فَلْسَفَةُ المَعْلوماتِيَّة.. والخُصوصِيَّةُ العَرَبِيَّةُ الإِسْلامِيَّة (2/2)ضَبْطُ وَتَوْجيهُ "التِّكْنولوجْيا الفَوْقِيَّة"!

يَنْتَهي التَّنْظيرُ الفَلْسَفِيُّ التَّطْبيقِيُّ في "المَعْلوماتِيَّة" إلى ضَرورَةِ التَّحَكُّمِ في تَطَوُّراتِها واسْتِخْداماتِها عَبْرَ ضَبْطِ "التِّكْنولوجْيا الفَوْقِيَّة" وَتَوْجيهِها إِنْسانِيًّا، وَمَنْعِ سَيْطَرَةِ قَرارِ الآلَةِ على قَرارِ الإِنْسان.

فَلْسَفَةُ المَعْلوماتِيَّة.. والخُصوصِيَّةُ العَرَبِيَّةُ الإِسْلامِيَّة (2/2)
ضَبْطُ وَتَوْجيهُ

"التِّكْنولوجْيا الفَوْقِيَّة" هِيَ مَجْموعَةُ القَوانينِ والأَنْظِمَةِ التَّشْريعِيَّةِ المُسَيَّسَةِ والمُعْتَمَدَةِ رَسْمِيًّا لَدى الدُّوَلِ المَعْنِيَّةِ بِالصِّناعاتِ التِّكْنولوجْيَّةِ بِأَنْواعِها، وَتَنْظيمِ حَرَكَتِها في المُجْتَمَع. وَتَشْمَلُ جَميعَ ما يوضَعُ وَيُطَبَّقُ مِنْ قَوانينَ وَقَراراتٍ وَلَوائِحَ وَأَساليبَ وَإِجْراءات، بِما في ذَلِكَ المَعاييرُ والبْروتوكولاتُ والتَّراخيصُ والضَّوابِط، وَشُروطُ الِانْتِشارِ والِاسْتِخْدامِ السَّليم، وَحُقوقُ التَّخْويلِ بِالِاسْتِخْدامِ والإِعارَةِ والتَّداوُل، وغالِبًا ما تُنْتَجُ عَنْ طَريقِ خُطَطِ وَمَناهِجِ السِّياساتِ المُوَجِّهَةِ والمُرْشِدَةِ لِلأَداءِ التِّكْنولوجِيّ، والنِّقاشِ، والِاخْتِيارِ الدّيموقْراطِيِّ حَوْلَ التِّكْنولوجْيا، وَتَقْييمِها مِنْ نَواحٍ أَخْلاقِيَّةٍ، وَقِيَمِيَّةٍ إِنسانِيَّةٍ، وَمُراعاةِ المَضارِّ والمَخاطِرِ مِنْ شَتّى الجَوانِبِ المادِّيَّةِ والثَّقافِيَّة، وَسُبُلِ الخِياراتِ والقَراراتِ الرَّشيدَة، وَتَحْديدِ المَسْؤولِيات.

وضع أطر لأخلاقيات المعلوماتية هو تحدٍّ يواجه الإنسان ويضعه أمام مسؤوليات مُعقّدة

يُؤَدّي هَذا الأَمْرُ إلى ضَرورَةِ القِيامِ بِخُطُواتٍ مُمَهْنَجَةٍ لِفَرْضِ التَّحَكُّمِ الإِنْسانِيّ، مَثَلًا: تَقْييدُ اسْتِخْدامِ تِقْنِيّاتٍ مُحَدَّدَة؛ تَوْجيهُ الِاسْتِخْدامِ والفُرَصِ المُتاحَة؛ حَظْرُ الِاسْتِخْدامِ أَوِ التَّطْويرِ التِّقْنِيّ؛ إيقافُ التَّطْويرِ عِنْدَ مَرْحَلَةٍ مُحَدَّدَة؛ الحَدُّ مِنِ انْتِشارِ تِقْنِيّاتٍ مُعَيَّنَة؛ وَتَعْديلُ التَّطْويرِ وَإِصْلاحُ المُخْرَجاتِ والنَّتائِج...

إِنَّ وَضْعَ أُطُرٍ وَتَوافُقاتٍ لِأَخْلاقِيّاتِ المَعْلوماتِيَّة، هُوَ تَحَدٍّ يُواجِهُ الإِنسانَ وَيَضَعُهُ أَمامَ مَسْؤولِيّاتٍ مُعَقَّدَة؛ خاصَّةً مُعْضِلَةَ وَضْعِ "نَهْجٍ أَخْلاقِيّ"، بِمَعْنى الِاحْتِكامِ إلى الفَضيلَةِ الإِنسانِيَّة (أَخْلاقِ القيمَة). وَكَيْفَ يُمْكِنُ تَقْنينُ "الفَضيلَةِ" الإِنسانِيَّة؟ وَوَضْعُها في أُطُرٍ تِقْنِيَّةٍ قابِلَةٍ لِلتَّمْثيلِ البَرْمَجِيِّ والتَّنْفيذ؟ أَيُّ أَخْلاقِيّاتِ "فَضيلَةٍ" تُعْتَمَدُ دَوْلِيًّا؟ أَيُّ مَرْجِعِيَّةٍ دينِيَّةٍ أَوْ وَضْعِيَّة؟ وَهَل مِنَ المُمْكِنِ أَنْ تُطَوَّرَ "خَوارِزْمِياتٌ أَخْلاقِيَّة"؟، مَثَلًا عِنْدَ هَنْدَسَةِ وَتَصْميمِ الأَسْلِحَةِ الرّوبوتِيَّة؟ هُنا، تَأْتي ضَرورَةُ إِشْراكِ الآخَرِ في رَسْمِ مَعالِمِ الطَّريقِ الإِنسانِيِّ المُشْتَرَك.

لَمْ يَعُدْ بِالإِمْكانِ مُسايَرَةُ الفِكْرِ الغَرْبِيِّ وَحْدَه، والتَّجْرِبَةِ الغَرْبِيَّةِ بِمَعْزِلٍ عَنِ التَّجارِبِ الإِنسانِيَّةِ الأُخْرى في تَحْديدِ المَعالِمِ وَرَسْمِ السَّياساتِ التِّقْنِيَّةِ والمَعْلوماتِيَّة، بِاعْتِبارِها مَناطَ خِبْرَةٍ إِنسانِيَّةٍ شامِلَة، تَتَطَلَّبُ مُشارَكَةَ ثَقافاتٍ مُخْتَلِفَة. وَهُوَ أَساسًا مَطْلَبٌ غَرْبِيٌّ في كَثيرٍ مِنَ الأَبْحاثِ والدِّراساتِ والآراءِ الجادَّة، وَمِنْها آراءُ مارتن هايْدِغر، هربرت مارْكوزِه، أندرو فينْبيرْغ، وَغَيْرِهِم؛ التي تَدْعو في مُجْمَلِها إلى تَرْسيخِ مَفْهومِ "الكَيْنونَة"، وَتَأْصيلِ العُمْقِ الإِنسانِيّ، خُصوصًا بِتَعَدُّدِيَّةِ العَقْلانِيَّةِ والثَّقافَة، وَدَمْقَرَطَةِ التِّكْنولوجْيا.

يجب بناء نظام "تكنولوجيا فوقية" عربية بأصول لا تتزعزع

إِنَّ الحَضارَةَ الغَرْبِيَّةَ المُعاصِرَة، فَقَدَتْ في ظاهِرِها ما يَنُمُّ عَنْ إِنسانِيَّتِها، ما نَحْتاجُهُ وَنَفْتَقِدُهُ وَنَنْعَتُهُ بِـ"الجَوْهَرِ الإِنسانِيِّ المُرْشِد"... وَفي وُجودِ اخْتِلافاتٍ "جَوْهَرِيَّةٍ" بَيْنَ الثَّقافات، خاصَّةً بَيْنَ الثَّقافَتَيْنِ الغَرْبِيَّةِ والعَرَبِيَّة، يَتَّضِحُ أَنَّ المَسارَ العَرَبِيَّ "المُمْكِنَ" - تِقْنِيًّا - هُوَ ضَرورَةُ تَحْديدِ تَوْجُّهِهِ مِنْ خِلالِ التِزامَيْنِ اثْنَيْنِ على الأَقَلّ:

أَوَّلُهُما: تَرْسيخُ الِاعْتِقادِ بِوُجودِ الجَوْهَرِ المُرْشِد (الرّوحِيّ - الإِنسانِيّ).

