادٍ للساميةِ ومروّعٍ جدًا". وهذهِ ليستِ الحادثةُ الأولَى من نوعِهَا، لكنَهَا تتزامنُ مع أحداثِ غزّةَ، وتصاعدِ الانتقاداتِ للانتهاكاتِ الإسرائيليّةِ. وفي سياقٍ متصلٍّ، هاجمَتْ قواربُ تابعةٌ للبحريةِ الإسرائيليّةِ "أسطولَ الصمودِ العالميّ"، أثناءَ سفرِهِ إلى قطاعِ غزّةَ، في مهمةٍ إنسانيّةٍ تضمُ مئاتَ المشاركينَ المتطوعينَ، سعيًا إلى كسرِ الحصارِ المفروضِ على القطاعِ المنكوبِ، كما اعترضَت عددًا منهَا وسيطرَت عليهَا بذريعةِ "خرقِ القانونِ الدوليِّ".
وفي الفقرةِ الخاصةِ بالصحفِ العربيّةِ الصادرةِ اليوم، تركيزٌ على المواضيع والعناوين الآتية:
كتبت صحيفة "الرياض" السعودية: "انتهت القمة التشاورية لقادة مجلس التعاون لدول الخليج العربية، وانتقل الملف الأمني إلى مرحلة متابعة أدق، حيث تتزايد الحاجة إلى تحويل التوافقات إلى أدوات عمل. ما طُرح في القمة يرتبط بواقع تتداخل فيه مستويات التهديد، ولم تعد الجغرافيا وحدها تحدد مسارات الضغط، كما أن أدوات المواجهة لم تعد محصورة في نمط واحد يمكن احتواؤه بسهولة". وأضافت أن "الملف الأمنيّ لا ينفصل عن أمن الطاقة، حيث يحتفظ الخليج بدور محوريّ في استقرار السوق العالمية، التنسيق داخل "أوبك" أساسيًا ومع "أوبك+" ضروريًا يشكل جزءًا من هذا الحضور، ضمن إدارة دقيقة للإمدادات تحافظ على التوازن العام. الممرات البحرية تضيف بُعدًا آخر لهذا الملف، مع تصاعد حساسيتها لأي اضطراب، ما يضع استمرارية التدفقات ضمن أولويات ترتبط بالأمن بقدر ما ترتبط بالاقتصاد".
الموضوع عينه تناولته صحيفة "الخليج" الإماراتيّة، التي أشارت إلى ان القمة الخليجيّة "أرادت أن تجسد الموقف الخليجيّ الموحد، وتعزز التنسيّق المشترك بما يدعم منظومة الأمن الجماعيّ، ويحمي المكتسبات الاقتصادية، ويعزّز الدور الفاعل لهذه الدول في دعم المسارات الدبلوماسيّة، وصون أمن المنطقة واستقرارها وتحقيق تطلعات شعوبها في التنمية والازدهار". وقالت: "لذلك ترى دول الخليج أن أي اتفاق بين الولايات المتحدة وإيران، لا يأخذ هواجسها ومخاوفها في الاعتبار تجاه السلوك الإيرانيّ هو اتفاق ناقص، رغم أن الدول الخليجيّة أثبتت قدرة فائقة على حماية أمنها، وصون سيادتها بكل كفاءة واقتدار، في التصدي لأكبر قدر من الهجمات الصاروخية والطائرات المسيرة التي استهدفت المنشآت المدنية والاقتصادية والبنى التحتية".
أما صحيفة "الوطن" البحرينيّة، فرأت أن "القمة عُقدت من أجل ضرورة إزالة الحواجز والعوائق التي تعطل مشاريع الربط الخليجي والعمل بوتيرة أسرع مما كانت عليه؛ إذ إنه حتى مع المجالس التنسيقية الثنائية ما زالت وتيرة العمل دون المطلوب، خاصة بعد أن تعرضت الدول الأعضاء إلى عدوان إيراني غاشم نال من البنية التحتية في كل من دولنا، وأزال أي فرصة للوثوق في هذا النظام، تزامن ذلك لتكتشف دول الخليج أنها كانت عرضة للخطر الداخلي لا الخارجي فحسب بوجود تلك الخلايا التي شكلت شبكة إيرانية داخل دولنا الخليجية، وشاركت في الاعتداء على أمننا". ولفتت إلى أنه "لذلك تأتي أخبار إسقاط الجنسية وترحيل البعض مع الأحكام القضائية لتعالج عائقًا حال دون الوحدة الوطنية في البحرين لعقود، عائقًا استنزف منا في البحرين الكثير وكلفة معالجته السابقة كانت عالية ولم تنجح في القضاء عليه، فلم تنفع سياسة الاحتواء مع الأسف مع جماعة لديها مشروع لإسقاط الدولة وليست لها مظالم".
صحيفة "الغد" الأردنيّة، من جانبها، أشارت إلى أن "الإخفاق في التوصل لاتفاق ينهي الحرب مع إيران، بشروط مقبولة من الطرفين، يكلف العالم خسائر مضاعفة. لا يمكن رهن فتح مضيق هُرمز باتفاق على برنامج إيران النووي. هذا سلوك مدمر من طرف واشنطن وطهران. العالم ينبغي ألا يخضع لهذه المعادلة". وأوضحت، أنه "في المتاح من المعطيات حاليًا، ثمة قلق عالمي كبير من استمرار حالة الجمود والمراوحة بين الحرب والتهدئة، لفترة طويلة، ما يعني استمرار الوضع القائم وتفاقم الأزمة الاقتصادية أكثر".
(رصد "عروبة 22")

