ثَمَّةَ عَوامِلُ عَديدَةٌ تُؤَثِّرُ بِالتَّأْكيدِ على مَصيرِ جُهودِ ترامب لِلتَّوَصُّلِ إلى سَلامٍ في لُبْنان، غَيْرَ أَنّي أَكْتَفي هُنا بِتَحْليلِ العامِلِ الذّاتِيِّ المُتَعَلِّقِ بترامب نَفْسِهِ وَخِبْراتِهِ وَتَوَجُّهاتِهِ بَعيدًا عَنْ أَيِّ تَعْقيدَاتٍ تَرْتَبِطُ بِالحالَةِ اللُّبْنانِيَّةِ بِصِفَةٍ خاصَّة.
كَما هُوَ مَعْلومٌ فَإِنَّهُ على الأَقَلِّ مُنْذُ حَمْلَتِهِ الِانْتِخابِيَّةِ في الِانْتِخاباتِ الرِّئاسِيَّةِ 2024 دَأَبَ على التَّرْويجِ لِنَفْسِهِ كَصانِعِ سَلامٍ يَهْدِفُ لِإِطْفاءِ نيرانِ الحُروبِ التي تُهَدِّدُ الأَمْنَ في العالَم، حَتّى أَنَّ الرَّغْبَةَ في حُصولِهِ على جائِزَةِ نوبِل لِلسَّلامِ أَصْبَحَتْ رَغْبَةً عَلَنِيَّةً مِنْ قِبَلِه. والواقِعُ أَنَّ ما أَعْطى شَيْئًا مِنَ الصِّدْقِيَّةِ لِهَذا الخِطابِ السِّياسِيِّ هُوَ نَهْجُهُ المُخْتَلِفُ لِتَسْوِيَةِ الحَرْبِ في أوكْرانْيا، كَما سَنَرى، ثُمَّ تَغْييرُ أَفْكارِهِ بِخُصوصِ غَزَّةَ وَلَوْ تَكْتيكِيًّا مِنْ تَرْحيلِ سُكّانِها إلى مِصْرَ والأُرْدُن، وَبِناءِ "ريفييرا" جَديدَةٍ فيها، إلى خُطَّةٍ تَسْعى لِتَسْوِيَةٍ تُبْقي على سُكّانِها في أَرْضِهِم، وَتَفْتَحُ آفاقًا وَلَوْ غامِضَةً لِدَوْلَةٍ فِلَسْطينِيَّة، وَذَلِكَ بِالإِضافَةِ إلى بَعْضِ الأَعْمالِ الثّانَوِيَّةِ في مَجالِ تَهْدِئَةِ عَدَدٍ مِنَ الصِّراعاتِ الأُخْرى الأَقَلَّ أَهَمِّيَّة.
لِذَلِك، فَإِنَّ التَّنَبُّؤَ بِمُسْتَقْبَلِ جُهودِ ترامب لِلتَّوَصُّلِ إلى سَلامٍ بَيْنَ لُبْنانَ واسْرائيلَ لا يُمْكِنُ فَصْلُهُ عَنْ مَآلِ مُحاوَلاتِهِ السّابِقَةِ لِتَسْوِيَةِ عَدَدٍ مِنَ الصِّراعاتِ المُهِمَّةِ وَعلى رَأْسِها الصِّراعُ حَوْلَ أوكْرانْيا وَفِلَسْطين.