وَثانيهُما: تِبْيانُ الِاخْتِلافاتِ عَنِ الغَرْب، في سِياقِ التَّرْشيدِ التِّكْنولوجِيّ.

بِشَأْنِ الِالتِزامِ الأَوَّل؛ الواقِعُ أَنَّنَا نَمْتَلِكُ ما بِإِمْكانِهِ أَنْ يَبْرُزَ "جَوْهَرًا" يُرْشِدُنا، إِذا ما تَمَّ تَوْظيفُهُ وَتَقْنينُهُ عَمَلِيًّا في مَنْظومَةِ التِّكْنولوجْيا العَرَبِيَّة، وَخُصوصًا صِناعَةَ البَرْمَجِيّات، لا سِيَّما هَنْدَسَتَها وَتَصْمِيمَها واسْتِخْدامَ تَطْبيقاتِها. أَيْ تَفْعيلُ مَنْظومَةِ الأَخْلاقِ والقِيَمِ العَرَبِيَّة، والفَضيلَةِ الإِنسانِيَّةِ المُقَنَّنَةِ دينِيًّا أَوْ اجْتِماعِيًّا. وَذَلِكَ ما يُمْكِنُ تَأْطيرُهُ في أَخْلاقِيّاتِ التِّكْنولوجْيا المَعْلوماتِيَّةِ العَرَبِيَّة، وَبَثِّ تَوْجيهاتِها عَمَلِيًّا في المُحيطِ الإِنسانِيِّ الشَّبَكِيّ.

إِنَّهُ رَبْطُ المَظْهَرِ الأَخْلاقِيِّ بِجَوْهَرِهِ القِيَمِيّ، فَمَثَلًا "الأَمانَة"، وَ"الحَقّ"، وَ"المُروءَة"، وَ"الصِّدْق"، وَ"التَّسامُح"، و"العَدْل"، وَ"الشَّرَف"، كَكَلِمَةِ التِزامٍ وَنَزاهَة...

هَذِهِ القِيَمُ وَغَيْرُها، يَجِبُ أَنْ تَتَأَصَّلَ في مَنْظومَتِنَا العَمَلِيَّةِ بِمَرْجِعِيّاتِها الدّينِيَّةِ والِاجْتِماعِيَّةِ عَبْرَ بِناءِ نِظامِ "تِكْنولوجْيا فَوْقِيَّة" عَرَبِيَّة، بِأُصولٍ وَثَوابِتَ لا تَتَزَعْزَع؛ أَيْ تَمْثيلُ هَذِهِ القِيَمِ والمَعاييرِ في اسْتِخْداماتِ المَعْلوماتِيَّةِ المُنْتَجَةِ ضِمْنَ التَّحَكُّمِ التِّقْنِيِّ العَرَبِيِّ/الوَطَنِيّ.

بِشَأْنِ الِالتِزامِ الثّاني، فَإِنَّ اخْتِلافاتِنا عَنِ الغَرْبِ عَديدَة، مِنْها في هَذا السِّياق:

العَلْمانِيَّةُ المُفْرِطَةُ لَدى الغَرْب، وَإِحْلالُ فِكْرَةِ "العِلْمِ" مَحَلَّ فِكْرَةِ "اللهِ" في المُجْتَمَعِ والتّاريخ! واعْتِبارُ العَقْلِ أَوِ "العَقْلانِيَّةِ" مُناهِضَةً لِلدّين، لِتَقْتَصِرَ الِاعْتِقاداتُ الدّينِيَّةُ على حَياةِ الفَرْد، وَغالِبًا مِنْ دونِ مُشْتَرَكٍ اجْتِماعِيٍّ - أَخْلاقِيٍّ بِتَعْزيزٍ دينِي.

الإِفْراطُ في المَنْظورِ الشَّكِّيِّ لِلعِلْم، أَفْرَزَ حالَةَ الفُقْدانِ الفِكْرِيِّ لِدَرَجَةِ الشَّكِّ في يَقينِيَّةِ العِلْمِ التَّجْرِيبِيّ، وَتَفاقُمِ أَمْرِ التَّناقُضِ بَيْنَ ما يُعْرَفُ بِـ"الحَتْمِيَّة" وَ"اللّاحَتْمِيَّة"، فَأَصْبَحَ الإِنسانُ يَعيشُ حالَةَ فَقْدِ المَعْنى وَغِيابِ اليَقينِ/الحَقيقَة.

