تُمَثِّلُ التَّداعِياتُ على الِاقْتِصادِ العالَمِيِّ صَدْمَةَ رُكودٍ تضخّمِيّ، إِذْ حَذَّرَ صُّنْدوقُ النَّقْدِ مِنْ سيناريو يَجْمَعُ بَيْنَ تَباطُؤِ النُّمُوِّ الِاقْتِصادِيِّ وارْتِفاعِ مُعَدَّلاتِ التَّضَخُّمِ عالمِيًّا نَتيجَةَ اضْطِرابِ الإِمْداداتِ مصحوبةً بِأَزْمَةِ طاقَةٍ حادَّةٍ تُرْبِكُ أُسُسَ تَحْقيقِ النُّمُوِّ المُسْتَدام.
وَتُمَثِّلُ التَّداعِياتُ على اقْتِصادِ إيرانَ انكماشًا حادًّا، إِذْ تَوَقَّعَ البَنْكُ الدَّوْلِيُّ أَنْ يُؤَدِّيَ الصِّراعُ إلى انْكِماشِ النَّّاتِجِ المَحَلِّيِّ الإِجْمالِيِّ الإيرانِيّ، مَعَ تَدَهُّورٍ حادٍّ في مُسْتَوَياتِ المَعيشَة، وَأَنْ يُؤَدِّيَ النِّزاعُ إلى انْخِفاضٍ حادٍّ في قيمَةِ العُمْلَةِ الإيرانِيَّة، مِمّا قَدْ يَدْفَعُ بِمُعَدَّلاتِ التَّضَخُّمِ السَّنَوِيَّةِ لِلقَفْزِ سَريعًا إلى نَحْوِ 60%، كما حَذَّرَ خُبَراءُ البَنْكِ مِنْ أَضْرارٍ طَويلَةِ الأَمَدِ سَتَلْحَقُ بِرَأْسِ المالِ البَشَرِيِّ والمادِّيِّ والبُنْيَةِ التَّحْتِيَّةِ الإِنْتاجِيَّةِ في إيران.
منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وباكستان تعيش لحظة فارقة في تاريخها الاقتصادي المعاصر
وَتُشيرُ التَّداعِياتُ الإِقْليمِيَّةُ والمالِيَّةُ إلى تَأَثُّرِ دُوَلِ الجِوار، وَتَأَثُّرِ ميزانِيّاتِ دُوَلٍ مِثْلَ مِصْرَ والأُرْدُنِّ وَلُبْنانَ والعِراقِ بِسَبَبِ تَراجُعِ السِّياحَةِ واضْطِرابِ التِّجارَةِ عَبْرَ البَحْرِ الأَحْمَرِ وَقَناةِ السُّوَيْسِ وَمَضيقِ هُرْمُز.
كَذلكَ شَهِدَتْ مُؤَشِّراتُ الأَسْهُمِ العالَمِيَّةِ انْخِفاضاتٍ مَلْحوظَة، خاصَّةً في الأَسْواقِ الأوروبِّيَّة، مَعَ زِيادَةِ تَكاليفِ شَحْنِ النَّفْطِ عَبْرَ النّاقِلاتِ العِمْلاقَةِ بِأَكْثَرَ مِنَ الضِّعْف، كَما يُهَدِّدُ ارْتِفاعُ أَسْعارِ الأَسْمِدَةِ والغازِ بِزِيادَةِ تَكاليفِ الإِنْتاجِ الزِّراعِيّ، مِمّا يُنْذِرُ بِأَزْمَةِ أَمْنٍ غِذَائِيّ عالَمِيّ.
وَتَتَفاقَمُ التَّداعِياتُ في مُخْتَلَفِ القِطاعات، فَنَقْصُ الوَقودِ المُكَرَّر، كَالدّيزِلِ وَوَقودِ الطّائِرات، يُؤَثِّرُ على النَّقْلِ والتِّجارَة، بَيْنَما يُؤَدّي ارْتِفاعُ تَكاليفِ الأَسْمِدَةِ والخِدْماتِ اللّوجيستِيَّةِ إلى تَفاقُمِ انْعِدامِ الأَمْنِ الغِذائِيِّ العالَمِيّ، وَتُشيرُ تَقْديراتُ صُنْدوقِ النَّقْدِ الدَّوْلِيِّ إلى أَنَّ مَلايينَ آخَرينَ يُدْفَعونَ إلى بَراثِنِ الجوع، مِمّا يَزيدُ مِنْ هَشاشَةِ الوَضْعِ العالَمِيِّ الهَشِّ أصلًا.