لا تسوية بغير دراية بتعقيدات الصراع وحياد نزيه بين أطرافه
وَكَما سَبَقَتِ الإِشارَة، فَإٍنَّ نَهْجَهُ المُخْتَلِفَ لِتَسْوِيَةِ الصِّراعِ في أوكْرانْيا أَعْطى أَمَلًا في إِمْكانِيَّةِ تَحْقيقِ اخْتِراقٍ في مَجالِ تَسْوِيَتِه، ذَلِكَ أَنَّهُ اسْتَبْدَلَ بِنَهْجِ سَلَفِهِ بايْدِن الذي قَادَ أوروبّا ضِدَّ روسْيا في حَرْبِها على أوكْرانْيا نَهْجًا بَديلًا غَيْرَ مَأْلوفٍ يَقومُ على أَساسِ الِاعْتِرافِ مِنْ حَيْثُ المَبْدَأ بِالمَكاسِبِ الإِقْليمِيَّةِ التي حَقَّقَتْها روسْيا في الحَرْبِ مُقابِلَ ضَماناتٍ أَمْنِيَّةٍ أَكيدَةٍ لِأوكْرانْيا فيما تَبَقّى لَها مِنْ أَرْضِها. وَعلى الرَّغْمِ مِنْ أَنَّ نُقْطَةَ الِانْطِلاقِ هَذِهِ مُجافِيَةٌ لِلْقانونِ الدَّوْلِيِّ إِلّا أَنَّ الدُّوَلَ الأوروبِّيَّةَ المَعْنِيَّةَ المُعْتَرِضَةَ على نَهْجِهِ لَمْ تَصْطَدِمْ بِهِ صَراحَة، وَأَخَذَتْ تُرَكِّزُ على التَّشْديدِ على الضَّماناتِ الأَمْنِيَّة. وَبَعْدَ شَدٍّ وَجَذْب، واصْطِدَاماتٍ عَلَنِيَّةٍ مَعَ الرَّئيسِ الأوكْرانِيِّ تَلَتْها تَهْدِئَةٌ وَتَرْضِياتٌ وَثَناءٌ على الرَّئيسِ الرّوسِيِّ ثُمَّ لَوْمُه، وَعَديدٍ مِنَ التَّصْريحاتِ الغامِضَةِ والمُتَناقِضَة، انْتَهَى الأَمْرُ إلى لا شَيْء، وَبَقِيَتِ الحَرْبُ في أوكْرانْيا على حالِها، تَسْتَنْزِفُ المَوارِدَ والبَشَرَ مِنْ دونِ أَنْ تَلوحَ في الأُفُقِ مُؤَشِّراتٌ أَكيدَةٌ لِتَسْوِيَتِها. والدَّرْسُ الواضِحُ لِهَذا الإِخْفاقِ هُوَ أَنَّ التَّسْوِيَةَ النّاجِحَةَ لِلصِّراعاتِ لا بُدَّ أَنْ تَأْخُذَ في اعْتِبارِها التَّعْقيدَاتِ التي تَنْطَوي عَلَيْها، وَضَرورَةَ المُوازَنَةِ بَيْنَ مَصالِحِ أَطْرافِها، وَإِلّا فَإِنَّ الغَلَبَةَ تَبْقى لِمَوازينِ القُوى في حَسْمِ مَصيرِها.
أَمّا الحَرْبُ في غَزَّة، فَيُحْمَدُ لِترامب أَنَّهُ غَيَّرَ وَلَوْ ظاهِرِيًّا أَفْكارَهُ الخاصَّةَ بِطَرْدِ أَصْحابِ الأَرْضِ وَتَحْويلِها إلى مُنْتَجَعٍ تَرْفيهِيٍّ عالَمِيٍّ، وَوَضَعَ خُطَّةً لِتَسْوِيَةٍ صَحيحٌ أَنَّه تَرِدُ عَلَيْها مُلاحَظاتٌ جَوْهَرِيَّة، لَكِنَّها على الأَقَلِّ أَقَرَّتْ بَقاءَ أَهْلِ غَزَّةَ في أَرْضِهِم، وانْسِحابَ القُوّاتِ الإِسْرائيلِيَّةِ مِنْها بِالتَّزامُنِ مَعَ نَزْعِ سِلاحِ المُقاوَمَة، وَفَتْحَ آفاقٍ غامِضَةٍ لِدَوْلَةٍ ما. ثُمَّ تَحَوَّلَتِ الخُطَّةُ لِقَرارٍ صَدَرَ عَنْ مَجْلِسِ الأَمْن، وَتَشْكيلٍ لِما سُمِّيَ بِمَجْلِسِ السَّلامِ الذي أُسِّسَ على انْفِرادٍ كامِلٍ لِترامب بِالسُّلْطَةِ في كُلِّ ما يَتَعَلَّقُ بِهِ، غَيْرَ أَنَّ 6 شُهورٍ مَرَّتْ حَتّى الآنَ على هَذِهِ التَّطَوُّراتِ مِنْ دونِ أَنْ تَحْدُثَ أَيُّ خُطْوَةٍ إلى الأَمام، فَلا القُوَّةُ الدَّوْلِيَّةُ لِتَحْقيقِ الِاسْتِقْرارِ تَشَكَّلَت، وَلا إِسْرائيلُ تَوَقَّفَتْ عَنْ أَعْمالِ القَصْفِ والنَّسْفِ والتَّدْمِيرِ في غَزَّة، وَلا حَتّى سَمَحَتْ بِإِدْخالِ المُساعَداتِ وِفْقًا لِاتِّفاقِ وَقْفِ إِطْلاقِ النار. وَهُوَ ما يُدْخِلُ عامِلَ الِانْحِيازِ لِإِسْرائيلَ في التَّحْليلِ لِيَزيدَ الأُمُورَ تَعْقيدًا، فَفي كُلِّ المَسائِلِ التي انْتَهَكَتْ فيها الْتِزاماتِها بِموجِبِ اتِّفاقِ وَقْفِ إِطْلاقِ النارِ، والتي أَدَّتْ أَحْيانًا لِنَوْعٍ مِنَ الِاخْتِلافِ بَيْنَ وِجْهَتَيِ النَّظَرِ الإِسْرائيلِيَّةِ والأَميرْكِيَّة، انْتَهى الأَمْرُ لِانْصِياعِ ترامب إلى وِجْهَةِ النَّظَرِ الإِسْرائيلِيَّةِ صَراحَةً أَوْ ضِمْنًا.
السلاح الرئيسي للبنان في معركة السلام ينبغي أن يكون وحدته الوطنية
ثُمَّ بادَرَ بِشَنِّ الحَرْبِ على إيرانَ بِالِاتِّفاقِ مَعَ إِسْرائيل، وَهِيَ الحَرْبُ التي أَدَّتْ إلى التَّداعِياتِ الخَطيرَةِ التي نَشْهَدُها الآنَ جَميعًا، والتي ذَهَبَتْ بِمَلَفِّ التَّسْوِيَةِ في غَزَّةَ مِنَ النّاحِيَةِ العَمَلِيَّةِ إلى طَيِّ النِّسْيان، أَوْ على الأَقَلِّ الإِهْمال.
وَهَكَذا فَإِنَّ "صانِعَ السَّلامِ" لَمْ يُوَفَّقْ في صُنْعِهِ في أَيِّ حالَةٍ ذاتِ بالٍ، بَلْ إِنَّهُ في إِحْدى الحالاتِ التي أَحْصاها في سِجِلِّهِ لِإِنْهاءِ الحُروبِ - وَهِيَ حالَةُ العُدْوانِ على إيرانَ في يونْيو/حُزَيْران 2025 - أَجْهَضَها بِالحَرْبِ التي بادَرَ بِشَنِّها في نِهايَةِ فِبْرايِر/شُباط الماضي. والدُّروسُ المُسْتَفادَةُ واضِحَة، وَهِيَ أَنَّهُ لا تَسْوِيَةَ بِغَيْرِ دِرايَةٍ كافِيَةٍ بِتَعْقيداتِ الصِّراع، وَحِيادٍ نَزيهٍ بَيْنَ أَطْرافِه، وَهُما عامِلانِ واضِحٌ أَنَّهُما لا يَتَوَفَّرانِ في الحالَةِ اللُّبْنانِيَّةِ - الإِسْرائيلِيَّة، وَلِذَلِكَ فَإِنَّ السِّلاحَ الرَّئيسِيَّ لِلُبْنانَ في مَعْرَكَةِ السَّلامِ يَنْبَغي أَنْ يَكونَ وَحْدَتَهُ الوَطَنِيَّة.
(خاص "عروبة 22")