حَلُّ الرَّوابِطِ الفِكْرِيَّةِ أَدّى إلى حَلِّ الإيمانِيّاتِ الِاجْتِماعِيَّة، والعُقَدِ التي بِموجِبِها تَنْشَأُ العَلاقاتُ مِنْ أَساسِها. لَقَدْ تَمَحْوَرَتِ العَلاقاتُ على مُثَلَّثِ العَقْلِ-المادَّة-العِلْم، بِما شَكَّلَ نَموذَجَ "النِّظامِ" الغَرْبِيّ، مَنْظومَةَ البُنى الِاجْتِماعِيَّةِ والثَّقافِيَّةِ لِلحَداثَةِ وَ"ما بَعْدَ الحَداثَةِ" التي فَكَّكَتْ تَقْريبًا كُلَّ شَيْء.

يمكننا المساهمة في استرجاع الجوهر والمعنى المفقود بالمحافظة على اختلافاتنا القيمية مع الثقافة الغربية الآلية

تَفاقَمَتْ مَظاهِرُ رَفْضِ التُّراث، والسَّرْدِيّاتِ الكُبْرى، والِانْفِصالِ عَنِ الفِطْرَة، لا حُرِّيَّةَ لِلإِنسانِ في عَدَمِيَّتِهِ وَعَبَثِيَّتِه! بَلِ السُّقوطُ في كُلِّ ما هُوَ غَريبٌ وَشاذٌّ وَلاإِنسانِيّ، بِمَعْنى كُلِّ ما يَهْدِمُ الإِنسانَ مِنْ داخِلِه، وَيُسَلِّمُ مَصيرَهُ لِلآلَةِ اللّاواعِيَة، اللّامَسْؤولَة!

يَعْتَبِرُ الغَرْبُ بِشَكْلٍ عامٍّ أَنَّ عَقْلانِيَّتَهُ هِيَ الوَحيدَةُ في العالَمِ وَفي التَّطَوُّرِ التّاريخِيِّ لِلمُجْتَمَعاتِ البَشَرِيَّة، وَأَنَّ ما وَصَلَ إِلَيْهِ مِنْ تَقَدُّمٍ اكْتَسَبَهُ وَحْدَه، وَأَكْسَبَهُ تَمَيُّزَهُ العَقْلانِيَّ الأَوْحَد. والأَمْثِلَةُ كَثيرَةٌ في هَذا الشَّأْنِ مِنْ أَقْوالِ المُفَكِّرينَ الغَرْبِيّين، عَدا القَليلينَ الَّذينَ صَرَّحوا بِضَرورَةِ البَحْثِ عَنْ عَقْلانِيَّةٍ مُغايِرَة (مِثْلَ مَنْ ذَكَرْناهُم أَعْلاه).

عَرَبِيًّا، نَحْنُ لَمْ "نَتَبَرْمَجْ" بَعْدُ في قالِبِ الحَداثَةِ وَما بَعْدَ الحَداثَةِ الغَرْبِيَّة، وَلَمْ نَزَل قابِلينَ لِلتَّطْويعِ الحَضارِيِّ الفِطْرِيِّ في تَواصُلِنا الإِنسانِيِّ المُشْتَرَك. يُمْكِنُنا المُساهَمَةُ في اسْتِرْجاعِ الجَوْهَرِ والمَعْنى المَفْقود، بِالمُحافَظَةِ على اخْتِلافاتِنا القِيَمِيَّةِ مَعَ الثَّقافَةِ الغَرْبِيَّةِ الآلِيَّة، فَنَبْني مَنْظومَتَنَا الأَخْلاقِيَّةَ التِّقْنِيَّة، بِتَطْبيقِ المَبادِئِ والتَّعاليمِ السَّمِحَةِ بِتَضْمينِها في تَشْريعاتِ صِناعَةِ واسْتِخْدامِ المَعْلوماتِيَّةِ المُسْتَوْرَدَةِ والمُنْتَجَةِ مَحَلِيًّا، إلى جانِبِ تَعْزيزِ مُقَوِّماتِ هُوِيَّتِنا في تَشْريعاتِنا التِّقْنِيَّة (اللُّغَة، التّاريخ، الثَّقافَة، والإِبْداعِ الذّاتِيّ).

لقراءة الجزء الأول

(خاص "عروبة 22")

يتم التصفح الآن