وأَكَّدَ صُنْدوقُ النَّقْدِ الدَّوْلِيُّ أَنَّ مِنْطَقَةَ الشَّرْقِ الأَوْسَطِ وَشَمالِ أَفْريقْيا وَباكِسْتان، تَعيشُ لَحْظَةً فارِقَةً وَصَعْبَةً في تاريخِها الِاقْتِصادِيِّ المُعاصِر، إِثْرَ الحَرْبِ التي انْدَلَعَتْ في شُباطَ 2026، إِذْ إِنَّ هَذا النِّزاعَ لَمْ يُمَثِّلْ مُجَرَّدَ أَزْمَةِ حُدودِيَّة، بَل تَحَوَّلَ إلى صَدْمَةٍ ضَرَبَتْ قَلْبَ المَمَرّاتِ الِاقْتِصادِيَّةِ الِاسْتْراتيجيَّة، مُخَلِّفًا صَدْمَةَ طاقَةٍ عالَمِيَّةً وَشَلَلًا في سَلاسِلِ الإِمْداد. وَفي خِضَمِّ هَذِهِ التَّحَدِّيات، بَرَزَتْ بَعْضُ الِاقْتِصادات، كَالسُّعودِيَّة، والإِمارات، وَمِصْر، والعِراق، والأُرْدُنّ، وَقَطَر، التي أَظْهَرَتْ مَتانَةً اسْتِثْنائِيَّةً مَكَّنَتْها مِنَ امْتِصاصِ تَداعِياتِ إِغْلاقِ مَضيقِ هُرْمُز وَتَراجُعِ الإِنْتاجِ الإِقْليمِيّ.
ضرورة تنويع طرق التجارة بوصفها ضمانة وجودية لاستمرار تدفّق السلع والطاقة
وَلَعَلَّ أَحَدَ أَبْرَزِ الدُّروسِ القاسِيَةِ والمُلْهِمَةِ التي اسْتَخْلَصَها الِاقْتِصادُ العالَمِيُّ مِنَ الحَرْبِ وَإِغْلاقِ مَضيقِ هُرْمُز، يَكْمُنُ في ضَرورَةِ تَنْويعِ طُرُقِ التِّجارَةِ بِوَصْفِها ضَمانَةً وُجودِيَّةً لِاسْتِمْرارِ تَدَفُّقِ السِّلَعِ والطّاقَة. وَفي هَذا السِّياق، فَإِنَّ النَّهْجَ الَّذِي سَلَكَتْهُ دُوَلُ الخَليجِ العَرَبِيِّ ضِمْنَ رُؤْيَتِها الِاسْتْراتيجيَّة، لَمْ يَكُنْ مُجَرَّدَ تَطْويرٍ لِلبُنْيَةِ التَّحْتِيَّة، بَلْ كانَ إِعادَةَ رَسْمٍ شامِلَةً لِخَريطَةِ العُبورِ اللّوجيستِيّ، حَيْثُ نَجَحَتْ مِنْ خِلالِ تَطْويرِ المَوانِئِ البَديلَةِ على البَحْرِ الأَحْمَرِ وَتَوْسيعِ شَبَكاتِ الرَّبْطِ البَرِّيِّ والسِّكَكِيّ، في تَقْليلِ حالَةِ الخَلَلِ النّاتِجَةِ عَنِ الِارْتِباطِ بِمَمَرٍّ مائِيٍّ واحِدٍ وَضَيِّق.
وَفي مَوْضوعٍ ذي صِلَة، أَطْلَقَتْ "قِمَّةُ باريس" مَسارَ تَشْكيلِ "قُوَّةِ هُرْمُز" بِمُشارَكَةِ 12 دَوْلَةً، وَهِيَ قِمَّةٌ بَحَثَتْ سُبُلَ إِعادَةِ فَتْحِ مَضيقِ هُرْمُز، في إِطارِ مُبادَرَةٍ دَوْلِيَّةٍ لِحِمايَةِ حُرِّيَّةِ المِلاحَة، بِمُشارَكَةٍ واسِعَةٍ شَمَلَتْ نَحْوَ 49 دَوْلَةً وَمُؤَسَّسَة.
وَجاءَتِ القِمَّةُ في سِياقِ تَسْريعِ الجُهودِ التي تَقودُها فَرَنْسا وَبَريطَانِيا، لِتَشْكِيلِ مُهِمَّةٍ عَسْكَرِيَّةٍ دِفَاعِيَّةٍ وَمُحَايِدَة، تَهْدِفُ إلى ضَمانِ أَمْنِ العُبُورِ في المَضيق، بَعْدَ انْتِهاءِ حَرْبِ إيران، أَوْ على الأَقَلِّ العَمَلِيّاتِ العَسْكَرِيَّةِ الرَّئيسِيَّة، وَشَهِدَتْ هَذِهِ الجُهودُ دَفْعَةً خِلالَ المُؤْتَمَرِ المُوَسَّعِ بِرِئاسَةٍ مُزْدَوِجَةٍ فَرَنْسِيَّةٍ - بَريطانِيَّة.
(خاص "عروبة 22")

